المطلوبون الـ18.. أبقار في شرفة الوطن

المطلوبون الـ18.. أبقار في شرفة الوطن

ملصق الفيلم

"ذات مساء، لمحنا بقرة تتأمل الغسق من أعلى الشرفة الرئاسية، تخيلوا.. بقرة في شرفة الوطن!". بهذه الكلمات استفظع جابرييل جارثيا ماركيز في روايته "خريف البطريرك" وجود بهائم في القصر الجمهوري الذي احتكره ديكتاتور لعقود وعقود طويلة- بطريقة سوريالية تبعث على الضحك ما يمكن القارئ "المقموع"من استعارتها وإسقاطها على واقعه السياسي في بلدان العالم الثالث.

في فيلم "المطلوبون الـ18"، تهدد بقرات بلدة فلسطينية "الأمن القومي الإسرائيلي"

لكن هذه الجملة تحديدًا وهذا التهكم الساخر، سيطرق أبواب ذاكرتك بشيء من "النوستولوجيا الوطنية"، والشعور بالامتنان لفصيلة البقر كلها، وأنت تشاهد فيلم "المطلوبون الـ18" للمخرج الفلسطيني الشاب عامر الشوملي، الذي يروي من خلاله بطريقة وثائقية درامية، و"كارتونية" أيضًا، حكاية بلدته "بيت ساحور" فترة الانتفاضة الأولى.

ليس ترشيح الفيلم لمسابقة جوائز "الأوسكار"، ولا تسليطه الضوء على ما يمكن تسميته بـ"الحالة المدنية الفطرية" للشعب الفلسطيني المتمثلة في النضال بغض النظر عن الطائفة والدين في وجه الاحتلال؛ هو ما يعطي لهذا الفيلم تفرّده وقيمته، بل توثيقه لمرحلة هامة كانت –ولا تزال– تشكل علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني، وتظل موضع مقارنة مستمرة بغيرها من الهبات والانتفاضات في فلسطين والشتات.

الفيلم الذي يتحدث عن شراء بلدة بيت ساحور لـ18 بقرة من "ناشط يساري إسرائيلي"، بهدف تأمين الحليب لأهالي البلدة والاستغناء عن منتج المحتل، يجبرك على التساؤل: لماذا لم يتم توثيق ما حدث فعلًا في انتفاضة 1987 بطريقة بعيدة عن أسلوب "الفيديو كليب" الذي يمزج بين صور أرشيفية ولقطات فيديو إخبارية بمصاحبة أغاني فرقة "العاشقين" ومارسيل خليفة؟

فـ"المطلوبون الـ18"، يمنح صورة مكبّرة عن الاستعدادات الفلسطينية في تلك الفترة لخوض نضال وطني طويل الأمد، بعيدًا عن الصورة "الكلاسيكية" لأطفال الحجارة بطريقة "السلوموشين"، فالفلسطينيون قسموا بلداتهم إلى "مجتمعات اشتراكية بدائية" أو "كمونة"، تمثلت في تقسيم وظائف كل بيت من البيوت بين زارع لسلعة أساسية معينة وبين موزع لهذه السلع، وذلك ليقلصوا استخدام "الشيقل" الإسرائيلي ومقاطعة منتجات دولة الاحتلال.

لكن استدعاء البقرات التي يستنطقها الفيلم من خلال شخصيات كرتونية قصمت ظهر قوات الاحتلال إلى حد جعل الحكومة الإسرائيلية، برئاسة إسحق رابين في حينها، إلى توصيف البقرات بأنها "تهديد للأمن القومي الإسرائيلي"! وبصورة ساخرة يستذكر سكان بيت ساحور كيف علّق جنود الاحتلال ملصقات للأبقار مع مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عنهم.

من بيت لبيت، وحظيرة لحظيرة، اختبأت البقرات الـ18 في "بيت ساحور" عن عيون قوات الاحتلال، لكن اتفاقية "أوسلو" أنهت الانتفاضة الأولى وسلمت البقرات إلى المسلخ! إلا أن هذه النهاية، لم ترض عامر الشوملي، الذي يبدو متأثرًا هو الآخر بالحالة الفلسطينية بـ"أسطرة" الأشياء، فيغير من متن القصة ليجعل بقرة صغيرة تهرب من عربة الأبقار المتجهة إلى المسلخ لتنجو بحياتها.
النهاية استطاعت أن تستبدل طائر "الفنيق" الأسطوري – الذي يتجدد في كل مرة يحترق فيها جناحيه- إلى هذه البقرة الصغيرة التي يُسمع "خُوارها" في كل انتفاضة.

اقرأ/ي أيضًا:
نادين الخالدي.. نحن أيضًا شعوب تحب الطرب
عمر المعتز بالله.. مسرح صنع في مصر