ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

المعارضة الكردية: التمرد كأداة ضغط على إيران

6 مارس 2026
مقاتلون أكراد إيرانيون
مقاتلون أكراد إيرانيون في قاعدة بأربيل (رويترز)
مهيب الرفاعي مهيب الرفاعي

أنتجت الحرب الدائرة حول إيران ديناميكية ميدانية جديدة تتمثل في نشوء جبهة برية كردية في المحافظات الغربية للبلاد بعد انتقال جماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة على طول الحدود العراقية-الإيرانية إلى مرحلة الحشد العملياتي، وتحرك آلاف المقاتلين نحو مواقع متقدمة داخل الشريط الحدودي الممتد بين إقليم كردستان العراق وغرب إيران. 

تُركّز هذه التحركات في القطاع الجبلي الممتد بين شمال محافظة السليمانية العراقية وصولًا إلى محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية؛ و تشارك فيها 6 أحزاب  أهمها فصائل مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية  (PAK)، وفصائل حزب كومالا، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، حيث دفعت هذه التنظيمات مجموعات مقاتلة إلى مواقع قريبة من مدن حدودية مثل بيرانشهر وسردشت وبانه. وتشير هذه التطورات إلى انتقال الصراع من نمط المواجهة غير المباشرة الذي اعتمد خلال السنوات الماضية على الضربات الجوية والحرب السيبرانية والصواريخ إلى نمط اشتباك بري محدود يعتمد على عمليات تسلل وتموضع قتالي في العمق الحدودي الإيراني ، وهو أمر غير مسبوق في أي عملية مضت.

تُبرز الجغرافيا العسكرية للمحافظات الغربية الإيرانية أهمية هذه الجبهة الناشئة؛ إذ تمتد محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية على طول سلسلة جبال زاغروس التي يبلغ طولها نحو 1500 كيلومتر وتشكل حاجزًا طبيعيًا بين الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين. تُغطي هذه الجبال مناطق واسعة وتحتضن عددًا كبيرًا من الممرات الجبلية والوديان التي توفر بيئة مناسبة لحرب العصابات والتحركات الصغيرة عالية المرونة؛ بينما تقدر الكتلة السكانية الكردية في هذه المحافظات بين 8 و10 ملايين نسمة موزعين على مدن رئيسية مثل سنندج وكرمانشاه ومهاباد، وهو ما يخلق عمقًا اجتماعيًا محتملًا لأي نشاط مسلح في المنطقة. تُنتج هذه البيئة الجغرافية-الاجتماعية شبكة اتصال طبيعية بين المجتمعات الكردية على جانبي الحدود، حيث تمتد خطوط الحركة بين السليمانية وأربيل في العراق ومهاباد وسنندج داخل إيران عبر ممرات جبلية تاريخية استخدمتها الحركات الكردية المسلحة منذ عقود لتأمين خطوط امداد وتهريب بين العراق وإيران.

تفسر الجماعات الكردية المعارضة هذه اللحظة الإقليمية بوصفها فرصة استراتيجية تسعى فيها إلى توسيع نفوذها في المناطق الكردية غرب البلاد وتعزيز حضورها العسكري والسياسي داخل المحافظات الكردية؛ كما تهدف إلى إعادة طرح قضية الحكم الذاتي والحقوق السياسية للأكراد على جدول السياسة الإيرانية، مستفيدة من الضغط العسكري والإقليمي الذي تواجهه إيران لفتح جبهة داخلية جديدة. ويسعى هذا التحرك أيضًا إلى تعزيز موقع الأكراد داخل معادلة المعارضة الإيرانية وإظهارهم كقوة فاعلة في أي تحول سياسي محتمل. وفي الوقت نفسه يمكن أن يساعد التصعيد العسكري في جذب دعم سياسي أو لوجستي خارجي، إضافة إلى السيطرة أو التأثير في الممرات الحدودية الجبلية بين إيران والعراق التي تسهّل حركة المقاتلين والإمدادات.

تفسر الجماعات الكردية المعارضة هذه اللحظة الإقليمية بوصفها فرصة استراتيجية تسعى فيها إلى توسيع نفوذها، وتعزيز حضورها العسكري والسياسي داخل المحافظات الكردية؛ كما تهدف إلى إعادة طرح قضية الحكم الذاتي والحقوق السياسية للأكراد على جدول السياسة الإيرانية

دفع أميركي-إسرائيلي للجبهة الكردية

يُظهر تاريخ العلاقة بين الأكراد وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل شبكة دعم متعددة المستويات شملت التمويل والتسليح والدعم السياسي في إقليم كردستان العراق وسوريا؛ حيث موّلت الولايات المتحدة تدريب وتسليح القوات الكردية ضمن إطار الحرب على تنظيم "داعش"، حيث بلغ صندوق تدريب وتجهيز العراق نحو 1.618 مليار دولار في موازنة 2015 مع السماح بتقديم الدعم لقوات الأمن العراقية بما فيها القوات الكردية. شملت البرامج مراكز تدريب في أربيل وتسليم أسلحة خفيفة ومعدات اتصال وعربات مدرعة لدعم عشرات الآلاف من المقاتلين، إضافة إلى اتفاق دعم مباشر للبيشمركة بقيمة نحو 415 مليون دولار لتغطية الرواتب والإمدادات العسكرية. واستمر الدعم لاحقًا ضمن برامج مكافحة الإرهاب، بينما خصصت واشنطن في سوريا تمويلاً لبرنامج الشراكة الأمنية مع القوات المحلية بلغ 160 مليون دولار في 2023 و186.2 مليون في 2024 و147.9 مليون في طلب 2025 لتجهيز القوات بالأسلحة والذخائر والمركبات ومعدات الاتصالات إضافة إلى مخصصات تشغيلية ورواتب.

في المقابل يمتد الدعم الإسرائيلي للأكراد إلى عقود سابقة، حيث قدمت إسرائيل منذ السبعينيات أسلحة خفيفة ومعدات عسكرية ودعمًا استخباريًا للحركات الكردية في شمال العراق ضمن استراتيجية بناء علاقات مع قوى إقليمية غير عربية ودعم حركات التمرد في المنطقة. كما ظهر دعم سياسي إسرائيلي واضح لإقليم كردستان خلال استفتاء الاستقلال عام 2017، وترافقت العلاقة مع تعاون اقتصادي مرتبط بالنفط، حيث استوردت إسرائيل نحو 19 مليون برميل من نفط إقليم كردستان بين أيار/مايو وآب/أغسطس 2015، ما وفر موردًا ماليًا مهمًا للإقليم وساهم في دعم قدراته الأمنية.

يربط الحراك الكردي المتصاعد في غرب إيران بالبيئة الجيوسياسية الأوسع التي تشكل مسرح الحرب حول الجمهورية الإسلامية؛ إذ تقود الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عدة أشهر ( ربما سنوات) نقاشات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية حول استخدام الفواعل غير الحكومية داخل إيران كأدوات ضغط استراتيجية على النظام بتصور قائم على دفع حركات المعارضة المسلحة إلى استغلال لحظات الضغط الخارجي على الدولة الإيرانية من أجل فتح جبهات داخلية متزامنة مع الضربات العسكرية الخارجية. يدفع هذا النموذج إلى خلق معادلة حرب متعددة الطبقات ضد طهران، حيث تتزامن العمليات الجوية والصاروخية والعمليات السيبرانية مع نشاط ميداني داخلي في الأرياف البعيدة؛ إذ يهدف هذا التصميم إلى توزيع القدرات العسكرية الإيرانية على عدة مسارح عمليات في وقت واحد، وإجبار طهران على تخصيص جزء كبير من قواتها البرية والأمنية لحماية العمق الداخلي.

تعتمد هذه المقاربة على الموقع الجغرافي والعسكري لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان العراق؛ حيث تنتشر قواعد هذه الجماعات في مناطق جبلية قريبة من الحدود الإيرانية، خاصة في محيط السليمانية وقلعة دزة وكويسنجق، وتدير الأحزاب الكردية المعارضة لطهران في هذه المناطق شبكات تدريب ومراكز لوجستية ومعسكرات صغيرة تستوعب آلاف المقاتلين، وتستفيد من التضاريس الجبلية لسلسلة زاغروس التي تمتد على طول الحدود بين العراق وإيران لمسافة تقارب 1500 كيلومتر. تسمح هذه الجغرافيا ببناء خطوط إمداد مرنة بين قواعد المعارضة في العراق والمدن الكردية داخل إيران مثل مهاباد وسنندج وبانه وتنتج هذه البيئة الجغرافية العسكرية بنية ميدانية مناسبة لعمليات تسلل صغيرة ووحدات قتال خفيفة قادرة على العمل في مناطق جبلية معقدة.

يدفع هذا المخطط الاستراتيجي الفصائل الكردية إلى التحرك في لحظات الضغط على الدولة الإيرانية، حيث يسمح تشتت القوات الإيرانية بين عدة جبهات إقليمية بخلق فجوات أمنية في المناطق الحدودية؛ بهدف تشجيع هذه الجماعات على توسيع نشاطها داخل المحافظات الكردية الإيرانيةو إجبار طهران على إعادة نشر وحدات كبيرة من الحرس الثوري الإيراني وقوات الأمن الداخلي من مسارح أخرى نحو الغرب. يؤدي هذا التحول إلى تقليص القدرة العملياتية الإيرانية في الجبهات الخارجية ويعيد توجيه الموارد العسكرية نحو إدارة الأمن الداخلي.

ينظر الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي منذ عقود إلى الأطراف العرقية والجغرافية لإيران باعتبارها مساحات قابلة للتحول إلى نقاط ضغط داخلية؛ إذ يركز هذا التصور على مناطق مثل كردستان إيران في الغرب وبلوشستان في الجنوب الشرقي بوصفها مناطق ذات حساسية سياسية وأمنية عالية؛ بينما يقود تفعيل الحركات الكردية خلال مرحلة الصراع الإقليمي إلى تحويل شبكات المعارضة المحلية إلى أدوات قادرة على التأثير في توازن الأمن الداخلي الإيراني. يسمح هذا النموذج لواشنطن وتل أبيب بزيادة مستوى الضغط على طهران عبر دعم ديناميكيات الصراع داخل الحدود الإيرانية، ويدفع إلى تحقيق تأثيرات استراتيجية على بنية النظام الأمني الإيراني دون الحاجة إلى نشر قوات برية تقليدية كبيرة في مسرح العمليات.

فرصة تاريخية

تمثل الأزمة الإقليمية الراهنة، في نظر حركات المعارضة الكردية الإيرانية، لحظة سياسية نادرة تتقاطع فيها التحولات العسكرية الإقليمية مع التاريخ الطويل للصراع الكردي مع الدولة الإيرانية؛ حيث تنظر هذه الحركات إلى الوضع الحالي بوصفه نافذة استراتيجية قد تسمح بإعادة طرح مطالب الحكم الذاتي والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية في سياق إقليمي مختلف عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية. يمتد هذا الصراع إلى بدايات القرن العشرين، عندما ظهرت الحركات القومية الكردية الأولى في إيران وبدأت في صياغة مشروع سياسي يهدف إلى تحقيق قدر من الحكم الذاتي داخل الدولة؛ لا سيما وأن هذا الطموح تجسد بصورة واضحة في تجربة جمهورية مهاباد عام 1946 التي شكلت أول محاولة معاصرة لإنشاء كيان سياسي كردي داخل إيران، وقد تركت هذه التجربة، رغم قصر عمرها، أثرًا عميقاً في الذاكرة السياسية الكردية وأصبحت مرجعًا رمزيًا للمطالبة بالحقوق السياسية والهوية القومية.

عاد هذا التوتر التاريخي إلى الواجهة بصورة أكثر حدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما دخلت المناطق الكردية في مواجهة مفتوحة مع الجمهورية الإسلامية الجديدة، ودفعت الأحزاب الكردية آنذاك نحو مشروع سياسي يقوم على توسيع الحكم المحلي والمشاركة في السلطة، بينما اتجهت الدولة المركزية إلى استخدام القوة العسكرية لاستعادة السيطرة على المحافظات الغربية. أسفرت هذه المواجهات عن خسائر بشرية كبيرة وأدت إلى نزوح آلاف المقاتلين والنشطاء السياسيين نحو العراق المجاور، حيث تشكلت هناك نواة المعارضة الكردية الإيرانية في المنفى؛  ومنذ تلك المرحلة حافظت التنظيمات الكردية على بنية مزدوجة تجمع بين النشاط السياسي والتنظيم العسكري، حيث احتفظت بأجنحة مسلحة تعمل انطلاقاً من قواعد داخل إقليم كردستان العراق وتنفذ عمليات حرب عصابات محدودة عبر الحدود بين الحين والآخر.

تملك هذه التنظيمات اليوم خبرة عسكرية تراكمت عبر عقود من النزاعات في المنطقة، كما تضم آلاف المقاتلين الذين تلقى كثير منهم تدريبات مكثفة في حرب العصابات والقتال الجبلي؛ حيث اكتسب جزء مهم من هذه الخبرة خلال العقد الماضي نتيجة مشاركة بعض المقاتلين الأكراد في الصراعات التي شهدها العراق وسوريا، بما في ذلك المعارك ضد تنظيم "داعش" والانخراط في شبكات أمنية وعسكرية إقليمية. يمنح هذا التراكم القتالي الفصائل الكردية قدرة على العمل في بيئات جبلية معقدة وعلى تنظيم وحدات صغيرة سريعة الحركة تستطيع تنفيذ عمليات محدودة ثم إعادة الانتشار بسرعة، كما يوفر انتشار هذه الجماعات على طول الحدود الإيرانية العراقية عمقًا عملياتيًا يسمح بتأمين خطوط إمداد وإعادة تنظيم القوات بعيدًا عن الضغط المباشر للقوات الحكومية.

شهد عام 2026 تطورًا سياسيًا مهمًا داخل صفوف المعارضة الكردية الإيرانية مع إعلان تشكيل ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران، وهو إطار تنسيقي يهدف إلى توحيد الخطاب السياسي لهذه الأحزاب وتعزيز قدرتها على العمل المشترك في مواجهة الدولة الإيرانية؛ حيث يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه مظلة سياسية قادرة على جمع القوى الكردية المتعددة حول برنامج موحد يربط بين المطالب القومية الكردية والتحولات السياسية التي قد تشهدها إيران في المستقبل. دعا قادة هذا الائتلاف بشكل علني أفراد القوات الأمنية الإيرانية المنتشرين في المناطق الكردية إلى الانشقاق عن النظام، كما شجعوا المجتمعات المحلية على الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة قد تعيد طرح مسألة الحكم المحلي في غرب البلاد.

تتزامن هذه التحركات السياسية والعسكرية مع بيئة جغرافية تمنح الحركات الكردية مجالاً واسعاً للمناورة؛ حيث يشكل غرب إيران أحد أكثر الأقاليم تعقيداً من الناحية العملياتية داخل البلاد، إذ تهيمن سلسلة جبال زاغروس الممتدة عبر إيران والعراق على المشهد الجغرافي وتشكل حاجزاً طبيعياً بين الهضبة الإيرانية وسهول بلاد الرافدين؛ وتوفر هذه التضاريس الوعرة، التي تتكون من سلاسل جبلية مرتفعة ووديان عميقة وقرى معزولة، بيئة مناسبة لنشاط الجماعات المسلحة التي تمتلك معرفة دقيقة بطبيعة الأرض ومسارات الحركة داخلها. تسمح هذه الجغرافيا لوحدات صغيرة بالتسلل إلى داخل الأراضي الإيرانية وتنفيذ هجمات محدودة ثم الانسحاب بسرعة إلى المناطق الجبلية أو إلى الجانب العراقي من الحدود قبل أن تتمكن القوات الحكومية الأكبر حجماً من تنظيم رد فعال.

يزداد تعقيد هذا المشهد بوجود معسكرات تدريب وشبكات لوجستية للمعارضة الكردية داخل إقليم كردستان العراق، حيث تعمل هذه القواعد كعمق خلفي يوفر التدريب والسلاح والدعم التنظيمي للمقاتلين؛ كما تتيح الروابط الاجتماعية والسياسية بين المجتمعات الكردية على جانبي الحدود استمرار حركة الأفراد والإمدادات عبر الممرات الجبلية، الأمر الذي يمنح هذه الجماعات درجة من المرونة العملياتية يصعب على الجيوش التقليدية احتواؤها بالكامل. ولهذا السبب نفذت السلطات الإيرانية خلال السنوات الماضية عدة ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع المعارضة الكردية داخل الإقليم العراقي في محاولة لإضعاف هذه الشبكات وتعطيل قدرتها على العمل عبر الحدود.

في الوقت نفسه ينخرط الجيش الإيراني وقوات الباسيج (إلى جانب الحرس الثوري ) في إدارة مجموعة واسعة من التحديات المرتبطة بالحرب الإقليمية الأوسع، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية ومواجهة الضغوط العسكرية الخارجية؛ لا سيما وأن هذا التزامن بين التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية يخلق بيئة أمنية أكثر سيولة في المناطق الطرفية للدولة، خاصة في المحافظات الجبلية الريفية البعيدة عن المركز.

فرص الرد الإيراني وأدوات احتواء العملية

تكشف العملية البرية التي أطلقتها هذه الجماعات الكردية عن بيئة ميدانية مركبة تتشكل عند تقاطع الضربات العسكرية الخارجية مع التحركات المسلحة المحلية داخل المناطق الحدودي؛ إذ تنتج الضربات الأميركية التي تستهدف مراكز الشرطة والمقار الأمنية والمفارز العسكرية تأثيرًا مباشرًا على بنية السيطرة اليومية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة المدن الحدودية، حيث تمثل هذه المؤسسات العمود الفقري لشبكة الحواجز والدوريات ونقاط القيادة الميدانية. يؤدي استهداف هذه البنية إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة المجال الأمني في مدن شمالية غربية، ويخلق في الوقت نفسه مساحات حركة أوسع أمام وحدات المعارضة الكردية التي تتحرك في البيئة الجبلية المحيطة بهذه المدن؛ بحيث تتيح هذه المساحات للفصائل المسلحة زيادة وتيرة عملياتها والانتقال من نمط الهجمات المحدودة إلى محاولات تثبيت مواضع قتالية في القرى الجبلية والممرات الحدودية التي تربط الداخل الإيراني بالمناطق الكردية في العراق.

تضع هذه المسارات منظومة الأمن في إيران أمام ضغط مركب يتشكل من عامل تقويض البنية الأمنية المحلية بفعل الضربات الخارجية، وعامل استغلال الجماعات الكردية للفجوات التي تظهر داخل هذه الشبكة الأمنية؛ إذ يؤدي تزامن هذين العاملين إلى خلق بيئة عملياتية تسمح للفصائل المسلحة بمحاولة توسيع نطاق نشاطها خاصة مع وجود كتلة سكانية كردية كبيرة غرب إيران، الأمر الذي يضيف بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا للصراع ويجعل السيطرة الأمنية أكثر تعقيدًا خلال فترات الاضطراب العسكري.

هنا تلجأ طهران إلى مزيج من الأدوات العسكرية والأمنية التي تهدف إلى إعادة بناء شبكة السيطرة في المناطق المتضررة؛ حيث تنتشر قوات الباسيج وقوات العمليات الخاصة وقوات التعبئة الاستخباراتية في المحافظات الغربية، وتدفع بعناصر إضافية إلى المدن الرئيسية لتأمين المؤسسات الحكومية والطرق الحيوية؛ إذ تعتمد هذه الوحدات على خبرة طويلة في القتال الجبلي ومكافحة التمرد، كما تشرف على إدارة العمليات الميدانية بالتنسيق مع قوات الأمن الداخلي المنتشرة في المدن والبلدات. يمنح هذا الانتشار الدولة قدرة على تثبيت وجودها الإداري في المراكز الحضرية حتى في ظل استمرار العمليات المسلحة في المناطق الجبلية المحيطة.

تكشف العملية البرية التي أطلقتها هذه الجماعات الكردية عن بيئة ميدانية مركبة تتشكل عند تقاطع الضربات العسكرية الخارجية مع التحركات المسلحة المحلية داخل المناطق الحدودي؛ إذ تنتج الضربات الأميركية تأثيرًا مباشرًا على بنية السيطرة اليومية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة المدن الحدودية

تركز الاستراتيجية الإيرانية في المعارك البرية على تأمين المدن والمحاور الحيوية التي تمثل مركز الثقل السياسي والإداري في المنطقة؛ بحيث تفرض سيطرة مشددة على الطرق التي تربط بين المدن الرئيسة، لأن الحفاظ على التواصل بين هذه المراكز يمنع الجماعات المسلحة من تحويل عملياتها إلى وجود دائم داخل المدن. يسمح هذا النموذج للدولة بالحفاظ على إدارة المؤسسات والخدمات العامة في المناطق الحضرية، بينما تستمر الاشتباكات في الأطراف الجبلية والقرى الحدودية حيث يصعب فرض سيطرة كاملة ومستقرة.

تنفذ القوات الإيرانية ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة مدعومة بجهد استخباري يستهدف معسكرات التدريب ومستودعات السلاح ومراكز القيادة، الأمر الذي يقلص القدرة العملياتية للفصائل ويحد من قدرتها على تحويل محاولات التسلل الحدودية إلى وجود عسكري مستقر داخل الأراضي الإيرانية؛ وتعزز بذلك مقاربة الرد العسكري والاحتواء عبر تركيز عملياتها على قطع خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجماعات الكردية عبر الحدود العراقية؛ لا سيما وأن القواعد الخلفية في إقليم كردستان العراق هي مركز التموين الرئيسي لهذه الفصائل من حيث التدريب والذخيرة والتنظيم، لذلك توجه طهران جزءاً مهماً من عملياتها نحو تعطيل هذه الشبكات.

تتجمع هذه الأدوات في استراتيجية تقوم على إدارة الصراع كحرب استنزاف منخفضة الشدة؛ ويرتبط هذا الجهد العسكري بعمل استخباري مكثف داخل المدن والقرى الكردية في غرب إيران، حيث تعتمد الدولة على شبكات محلية لرصد تحركات المجموعات المسلحة ومساراتها الجبلية وتحديد قياداتها الميدانية. ترافق هذه الإجراءات أدوات اجتماعية وسياسية تهدف إلى تقليص البيئة الحاضنة لأي نشاط مسلح واسع، وهو ما يسمح للدولة بإعادة تثبيت السيطرة في المراكز الحضرية.

مقاربة داخلية-خارجية

عمومًا، تفتح مسارات تشكل جبهة تمرد كردية في غرب إيران مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، حيث يتداخل الضغط العسكري الخارجي مع ديناميكيات التمرد الداخلي داخل المجال الإيراني نفسه؛ إذ يدفع تثبيت وجود كردي مسلح في المحافظات الغربية نحو معادلة حرب متعددة الجبهات، ومحاولات انفصالية على الأقل، تتزامن فيها الضربات الجوية والضغوط الإقليمية مع نشاط مسلح محلي قادر على إرباك شبكة السيطرة الأمنية للدولة. ترفع هذه المعادلة مستوى التعقيد في البيئة الأمنية الإيرانية وتفرض على طهران إعادة توزيع مواردها العسكرية بين حماية العمق الداخلي وإدارة المواجهات الإقليمية الممتدة عبر الخليج والشرق الأوسط.

ينتج هذا الوضع ضغطًا مركبًا على الدولة الإيرانية، إذ يؤدي توسع النشاط الكردي إلى استنزاف الموارد الأمنية والعسكرية المخصصة للاستقرار الداخلي، في وقت تستمر فيه التحديات العسكرية الإقليمية؛ كما يفتح هذا المسار المجال أمام تحفيز حركات معارضة أخرى داخل إيران على زيادة نشاطها، الأمر الذي قد يحوّل بعض المناطق الطرفية إلى بؤر توتر مستمرة.

ينسجم هذا التطور مع رؤية استراتيجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل تقوم على زيادة الضغط على النظام الإيراني عبر تفعيل عوامل الاضطراب الداخلي بالتوازي مع المواجهة العسكرية الخارجية. يندرج ذلك ضمن نموذج الحرب الهجينة الذي يجمع بين الضربات العسكرية المباشرة وتنشيط الفاعلين المحليين داخل الدولة المستهدفة، بما يسمح بتعميق الاستنزاف الداخلي دون تدخل بري واسع. وفي المقابل ترى الحركات الكردية في هذه اللحظة فرصة لإعادة طرح مطالبها السياسية، ما يجعل الجبهة الغربية لإيران مرشحة للتحول إلى ساحة ضغط استراتيجي يعيد تشكيل توازنات الصراع في المنطقة.

كلمات مفتاحية
طهران

إيران بين الثورة والحرب: صراع مستمر على الهوية والسيادة

قد تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الثوري وإدامة حالة التعبئة داخل المجتمع، وتُعدّ التجربة الإيرانية مثالًا واضحًا على ذلك

براود بويز

حين يصبح الرفض وقودًا: قراءة في قدرة اليمين المعاصر على إعادة إنتاج نفسه

شكل اليمين السياسي منذ القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر وجودًا أساسيًا على الساحة السياسية، لكنه ظل مؤثرًا بشكل ملموس في تحركات المجتمع الغربي

 قصر "كلستان"

التراث تحت النار: مواقع أثرية إيرانية في مرمى الحرب

لم تقتصر الهجمات الأميركية والإسرائيلية على الأهداف العسكرية والأمنية فقط، بل امتدت لتشمل مجالًا أكثر حساسية، وهو التراث الثقافي والتاريخي

طهران
مناقشات

إيران بين الثورة والحرب: صراع مستمر على الهوية والسيادة

قد تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الثوري وإدامة حالة التعبئة داخل المجتمع، وتُعدّ التجربة الإيرانية مثالًا واضحًا على ذلك

ناسا
علوم

هبوط ناجح لمهمة "أرتميس 2" بعد رحلة تاريخية إلى مشارف القمر

وصل طاقم رحلة أرتميس 2 إلى مسافة غير مسبوقة بلغت 252,756 ميلًا من الأرض، متجاوزًا الرقم الذي سجلته مهمة أبولو 13

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
سياق متصل

كواليس القرار.. كيف ورّط نتنياهو ترامب في الحرب على إيران؟

يكشف التحقيق كيف دفع نتنياهو ترامب نحو قرار الحرب على إيران عبر وعود عسكرية واستخبارية

أحمد دومة
حقوق وحريات

تجديد حبس أحمد دومة يختبر حدود الانفراج في مصر

قررت غرفة المشورة بمحكمة جنح بدر تجديد حبس أحمد دومة احتياطيًا لمدة 15 يومًا، على ذمة التحقيقات في القضية رقم 2449 لسنة 2026، بتهمة "نشر أخبار وبيانات كاذبة"