11-يونيو-2020

رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني (Getty)

طفت على سطح النقاش في الساحة السياسية المغربية في الأسابيع الأخيرة دعوات إلى إسقاط الحكومة الحالية وتعويضها بحكومة "إنقاذ وطنية "، تتكون من تكنوقراطيين لمدة عامين، تحت مبرر إنقاذ الدورة الاقتصادية المغربية بسبب تداعيات فيروس كورونا الجديد.

طفت على سطح النقاش في الساحة السياسية المغربية في الأسابيع الأخيرة دعوات إلى إسقاط الحكومة الحالية وتعويضها بحكومة "إنقاذ وطنية "، تتكون من تكنوقراطيين لمدة عامين

وهي الدعوة التي أطلقها الكاتب الأول لحزب الاتحاد  الاشتراكي، إدريس لشكر، قبل أن تتعرض للسخرية ويتم تعويضها بفكرة الاستعانة بالتكنوقراط، الساعية إلى سحب الأحزاب إلى الوراء وتجميد الحياة السياسية مؤقتا حتى مرور هذه الفترة الاستثنائية في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا في المغرب.. جائحة تشُل الحياة

تكتسب التكنوقراطية تراثًا خاصًا في المغرب، فهي نظام حكم يُختار فيه صانعو القرار على أساس خبرتهم في مجال معين  لتدبير الشأن السياسي، ويعتبر هذا النظام معاديا للديمقراطية لأنه يلغي دور الوزراء المنتخبين. تم اعتماد التكنوقراطية في المغرب منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي التجأ إلى التكنوقراطيين رغبة في استبعاد النخب السياسية وتقليص دورها جراء الصراع القائم بين الملكية والأحزاب في القرن الماضي.

أصبح نظام التكنوقراط عرفًا سياسيًا متداولًا في المغرب، فمنذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم لم تخل أي حكومة من نخبة تكنوقراطية تستمد شرعيتها من القصر، وتتوفر على انضباط وكفاءة تدبيرية وتسعى إلى تسيير الدولة وفق رؤية تعطي الأولوية إلى التنمية الاقتصادية.

هل يسقط التكنوقراط الإسلاميين؟

برز الحديث عن حكومة التكنوقراط بعد التنويه الذي حصل عليه الوزراء اللامنتمون لأي حزب سياسي، أمثال وزير الاقتصاد والمالية، ووزير الصناعة والتجارة، ووزير الداخلية، خلال الفترة الاستثنائية التي يمر بها المغرب والعالم كاملًا، وأيضًا بعد حديث الحكومة عن التفكير في خطة جديدة لإنقاذ الاقتصاد، في ظل التعايش مع فيروس كورونا، بما يحول دون انتشاره مجددًا، أو إعاقة النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وذلك للحد من الخسائر التي تناهز مليار درهم يوميًا.

الحديث عن حكومة التكنوقراط جاء بعد مضي أكثر من 70 يومًا على إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وهي الفترة التي تصدرت فيها الدولة بكل مؤسساتها المدنية والعسكرية، مواجهة الجائحة، بينما اختار السياسيون من أحزاب ونخب وغيرهم، الرجوع إلى الخلف، لفسح المجال أمام السلطات العمومية قصد التصدي للوباء.

الدعوة إلى حكومة جديدة تقصي الحكومة الحالية المنتخبة، والتي يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، حملت في طياتها بعض النيات المضمرة بين الأحزاب، حسب بعض الآراء، الأمر الذي علله خروج الكاتب العام لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي طالب بحكومة إنقاذ رفضها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، والذي قال إنه "لا معنى ولا مبرر لتشكيل حكومة إنقاذ وطنية، لعدم وجود أزمة سياسية داخل التحالف الحكومي"، كما أن "جميع الدول التي عانت من جائحة كورونا لم تلجأ إلى هذا الطرح، بل واجهتها بالحكومات ذاتها التي كانت سابقًا، وهو ما ينطبق على المغرب كذلك".

العثماني دافع عن حكومته وأشاد بالأعمال التي قامت بها خلال أزمة كورونا، وذلك بالتحالف الذي أبانه أعضاؤها والتناغم خلال تسيير أزمة كورونا، معتبرًا أن "لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأنه لا يمكن للمدافع عن الديمقراطية، أن يكون أوّل من يضربها بالمنجل، ويتنكر لها في ممارسته الداخلية"، كما أن "الأحزاب السياسية يتعين عليها أن تجسيد الديمقراطية داخل تنظيماتها، وأن تمتلك القرار السياسي بيدها، وأن تكون لديها مؤسسات فاعلة ومقنعة".

لم يكن العثماني وحده المدافع عن الديموقراطية، حيث إن بعض المعارضين راحوا إلى الدفاع عن الحكومة التي تعمل من أجل أن يتخطى البلد الأزمة، إذ اعتبر عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة (أكبر الأحزاب السياسية المعارضة)، أن "كل الداعيين إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة يهدفون إلى قلب حكومة سعد الدين العثماني".

أوضح وهبي أن مقترح تعويض حكومة العثماني المنتخبة بحكومة تكنوقراط سيكون منطقيًا لو جرى تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 2021، قائلًا: "إذا اقتضى الأمر تأخير الانتخابات، آنذاك سنقول إنه لا يجوز لهذه الحكومة أن تسير إلى ما بعد 2021، لأنها تفتقر إلى المشروعية الانتخابية التي كانت لديها سابقًا. وبناء عليه، يمكن الحديث آنذاك، عن تشكيل حكومة وطنية".

بدوره، عبر حزب الاستقلال المعارض أيضًا عن موقفه الرافض لأي حكومة جديدة، إذ اعتبر الأمين العام للحزب، نزار بركة، أن المغرب يعيش "حالة وحدة وطنية والهدف منها الحفاظ على الإجماع الوطني لمواجهة الجائحة بعد انصهار جهود الأحزاب والمؤسسات والمجتمع في إطار مواجهة تداعيات فيروس كورنا، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية".

ماذا يقول الدستور؟

على مستوى حزب العدالة والتنمية، أو حتى على مستوى الحكومة، لا يوجد عامل حاليًا يدفع الرئيس إلى الاستقالة، فحتى على مستوى الوضع الاجتماعي والاقتصادي، فإن المغرب لا يشكل استثناء في خريطة الأضرار السوسيوـ اقتصادية القاسية التي رسمتها جائحة كورونا، لأن الوضع مستقر جدًا كما أن المغرب حقق نجاحات مهمة في مواجهة الفيروس.

محمد الخو، أستاذ القانون الدستوري في جامعة القاضي عياض في مدينة مراكش، أوضح في حديث مع "ألترا صوت" أن الدستور الحالي للمملكة والذي تمت المصادقة عليه سنة 2011، لا يعطي لأحد الحق بمحاولة إلغاء الحكومة الحالية، حتى لو دفعوا رئيسها إلى الاستقالة أو الذهاب إلى حل البرلمان.

المتحدث أوضح أنه لا يمكن لرئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أن يتنحى جانبًا، سواء باستقالة طوعية أو إقالته من طرف الملك، هذا الأخير الذي يمكنه إقالة الوزراء بعد استشارة رئيس الحكومة أو حل مجلس النواب، أما أن يتجاوز ذلك إلى إقالة رئيس الحكومة أو تعيين حكومة "كفاءات" فهذا غير ممكن من الناحية الدستورية.

وينص الفصل 47 من دستور المملكة على أن "الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وللملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوًا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم، الفردية أو الجماعية. يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها…".

واعتبر المتحدث أن استقالة رئيس الحكومة تؤدي إلى استقالة كامل الحكومة، لكنها تستمر كحكومة تصريف أعمال، إلى أن يتم تعيين شخص آخر من نفس الحزب أو إعادة الانتخابات بعد حل مجلس النواب، وهذا هو الحال الذي تسير عليه أعرق الديمقراطيات البرلمانية، وحتى وإن توفي رئيس الحكومة فإن التعيين يكون من الحزب الأول الذي تصدر الانتخابات، وفي هذه الحالة فإن رئيس الحكومة لن يكون خارج حزب العدالة والتنمية.

الرأي القانوني احتكم له أيضًا الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المعارض، والذي قال في حوار مع جريدة "أخبار اليوم" المغربية، أن "النقاش المفتوح حول التكنوقراط أو حكومة تبعد الأحزاب مجانب للصواب، وفي غير محله، لأن البلاد لها دستور ولها مسار ديمقراطي وأن تكون هناك اعوجاجات ونقائص في الطبقة السياسية وغير ذلك، هذا أمر وارد، لكن في تلك الطبقة السياسية نفسها إمكانيات وطاقات بالإمكان الارتكاز عليها".

وتساءل المتحدث في تصريحه عمن سيحاسب التكنوقراط إذا ما أخلوا بتدبير الشأن العام، في حين أن الأسماء المنتخبة بانتخابات نزيهة يمكن محاسبتها ومحاسبة مؤسساتها، كما أنه يتعين احترام المنهجية الديمقراطية، وعدم المناداة بتجميد الديمقراطية لأنه "ليس هناك أي مسلسل تنموي دون ديمقراطية. البلدان التي نجحت وتقدمت، تقدمت بفضل ديمقراطيتها، وليس فقط بفضل نجاعتها الاقتصادية، وبفضل عدالتها الاجتماعية عندما تكون موجودة، فليس هناك أي مسلسل تنموي دون ديمقراطية حقيقة".

هل يحكم المغرب التكنوقراط؟

الحاجة إلى حكومة تكنوقراطية رفع سقف النقاش السياسي في المغرب، فبين مؤيد ورافض، هناك من يؤكد أن الحكومة الحالية، حتى وإن كانت تحمل مشعل الديموقراطية، وعينت وزراء انتخبوا بإرادة شعبية، فإنها تتوفر على عدد كبير من التكنوقراطيين، وحتى أولائك الذين تم صبغهم بألوان حزبية لتعيينهم.

وأغلب الأسماء التكنوقراطية في الحكومة المغربية الحالية يمسكون أكبر الوزارات، فالداخلية والخارجية يشرف عليهما تباعًا اسمان غير منتميين لأي حزب، عبد الواحد لفتيت وناصر بوريطة، والأوقاف أيضًا، يشرف عليها التكنوقراطي أحمد التوفيق، والصحة أسندت لبروفيسور لا يمارس الحياة الحزبية وهو خالد آيت الطالب.

اقرأ/ي أيضًا: فقراء المغرب وأزمة كورونا.. محاولات رسمية لحماية حالة الطوارئ

وإذا كانت الأسماء المذكورة لا تنتمي لأي حزب سياسي فإن هناك أسماء سياسية تم تلوينها قصرًا وتحزيبها قصد تعيينها تحت مسمى الديموقراطية، فمثلًا محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية وتحديث الإدارة أقحم نفسه داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وأيضًا وزير الفلاحة والصيد البحري الملياردير عزيز أخنوش، الذي حل على رأس نفس الحزب، وسعيد أمزازي وزير التعليم الذي حمل شعار حزب الحركة الشعبية.

أصبح نظام التكنوقراط عرفًا سياسيًا متداولًا في المغرب، فمنذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم لم تخل أي حكومة من نخبة تكنوقراطية تستمد شرعيتها من القصر

كل الوزارات التي تم ذكرها تشرف عليها أسماء بعيدة عن العمل الحزبي ولم تمارسه سوى في بعض الاجتماعات الصورية لقادة الأحزاب، وهذه الوزارات تعتبر هي الأكثر وزنًا داخل الحكومة، لتبقى الوزارات الأخرى من نصيب الأحزاب السياسية التي حصلت على مراتب متقدمة في الانتخابات الأخيرة وفق إرادة الصناديق الانتخابية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مُحاربة الإثراء غير المشروع.. هل يُعاقب القانون المغربي المفسدين؟

زواج القاصرات في المغرب.. حقائق صادمة وتواطؤ قانوني