المعادن النادرة تشعل سباقًا جديدًا بين اليابان والصين
13 يناير 2026
تمضي اليابان في تعزيز أمنها الاقتصادي عبر استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى حماية سلاسل إمداد المعادن النادرة والحيوية، وفقًا لوكالة "رويترز". خصوصًا مع تزايد التوترات الجيوسياسية والمخاوف من الاعتماد المفرط على الصين، التي تهيمن على جزء كبير من إنتاج وتكرير هذه المعادن عالميًا.
ومنذ أزمة عام 2010، عندما أدت خلافات سياسية بين طوكيو وبكين إلى اضطرابات في إمدادات المعادن النادرة، اتخذت الحكومة اليابانية بالتعاون مع القطاع الخاص سلسلة إجراءات وقائية، شملت بناء مخزونات استراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد والاستثمار في مشاريع بديلة. ورغم أن السلطات لا تكشف عن حجم هذه الاحتياطيات، فإن مسؤولين في قطاع التعدين أكدوا أن مستوى الجاهزية اليوم يفوق بكثير ما كان عليه قبل أكثر من عقد.
وخلال فعالية أقيمت مؤخرًا لصناعة التعدين في اليابان، أشار عدد من كبار التنفيذيين إلى أن الشركات باتت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات المحتملة، مستفيدين من تنويع سلاسل التوريد وتوسيع شبكة الشركاء خارج الصين. إلا أن الحكومة لا تزال تخشى من عودة الشركات إلى نمط الاعتماد التقليدي بمجرد تراجع التوترات، وهو ما دفعها إلى تكثيف رسائل التحذير.
رهان ياباني في أعماق البحار لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة، من خلال مشروع قد يعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي
وقال كازومي نيشيكاوا، المدير الرئيسي للأمن الاقتصادي في وزارة التجارة اليابانية، إن التجربة أثبتت أن الذاكرة الاقتصادية قصيرة الأجل. وأضاف: "غالبًا ما تستجيب الشركات للأزمات عندما تقع، لكن بمجرد انتهائها يعود السلوك القديم. دورنا هو ضمان استمرار الجهود وعدم رهنها بالظروف الطارئة".
مشروع استراتيجي محفوف بالتحديات
ويُعد مشروع جزيرة ميناميتوري حجر الزاوية في طموحات اليابان لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في هذا المجال. فالجزيرة النائية الواقعة في المحيط الهادئ تحيط بها رواسب طينية يُعتقد أنها تحتوي على كميات كبيرة من المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات المتقدمة، مثل البطاريات، والسيارات الكهربائية، وأنظمة الطاقة المتجددة، والإلكترونيات عالية التقنية.
ومنذ عام 2018، استثمرت الحكومة اليابانية نحو 40 مليار ين في أعمال المسح والدراسات التقنية وتطوير تقنيات الاستخراج. ورغم أن التقديرات الرسمية لحجم الاحتياطيات لم تُعلن، كما لم يتم تحديد سقف زمني أو كميات إنتاج مستهدفة، فإن السلطات تخطط لإطلاق تجربة تعدين على نطاق واسع في شباط/فبراير 2027، في خطوة ستحدد مستقبل المشروع بالكامل.
وكانت التحديات الاقتصادية تمثل العائق الأكبر أمام المشروع، إذ إن استخراج المعادن من الطين في أعماق البحار يُعد مكلفًا تقنيًا وماليًا. غير أن تغيرات السوق العالمية قد تعيد رسم المشهد. ويقول كوتارو شيميزو، المحلل الرئيسي في "ميتسوبيشي يو إف جي للأبحاث والاستشارات"، إن أي استمرار في القيود أو الاضطرابات القادمة من الصين قد يدفع الأسعار إلى مستويات تجعل هذا النوع من التعدين مجديًا اقتصاديًا خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع تزايد الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالتحول الطاقي.
مخاوف جيوسياسية ومراقبة صينية
في موازاة ذلك، يثير المشروع حساسية جيوسياسية متزايدة. فقد أشار مسؤولون يابانيون إلى أن سفنًا تابعة للبحرية الصينية اقتربت من منطقة عمل سفينة يابانية كانت تجري مسوحات حول جزيرة ميناميتوري في حزيران/يونيو الماضي، في خطوة وُصفت في طوكيو بأنها "استعراضية ومثيرة للقلق".
وقال أحد المسؤولين اليابانيين إن هذه التحركات ولّدت "إحساسًا قويًا بالأزمة"، معتبرًا أنها تعكس اهتمام الصين الوثيق بأي تحرك ياباني يهدف إلى تقليص نفوذها في سوق المعادن النادرة. في المقابل، شددت بكين على أن سفنها كانت تعمل ضمن إطار القانون الدولي، واتهمت اليابان بـ"تهويل التهديدات" وتأجيج المخاوف.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية سباقًا محمومًا على تأمين الموارد الاستراتيجية، مع التحول نحو الطاقة النظيفة وتصاعد التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى. وتسعى اليابان، التي تعتمد تاريخيًا على الاستيراد في هذا القطاع، إلى تقليل نقاط الضعف في اقتصادها عبر الاستثمار طويل الأمد، حتى وإن لم يؤتِ ثماره على المدى القريب.
وبينما لا تزال نتائج مشروع ميناميتوري غير مؤكدة، ترى طوكيو فيه رهانًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات التجارية المباشرة، ليشكل جزءًا من رؤية أوسع للأمن الاقتصادي والسيادي، في عالم باتت فيه الموارد الطبيعية أداة نفوذ لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو التكنولوجية.







