المغرب.. وداعًا للمألوف الثقافي؟

المغرب.. وداعًا للمألوف الثقافي؟

ماحي بينبين/ المغرب

شهدت الساحة الثقافية المغربية تطوراً، في السنوات القليلة الأخيرة، تميّزَ بمجموعةٍ من السِّمَاتِ، من بينِها ظهورُ مبادرات تمردت على الطابع الكلاسيكي لِلحَدث الثقافي، نتيجة الوعي الحادّ بضرورة التواصل الثقافي، وبالانتباه إلى الإمكانَات المفتوحة خارج المُتاح الرسميّ المُتَرَهّل.

تأتي التجارب الثقافية للأطراف في المغرب كتأمّل احتجاجي 

في هذا السياق، برَزتْ تجربة صالون سانتا كروز الأدبي، الذي يُشرفُ عليه مجموعة من الشباب المُثقّف في مدينة أغادير جنوب المغرب، هذه التجربة استطاعت خلال أشهر قليلة أن تُلفِتَ انتباه الرأي العام الثقافي إلى جِدّية ونوعية الأنشطة الثقافية التي ينظمها الصالون، وتأتي تجربة سانتا كروز، كما يقول محمد إدسان، أحد الشباب المشرفين عليها، لـ"ألترا صوت": "لتُقدم إسهاماً نوعياً في الامتداد الثقافي والإنساني للكائن الجنوبي، الذي آمن منذُ قرون أن الثقافة عمقٌ إنساني ومدخل وحيد لإدراك الذات والانفتاح على الآخر، نحو مُثاقفة إيجابية". ويضيف إدسان: "الصالون موقف جمالي يُحاول بمسؤولية ورغبة جادة وخلاقة توجيه الرؤى الشبابية نحو الانخراط في الفعل الثقافي والأدبي، لترميم الشرخ في المشهد الوطني عموماً والمحلي خصوصاً".  

وعن دور البعد الجغرافي عن المركز في تشكّل الفكرة وتطوّرها، يقول: "تشكل تجربة الصالون سؤالاً شبابياً جنوبياً للمركز حول اعتباره لأدب الهامش استثناءً زمنيّاً ووجوديّاً، يُمارس التناقض مع قوة هذا المركز، ويَخلق وعياً بالاختلاف والتعدد واللامألوف واللاجاهز". 

وَيتميز الفعل الثقافي في الصالون، بأنه أدب شبابي يحتفي بالمواهب الشابة المُغيبة عن الضوء. وجاءت التجربة تأمّلاً احتجاجياً من موقع مُهمش يفتح آفاقاً تليقُ بتطلعات الكائن الجنوبي وموقعه في الصيرورة الثقافية الإنسانية. وبالفعل استطاع هذا الصالون استضافة مجموعة من الأسماء التي آمنت بالتجربة وقام بتقديم تجارب متميزة لشباب يُبدِعُ في جَنوبِ الصَمت. 

تَجربةٌ أخرى استطاعتْ أن تثير الانتباه من مدينة أخرى هذه المرة، هي تجربة "شباب الآكورا" في مدينة فاس، وهم شباب لا يترددون في تنظيم أمسياتهم الشعرية والموسيقية في الشارع العام، أو في مقهى، أو حتى ساحة من ساحات المدينة، خارجَ كلّ الاعتبارات الطّقوسية التي تربط النشاط الثقافي بعناصر القاعة والجمهور والإعلام وغيرها. 

وعن هذه التجربة يقول الشاعر عمر الأزمي: "نحن مجموعة من الشباب الشعراء الذين توحدهم الكلمة، من خلال أنشطة تتمتع بالعفوية التامة، ولا أقصد بالعفوية هنا الارتجالية وإنما أقصد نفي الطقوسية التي غالباً ما تفرغ النشاط الشعري من الداخل".

ملأ الشباب الساحة بطاقةٍ تحاول تكسير كل الأنماط والمعتقدات القديمة

وبالفعل استطاعت هذه المجموعة لفت انتباه النخبة الثقافية داخل المدينة وخارجها، كما حضر بعض أنشطتها مبدعون شباب من مدن أخرى. ويضيف صاحب ديوان "العهد اللذيذ" عن هذه التجربة وموقعها داخل السياق الثقافي المغربي "المثير للاهتمام أن هذه المجموعة الشعرية الشابة تمكنت من تشكيل قاعدة مهتمين سواء من قبل شعراء المدينة الكبار، أو من قبل الشباب المولع بالفن الشعري، ما جعل صيتها يذيع في الوسط الثقافي".

وعنْ قِراءَتهِ للحراك الثقافي في الشارع المغربي، يقول الشاعر محمد عريج "الشباب في المغرب، استطاعوا أن يؤسسوا لحراك ثقافي مهم، لا يستطيع أحد أن ينكره. ويملؤوا الساحة بطاقة تعمل على تكسير كل الأنماط والمعتقدات القديمة التي لم تعد تتلاءم مع روح اللحظة"، ويضيفُ صاحبُ ديوان "كنتُ معي": "لا أستطيع الآن أن أحكم بالسلب أو بالإيجاب، لكنني سعيد بكل ما يحدث، على الأقل فيما يخص الكتابة". 

إنّ هذين النموذجين يجعلان التفكير في تقييم الحراك الثقافي في الشارع المغربي، يعيد النظر في أدواته وفي موضوعه، حيثُ تصبح العلاقة بين هذا الحراك بينَ المؤسسات الرسمية، أو شبه الرسمية، محَطَّ تساؤل مُبَرّر. ولا يُمكنُ أن ننكر فضل وسائط الاتصال الحديثة في تقليص سُلطة هذه المؤسسات ودورها في احتضان وتقديم الشباب المثقف والتعريف به وبكلمته. 

لقد وجد الشباب منذ البداية في الإنترنت مساحة للتعبير الحرّ، ولربط جسور التواصل مع القراء والمتابعين. وقد ساهمَ هذا المناخ الجديد في إبراز أصوات جديدة ومتميّزة في مختلف اتجاهات التعبير الثقافي، وإن كانَ الأمر لا يَخلو من ظواهر سلبية أدّت في بعض الأحيان إلى تمييع هذا التعبير أو حتى تَتفيهِه. لكنَّ هذا المناخ المتميّز بسقف عالٍ من الحرّية والمتسع لإمكانات تكاد تكون لانهائية ساهمَ أيضا في تطوير الذائقة العامة وحسّ التلقي لدى مُتتبعي الإنتاج الثقافي بصِيَغِهِ المختلفة.