المعنى الحي لفلسطين

المعنى الحي لفلسطين

القدس أواخر القرن التاسع (مكتبة نيويورك العامة)

لم يكن هناك صراع فلسطيني- إسرائيلي قبل اتفاقية سايس بيكو (1916) المبرمة بين بريطانيا وفرنسا، كانت تمهيدًا لتآمر على فلسطين والعرب، فالجغرافيا السياسية حينها كانت لا تزال بمعزل عن التقسيم، وكانت تمثل جزءًا من جغرافيا إقليم تاريخي عُرف ببلاد الشام حتى في ظل تلك الوحدات السياسية التي جاءت بهيئة سوريا، فلسطين، الأردن، لبنان..

تهجير الفلسطينيين عام 1948 كان جزءًا من مشروع أراد ترحيل السكّان، كما بدا ذلك واضحًا في أفكار مُؤسّسي إسرائيل

على تلك الخلفية استحوذت بريطانيا على كل من فلسطين والأردن، في حين أخذت فرنسا، القسم الآخر ممثلًا في سورية ولبنان.

اقرأ/ي أيضًا: "إسرائيل" والخارطة الجديدة

في تلك الحقبة لم تكن هناك إشكالية هوية وصراع سياسي عربي - يهودي في فلسطين، ذات الملامح العربية الفلسطينية، رغم وجود أقلية يهودية بدورها كانت عربية الهوية بحكم التمازج والاندماج التاريخي بين العرب واليهود في فلسطين، ولم يكن هناك رابط بين تلك الأقلية مع يهود العالم يتجاوز الرابطة الدينية. وبطبيعة الحال خلقت بريطانيا وحلفاؤها الصراع العربي - الإسرائيلي، عندما تم فتح الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ودعم الميليشيات اليهودية، لتأسيس وجود يهودي خارجي، وذلك في ظل السيطرة البريطانية على فلسطين، وتكلل ذلك بوعد بلفور 1917 الذي شكل الركيزة الأساسية لخلق الصراع العربي-الإسرائيلي، خاصة أن من نتائجه دعم الحركة الصهيونية للتوسع نحو السياق الإقليمي العربي (من النهر إلى البحر)، كمخطط سياسي لتلك الحركة، وبمساعدة خارجية.

في حين أن تهجير الفلسطينيين عام 1948 كان جزءًا من مشروع أراد ترحيل السكّان، كما بدا ذلك في أفكار مؤسسي إسرائيل، وبشكل خاص في يوميات بن غوريون.

وعد بلفور خلق الصراع العربي - الإسرائيلي، حين خلق واقع نهب الأرض وطرد أصحابها في اتجاه جوارهم، والتخلص من الوجود الفلسطيني على ترابه لصالح مجاميع بشرية يهودية لا صلة لها بفلسطين.

بفعل تداعيات حرب 1948، تم قرار تقسيم فلسطين المرفوض حينها، والذي كان إيذانًا بخلق كيان إسرائيلي، وهو ما فرض فيما بعد على العرب والفلسطينيين التعاطي مع التقسيم والذي أصبح واقعًا سياسيًا فرضته إملاءات القوة والتغول على أصحاب الحق، والضغط عليهم لقبول نسبة 44 % من مساحة فلسطين التاريخية.

في ظل التمسك بالأرض ورفض المساومة عليها، استمر الصراع بين الطرفين، وتكلل بفعل رجاحة الكفة الإسرائيلية في الصراع، فكان أن تجددت المساومة على جزء من فلسطين التاريخية في ظل تداعيات هزيمة 6 حزيران/يونيو 1967، ناهيك عن أن أراضي عربية كسيناء والجولان والضفة الشرقية لنهر الأردن وجنوب لبنان انتهت كلها إلى السيطرة الإسرائيلية، وكانت المحصلة أن مشروع إسرائيل من النيل إلى الفرات، قد تحقق إلى حد ما.

الأنظمة العربية التي ادعت رفضها لاتفاقية كامب ديفيد، أصبحت جزءًا من خطة دونالد ترامب

كانت طبيعة العلاقات العربية في تلك الحقبة التاريخية تشبه إلى حد كبير الواقع العربي الراهن، كما أنها أسّست لملامحه السياسية القائمة، إذ أسفر الأمر إلى تشكل صراع عربي داخلي مواز لنظيره مع الكيان الإسرائيلي، وتجلى ذلك أن اتجهت الدول العربية للبحث عن مصالحها بصورة فردية، والتورط في تسويات منفردة مع تل أبيب، خاصة مع توجه مصر في عبر مشروع كامب ديفيد 1978، والخروج عن الإجماع العربي، وجرّ القاهرة لدول عربية أخرى منها السودان وعمان والصومال نحو التحالف معها.

اقرأ/ي أيضًا: الانتحار في ما تُسمى خطأً بـ"صفقة القرن"

يأتي الانقسام العربي أمام ما تمت تسميته بصفقة القرن على نهج الاتفاق المصري المنفرد مع الإسرائيليين في معاهدة كامب ديفيد التي شكّلت مفترق الطرق بالنسبة لدول العربية، والمفارقة أن الأنظمة العربية الرافضة للتسوية المصرية - الإسرائيلية، أصبحت جزءًا من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية، وللعرض الذي ظل متاحًا للعرب بصيغتي القرار 181 لتقسيم فلسطين عام 1947، والقرار الأممي رقم 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، أن جمعها بين تلك المواقف التاريخية يعد مفارقة.

وبالعودة إلى قراءة المشهد، يتجلى أن الدول العربية بشكل عام تشهد إشكالياتها الداخلية، خاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ما دفع الأنظمة العربية أن تجعل من أولوياتها المحافظة على بقائها بأي ثمن، وأن تتجه لتحالف مع القوى الخارجية الرافضة لحدوث تغيير حقيقي في الدول العربية، فكانت المفارقة أن تركت القضية الفلسطينية إلى الشارع العربي الذي يعاني بدوره من حالة استبداد مضاعف من قبل تلك الأنظمة الحاكمة التي وجدت ذاتها ومصالحها في الارتباط العضوي مع خصوم الفلسطينيين.

وبينما تروج الولايات المتحدة الأمريكية أنها طرف راع لتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، منذ التمهيد لاتفاقية أوسلو 1993 التي شكلت المقدمة لصفقة القرن الخاسرة المعلن عنها من قبل الرئيس الأمريكي ترامب، بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير 2020، والذي جاء مضمون رؤيته كأسوأ قالب لتركة تسوية تاريخية تعاطت مع الصراع العربي - الإسرائيلي، وبالنتيجة انتهى الأمر إلى أنه ليس هناك أصلًا مقابل فعليّ يمكن أن يطرح على الجانب الفلسطيني، وذلك بالعودة لقراءة مسيرة التسويات.

إن هيئة المشهد والتوازنات تأتي حاليًا في إطار قالبين أحدهما تحالف الأنظمة العربية، ومنها حكومة محمود عباس، مع خصوم العرب وفي مقدمتهم الكيان الإسرائيلي، والقالب الآخر يشمل الشعوب العربية التي تمت بعثرتها وتمزيق وحدتها الداخلية، وفي حين يتم التسويق أن الصفقة تشمل نسبة 18 % من فلسطين التاريخية، فإن المخطط حوى دقائق وتفاصيل تؤكد أن تلك الإجراءات هي بدورها تشكل تمهيدًا لمرحلة تهويد ما تبقى من فلسطين.

يجد الشعب الفلسطيني ذاته تحت استهداف شامل لتصفية حقوقه من قبل خصوم إقليميين وعالميين

يجد الشعب الفلسطيني ذاته، في ظل هذا المسار التاريخي، تحت استهداف شامل لتصفية حقوقه من قبل خصوم إقليميين وعالميين، وهو ما يفرض عليه وحدته، وأن تتجاوز قواه السياسية صراعاتها الداخلية، وحتمية التوجه نحو خلق نخب سياسية فلسطينية على قطيعة مع إرث النظام العربي والارتباطات السياسية الخارجية، وأن تتجاوز الثورة الفلسطينية تركة الأيديولوجيا والارتباطات مع الأنظمة وفق علاقات لا تخدم القضية، والحاجة أن تصبح الوحدة الوطنية الفلسطينية بحد ذاتها مشروعًا جامعًا لنخب النضال.

اقرأ/ي أيضًا: مواقف الإدارات الأمريكية من القدس.. تاريخ من التواطؤ

ومما يجب التركيز عليه كشف مخططات الأنظمة العربية الساعية لتصفية القضية الفلسطينية، ومواقفها التي تؤكد أنها تبدل جهودًا لإعاقة هذه القضية، وتفنيد خطابها القائل أن السلام والحاجة للتطور يقتضيان القيام بالتطبيع مع تل أبيب، فتلك النظم أخفقت في استحقاقاتها على شتى المستويات، رغم أن أبرزها تسيطر على مقدرات اقتصادية هائلة استفاد منها حلفاؤها الخارجيون أكثر من شعوبها، وما لا شك فيه أنها بدورها أنظمة آيلة لسقوط، في حين تراهن على إشغال مجتمعاتها في معارك جانبية، في المحصلة سترتد نتائجها عليها.

جوهر الإشكالية أن هناك من غرقوا وأصبحوا كانتونات مهمتها تأمين مصالح إسرائيل، البعض منهم جرّب الصلح والتطبيع ولم يجد من ذلك شيئًا مجديًا لشعوبه، ولا زال مقيدًا باتفاقات مذلة جاءت على استقلال دولهم القطرية، وآخرين يسعون إلى الركوض نحو الأمام لتأمين عروشهم، وذلك بعد أن أصبحوا جزءًا من بنية الرأسمالية العالمية المتوحشة، ما دفعهم للقطيعة مع قضايا وطنية مشروعة خدمة لقوى الرأسمال الصهيوني الذي يرتبطون به عضويًا.

وعلى خلفية ذلك، يراد التخلص من القضية الفلسطينية وتحميلها إخفاقات النظام العربي، علمًا بأن الفصائل الفلسطينية تماهت معهم ولم تكن ذات يوم تملك قرارها، ومن الانتهازية إسقاط إخفاقات تلك النخب الفلسطينية على شعب تآمر الجميع على استقلالية قراره ومصالحه الوطنية.

إذا ما تمعنا في تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، يتجلى أن محيطه الإقليمي الأفريقي لم يتعاط معه انطلاقًا من حسابات الأيديولوجيا والمصالح السياسية العارضة، بل تم دعم قضيته من منظور المصلحة الأفريقية، وهو ما منح نضال شعب جنوب أفريقيا مساحة حرية كبيرة لخوض النضال الوطني بمعزل عن الضغوط والسيطرة، وهو ما يعد غائبًا عن حالة التعاطي العربي الرسمي مع القضية الفلسطينية.

تمثّل فلسطين خندقًا متقدمًا للعرب ولكل المناضلين الحريصين على السلام العالمي، ومن لا يمكنه استيعاب هذه البديهية سيجد ذاته خاسرًا

واقعيًا، تمثّل فلسطين خندقًا متقدمًا للعرب ولكل المناضلين الحريصين على السلام العالمي، ومن لا يمكنه استيعاب هذه البديهية سيجد ذاته خاسرًا في ظل الاستهداف الماثل ومحاولة تصفية وجود شعب، خاصة وأن ذلك النمط الاستعماري هو الأسوأ من نوعه، فتجسيد دولة قومية لبعض سكان الدولة، وفي المقابل نفي وجود الشعب القابع لاحتلالها مفارقة لا يمكن تمريرها، وهو ما نراه يتصاعد في دولة على غرار الهند، وتلك التصورات تشكل خطورة على العالم أجمع.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة.. قراءة في السياق التاريخي لـ"صفقة القرن"

المفارقة أن كثيرًا من الدول التي كانت تروج لقناعتها بحق الشعوب في تقرير مصيرها انتهت هي ذاتها إلى منحى براجماتي يغلب المصالح السياسية والمادية العابرة تجاه الموقف التاريخي من عدم مشروعية العلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها، إلا أن ما هو مؤكد أن القضية الفلسطينية في ظل واقع السمسرة لن تكون مخرجًا لحل الإشكاليات الداخلية التي تواجه تلك الدول، فإرادة الشعب الفلسطيني وحقوقه لا يمكن أن تختزل في صفقة سياسية تتسم بالتآمر من قبل أنظمة تلاقت مصالحها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ابتزاز حقير".. كيف غطت الصحافة العالمية صفقة القرن؟

صفقة القرن وخيبة القرون