المعارك في كردفان تتوسّع: غارات جوية واتهامات بتدريب قوات الدعم السريع خارج السودان
11 فبراير 2026
بعد أن فكّ الجيش السوداني الحصار عن مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بدأت ملامح تراجع ميداني تظهر على قوات الدعم السريع في الولاية، وسط اشتباكات متواصلة بين الطرفين. وبالتوازي مع هذا التطور، صعّدت قوات الدعم السريع عملياتها في ولاية شمال كردفان عبر تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة، في محاولة لتعويض خسائرها على الأرض، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى خلال الأسابيع الماضية.
ووفقًا لتوثيق صادر عن مكتب حقوق الإنسان، فقد "قُتل نحو تسعين مدنيًا وأُصيب 142 آخرون خلال أسبوعين، حتى 6 من الشهر الجاري، جراء ضربات بالطائرات المسيّرة".
كما استهدفت مسيّرات الدعم السريع، صباح اليوم، مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من المواطنين.
تصعيد جوي وضربات متبادلة في شمال كردفان
وكانت هجمات قوات الدعم السريع قد استهدفت، الأسبوع الماضي، قافلة إغاثة وحافلة نازحين ومستشفى في إقليم كردفان، ما أسفر عن مقتل 24 شخصًا، بينهم ثمانية أطفال ونساء، وقوبلت هذه الهجمات بإدانات دولية واسعة.
تُعدّ مدينة بارا من المناطق الاستراتيجية، إذ تمثل نقطة ربط بين غرب السودان ووسطه وشماله وشرقه
وفي المقابل، شنّ الطيران الحربي التابع للجيش السوداني، أمس، غارات جوية على مواقع تمركز قوات الدعم السريع في مدينتي بارا وأم سيالة بولاية شمال كردفان، حيث تنتشر قوات الدعم السريع.
وتُعدّ مدينة بارا من المناطق الاستراتيجية، إذ تمثل نقطة ربط بين غرب السودان ووسطه وشماله وشرقه، وتبعد نحو 40 كيلومترًا عن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان.
تحذيرات أممية وانتهاكات في الفاشر
ورغم نجاح الجيش السوداني في فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج، لفت المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى أن "الغارات الجوية التي يشنها الجانبان باستخدام الطائرات المسيّرة ما زالت مستمرة، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين".
وأكد تورك أن الفظائع التي وقعت في مدينة الفاشر تقع مسؤوليتها بالكامل على عاتق قوات الدعم السريع وحلفائها وداعميها، مشيرًا إلى أن هذه القوات والمليشيات المتحالفة معها استخدمت العنف الجنسي بشكل ممنهج كسلاح في المدينة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه نحو نصف سكان السودان مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما ذكرت تقارير أممية أن سكان المدن التي كانت محاصرة في إقليم كردفان عانوا من الجوع ونقص الأدوية قبل كسر الحصار الأخير.
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر العام السابق، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث، شمال وغرب وجنوب، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
معسكرات تدريب ودعم لوجستي خارجي
وكشفت وكالة رويترز، في تحقيق مطول نُشر أمس، أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، بهدف تزويدها بإمدادات بشرية جديدة مع تصاعد القتال في جنوب السودان.
ونقلت الوكالة عن ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، أن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعمًا لوجستيًا للموقع، وهو ما ورد أيضًا في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطّلعت عليهما رويترز.
في المقابل، قالت وزارة الخارجية الإماراتية، ردًا على طلب للتعليق، إنها ليست طرفًا في الصراع ولا تشارك "بأي شكل من الأشكال" في الأعمال القتالية.
وتحدثت رويترز إلى 15 مصدرًا مطلعًا على تشييد المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، كما حللت صور أقمار صناعية للمنطقة، وقدّم مسؤولان في الاستخبارات الإثيوبية معلومات تؤكد تفاصيل المذكرة والبرقية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية تزايد النشاط في المعسكر خلال تشرين الأول/أكتوبر، وهو يقع في منطقة بني شنقول-قمز النائية غرب إثيوبيا قرب الحدود مع السودان.
وفي أوائل كانون الثاني/يناير، كان نحو 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات في الموقع، وجاء في مذكرة أمنية إثيوبية أن "الإمارات توفر الإمدادات اللوجستية والعسكرية لهم".
أبعاد إقليمية وحدود متوترة ومواقف متباينة
وذكرت المذكرة الأمنية أن رئيس إدارة الاستخبارات الدفاعية في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، الجنرال جيتاتشو جودينا، هو المسؤول عن إقامة المعسكر، وهو ما أكده مسؤول حكومي وأربعة مصادر دبلوماسية وأمنية.
كما كشفت صور أقمار صناعية وبرقية دبلوماسية أن المعسكر أُقيم في منطقة أحراش بحي يُسمى مينجي، على بعد نحو 32 كيلومترًا من الحدود، وفي موقع استراتيجي قريب من جنوب السودان.
وأفاد مسؤولون بأن شاحنات تحمل شعار شركة "جوريكا جروب" الإماراتية للخدمات اللوجستية شوهدت متجهة إلى المعسكر عبر بلدة أصوصا خلال تشرين الأول/أكتوبر.
وأشار مسؤول إثيوبي رفيع إلى أن الجيش الإثيوبي يعتزم تحويل مطار أصوصا إلى مركز عمليات للطائرات المسيّرة، ضمن خطة أوسع لتعزيز القواعد الجوية غرب البلاد، وحماية منشآت حيوية مثل سد النهضة.
كشفت وكالة رويترز، أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع
وأعرب مسؤولون ودبلوماسيون من المنطقة عن قلقهم من قرب المعسكر من السد، خشية تعرضه للخطر في حال اندلاع مواجهات، إذ يقع المعسكر على بعد نحو 101 كيلومتر من السد.
وتبلغ الحدود البرية بين إثيوبيا والسودان نحو 744 كيلومترًا، وتشمل مناطق متنازعًا عليها تاريخيًا مثل الفشقة، وقد اتسم الموقف الإثيوبي منذ بداية الحرب بتقارب مع قيادة الدعم السريع وقوى سياسية متحالفة معها.
وكانت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد أثارت، في وقت سابق، غضب الخرطوم، بعدما تحدث عن "فراغ في القيادة" في السودان، وطالب بنشر قوات أفريقية وفرض منطقة حظر طيران.
في المقابل، نفى النائب في البرلمان الإثيوبي الفيدرالي محمد العروسي صحة الاتهامات بتورط بلاده، معتبرًا في حديث إلى "التلفزيون العربي" أنها تستند إلى مصادر مجهولة وتخدم أجندات سياسية.
وتساءل العروسي "لماذا لم يتحدث السودان نفسه، الذي تربطه علاقات استراتيجية بإثيوبيا، عن مثل هذه التقارير، رغم وجود بعض الخلافات"، معتبرًا أن التقرير لا يمكن الرد عليه لافتقاره إلى المصداقية، وفق تعبيره.