ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

المغاربة في فرنسا: المعادلة الأنيقة بين الاندماج والحفاظ على الجذور

20 ديسمبر 2025
المغرب
محل لبيع الأطعمة المغاربية في ليون- فرنسا (جيتي)
هند مقصوص هند مقصوص

سيبتسم لك الوجه العربي في فرنسا، ستتلقى "السلام عليكم" أو "بونجور" دون معرفة مسبقة بالآخر، وقد يبادر أحدهم لمساعدتك بالترجمة، بإيجاد عمل، أو بإرشاده لك لمكان ما، أو تحليتك بقطعة سكّر دون مناسبة، فتعرفه من الكلمة الأولى له، إنه المهاجر من بلاد المغرب العربي.

وربما تعجب بعد فترة وجيزة من تواجدك في فرنسا، كيف استطاع المهاجر المغاربي سباق بقية الأجانب هناك بالوصول إلى الوظائف، بتأسيس عالم موازٍ للمجتمع الفرنسي، بما يتشابك معه ويلتقيه بكل مفاصل الحياة، كيف نقل المغاربي نشاطاته الاجتماعية، وثقافته الدينية، وأحلامه وشقاءه ونضاله على مدار عشرات السنوات، لينظم نفسه اليوم كجالية قوية وفاعلة في المجتمع الفرنسي، فماذا تقول حكايتهم الخاصة؟

أعد "الترا صوت" هذا التقرير بناء على مقابلة أبناء بلاد المغرب العربي، في المدارس والمقاهي والمساجد، ومن داخل مؤسسات خدمية، ممن يتواجدون في فرنسا منذ عشرات السنوات وحتى القادمين الجدد، يتحدثون فيها عن رحلتهم بالقدوم إلى فرنسا والتعايش فيها، مع الإشارة إلى أن جميع من قابلنا كان يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة.

"على السراء والضراء"

يروي رجل ستيني مغربي بلغة عربية ثقيلة لـ "الترا صوت"، كيف كانت المدينة التي سكنها عندما أتى طفلًا عمره 6 أعوام مع والده إلى فرنسا، كيف طورت الجالية المغربية المنطقة، وكيف توسعت البقع الريفية الصغيرة، بعد أن كانت العوائل المغربية - أول قدومها هناك - تسكن في منازل أو غرف ضيقة وصغيرة ومتلاصقة، وكيف تغير شكل ذلك على مدار الأعوام بفعلهم.

وأضاف أن معظم المغاربة كانوا يعملون بالمناجم والمصانع وسكك القطار والكهرباء، "جئنا من أجل العمل، لكننا أسسنا لحياة مستقرة، تزوجنا ونشأ أولادنا هنا، بنينا مسجدًا في هذه المدينة الريفية، وحافظنا على ثقافتنا".

سيدة تونسية تتحدث لـ"الترا صوت"، "توفيت امرأة سورية تعيش بمفردها في منزل قربنا، اتصلنا بأصدقاء لها لم يجيبوا، فقمنا أنا وعدة عوائل مغربية هنا بإجراءات الدفن، وأخرجنا طعامًا أعددناه بأنفسنا كصدقة على روحها، نحن هنا على السراء والضراء".

تضيف سيدة جزائرية على كلام الأخرى، "في العزاء مثله في الأعراس، عندما نعلم بمناسبة لإحدى السيدات، نجمع أنفسنا وننظم حفلة، نأكل ونرقص ونتحدث، وكأن الفرح فرحنا"، وتشير إلى أن مناسبات مثل الأعياد، بعض المساجد تجمع مبلغًا بسيطًا لتنظيم احتفالية بعد صلاة العيد، "لكننا في المسجد الذي اعتدنا الاحتفال فيه، نعدّ الحلويات في المنزل، وكل عائلة تجلب ما صنعت إلى مائدة العيد".

من جانبها تروي إحدى السيدات المغربيات لـ "الترا صوت"، كيف نقل المغاربة ثقافتهم أينما حلّوا، وبأنهم مستمرون بتعليم أبنائهم اللغة العربية والثقافة الإسلامية في المنزل، كما يشاركون المدرسة مثلًا، بعض الأكلات في الأنشطة المقامة فيها، فحلويّات مثل البغرير والبريوات والكيكات المتنوعة باتت معروفة لدى الفرنسيين، وأطباق كالكسكس والطاجن أصبحت تقدم في بعض الموائد الفرنسية.

وفي هذا السياق، تقول سيدة مغربية، إنها كانت تعيش في إيطاليا لمدة ست سنوات، لكن حياتها تغيرت بعد المجيء إلى فرنسا، "أعايد الناس هناك، فيستغربون أي عيد؟ أهنئ العرب برمضان (محدش داري)، في فرنسا نوزع وجبات إفطار من المسجد طوال الشهر الكريم، يوميًا نقف للسلام والاطمئنان كعرب بين بعضنا البعض، كوقفتنا الودودة معك لإعدادك هذا التقرير".   

اللغة مفتاح الاندماج

في بعض مناطق الفرنسية، ثمة سؤال ينتشر: هل نحن في إفريقيا؟ هل هنا المغرب العربي؟ لكثرة المهاجرين والمواطنين من أصول إفريقية، سواء من العرب أو أصحاب البشرة السمراء، بما يوازي أو يفوق أحيانًا نسبة الفرنسيين الأصليين في البلاد.

ويمتلك معظم القادمين من بلاد المغرب وإفريقيا عمومًا، مفتاح نجاحهم أو اندماجهم في فرنسا مسبقًا، فاللغة الفرنسية أساسية في بلادهم، مثلما أكد مغربيون لـ "الترا صوت"، إذ تقول سيدة "نحن نتحدث اللغة الفرنسية كلغة ثانية في المغرب وندرسها ونتعامل بها كذلك، في الأوراق الرسمية والمعاملات الحكومية، لذلك ورغم أنني قدمت منذ أشهر إلى فرنسا، لكنني حصلت على وظيفة بسرعة قياسية".

على جانب مرادف، يمكن لكل من يقيم لفترة زمنية قصيرة في فرنسا، ملاحظة العدد الكبير للمغاربة في كل مجالات العمل، في القطاع الطبي، البنوك، النقل والمواصلات، المطاعم والفنادق والتدريس والرعاية وغيرها، ممن يتحدثون العربية والفرنسية في آن معًا.

 تصدرت بلدان المغرب العربي قائمة الأجانب المتواجدين في فرنسا في عام 2024، حيث وُلد نحو 48.9% من المهاجرين المقيمين في فرنسا في أفريقيا، بينما وُلد 30.9% منهم في أوروبا

وربما هذا غنى الثقافي والعلمي، وامتلاك مهارة التحدث بلغات عدة ميزة تجدها لدى المغاربة في فرنسا، فضلًا عن التحدث بالعربية والفرنسية، البعض يتحدث الإنجليزية والإسبانية وغيرها كلغات إضافية.

من ناحية أخرى، ورغم عنصرية البعض ضد المسلمين أو العرب في فرنسا، وقيود حكومية في مجال العمل على المظاهر الدينية، إلا أن مظهر المرأة المحجبة أصبح معتادًا في كثير من الوظائف، الأمر الذي أعطى لأبناء الهوية الدينية المحافِظة من المغاربة، تمكينًا أكبر للمرأة في فرنسا.

بالمقابل، هناك مغاربة تلحظ أصولهم العربية من أسمائهم فقط، فهم يتحدثون الفرنسية حصرًا، هيئتهم وثقافتهم تطبعت بالكثير من الثقافة الفرنسية، لا سيما من ولد وترعرع هناك، ولم يبق ما يدل على أصولهم سوى أسمائهم وألقابهم العربية.

ويشير تقرير للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، إلى تصدر بلدان المغرب العربي قائمة الأجانب المتواجدين في فرنسا، في عام 2024، حيث وُلد نحو 48.9% من المهاجرين المقيمين في فرنسا في أفريقيا، بينما وُلد 30.9% منهم في أوروبا.

والدول الأكثر شيوعًا للمهاجرين هي الجزائر (12.4%)، والمغرب (11.7%)، والبرتغال (7.3%)، وتونس (4.9%)، وإيطاليا (3.6%)، وتركيا (3.4%)، وإسبانيا (3.1%)، يأتي ما يقرب من نصف المهاجرين من إحدى هذه الدول السبع (46.4%).

أكثر من مليوني مهاجر يقيمون في فرنسا خلال عام 2024 هم من بلاد المغرب العربي، فضلًا عن مئات الآلاف وربما الملايين منهم، ممن تجنّسوا خلال الستين عامًا الفائتة

وأوضح التقرير إلى تغير واضح في خريطة الجنسيات الأجنبية داخل فرنسا خلال العقود الأخيرة، حيث أنه في عام 1968، كان معظم الأجانب من أصول أوروبية بنسبة تقارب ثلاثة أرباع العدد الإجمالي، مقابل ربع فقط من أصول إفريقية.

وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من مليوني مهاجر يقيمون في فرنسا خلال عام 2024 هم من بلاد المغرب العربي، فضلًا عن مئات الآلاف وربما الملايين منهم، ممن تجنّسوا خلال الستين عامًا الفائتة، وأنجبوا مواطنين فرنسيين في هذه البلاد.

جذور من الماضي

توضح وثائقيات سابقة، كيف كانت تجري حركات الهجرة واستقدام الشباب المغاربة إلى فرنسا من أجل العمل، خصوصًا في أعمال شاقة وبظروف غير إنسانية واستغلال واضح، يتم اختيارهم على أساس الأهلية الجسدية، عدا عن استغلال حاجتهم وأمّية البعض في إبرام العقود دون أي اطلاع أو فهم لما تتضمنه هذه العقود، حتى بات يلقب من كان يعمل باستقدام الشباب بـ "تاجر الرق".

وتشير أيضًا، إلى إرادة وفعالية هؤلاء الشباب المهاجرين، الذين كان منهم عشرات آلاف القصّر ممن غادر المغرب، يعملون بمهن تعرض حياتهم للخطر مثل العمل بمناجم الفحم، وتعرضهم للعنف والسخرية اتجاه ثقافتهم المحافظة، فكان سكنهم عبارة عن غرف خشبية، يساء إليهم بالتعامل، يعملون تحت الأرض دون إجراءات سلامة كافية آنذاك، يذهبون للاستحمام بقيود زمنية وشروط مسيئة.

عدد المغاربة في تلك الحقبة الزمنية الممتدة بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان قد بلغ أكثر من نصف العمال في هذا المجال (مناجم الفحم)، مقارنة بمن يعمل فيه من جنسيات أخرى، بمن فيهم الفرنسيين الذين كانوا يعاملون معاملة مختلفة.

وتمكّن بعض المغاربة من قلب الموازين أو تصحيحها بمعنى أدق، بما يشبه الثورات، عندما ناضلوا من أجل الحصول على حقوقهم بالعمل والمسكن وغيرها، عبر الإضرابات الجماعية وإشراك أنفسهم وفرضها في النقابات، ليؤسسوا بذلك لحياة أبنائهم وأحفادهم ممن يعيش اليوم في فرنسا حياة كريمة، بكرامة انتزعها أجدادهم بشق الأنفس.

كلمات مفتاحية
إيطاليا

موجة الحر تربك أوروبا.. إنذار صحي في إيطاليا وإجراءات تقشف للطاقة في المجر

أعلنت وزارة الصحة الإيطالية حالة الإنذار الأحمر في جميع المدن الكبرى، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة، بعد وصول درجات الحرارة إلى مستويات تهدد الصحة العامة

سارة خليفة

سارة خليفة.. من أضواء الشهرة إلى انتظار حكم الإعدام

من الشهرة إلى انتظار حكم الإعدام في قضية المخدرات الكبرى لسارة خليفة بعد إحالة أوراقها إلى مفتي الجمهورية

إل نينو

"إل نينيو" تهدد بدفع 50 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد نهاية 2027

حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن الظاهرة المناخية "إل نينيو"، قد تدفع نحو 50 مليون شخص إضافي إلى براثن الجوع الحاد قبل نهاية عام 2027

كسوف الأرض أمام شمس متوهجة في الفضاء السحيق
علوم

كسوف 12 أغسطس.. هل يهدد الأرض بالزلازل والكوارث؟

في ظاهرة طالما ارتبطت في المخيال الشعبي بالنذر والكوارث، تستعد السماء لحدث فلكي استثنائي في 12 آب/أغسطس الجاري، حين يحجب القمر الشمس عن أجزاء واسعة من نصف الكرة الشمالي

صورة تعبيرية
أعمال

صدمة في سوق العمل الأميركي.. الوظائف تتراجع والتباطؤ يتسع

أظهرت بيانات سوق العمل الأميركي للشهر الماضي صورة أكثر ضعفًا مما كانت تشير إليه الأرقام السابقة، بعدما فقد الاقتصاد 23 ألف وظيفة بدلًا من تحقيق زيادة متوقعة

كريستيانو رونالدو
رياضة

ما رآه فرانز فكافكا.. مشاهد شكلت شخصية كريستيانو رونالدو

في تحليل شخصية رونالدو، يبدو أن كافكا لم يكن متشائمًا بقدر ما كان عالمًا بدهاليز النفس البشرية، وأزمات الإنسان المعاصر مع هويته وماضيه ومستقبله

إيطاليا
أعمال

مئات مليارات اليوروهات.. تغير المناخ يضرب اقتصاد أوروبا

يقدر اقتصاديون وأكاديميون أن الأضرار التي لحقت باقتصاد أوروبا هذا العام بسبب تغير المناخ يمكن قياسها بالفعل بمئات مليارات اليوروهات