المصوّر التركي آرا غولر.. عين إسطنبول التي أغمضت إلى الأبد

المصوّر التركي آرا غولر.. عين إسطنبول التي أغمضت إلى الأبد

المصور التركيّ آرا غولر

"الصورة حادثة تاريخية، فمن خلال ماكينة يمكنك أن توقف التاريخ وتسجله". بعبارةٍ كهذه، اختزل المصور التركيّ آرا غولر الذي غادر عالمنا، يوم الأربعاء 17 تشرين الأول/أكتوبر، عن عمر ناهز الـ 90 عامًا.

المصور التركيّ آرا غولر: ليس من الضروري أن تكون الكاميرا بآلاف الدولارات كي تلتقط صورًا جيدة

أكلت تجربته في التصوير جلّ سنوات حياته بينما يتجوّل في أزقة إسطنبول لتوثيق تاريخ المدينة، قبل أن تتغيّر بشكلٍ جذري مع مرور السنوات. هذا التجوال الذي استمرّ لسنواتٍ طويلة، وكانت حصيلته صورًا مختلفة يتسرّب منها التاريخ، إن جاز التعبير، وتنقل المشاهد إلى الزمن الظاهر فيها؛ منحهُ لقب "عين إسطنبول" الذي استحقّه عن جدارة ودون منازع.

اقرأ/ي أيضًا: الفنّان عماد جميّل.. كائنات من الهواء

حكاية آرا غولر الطويلة، وإن بدت في بعض أجزائها جاهزةً، لن يُفلح أحد في سردها مهما حاول وفعل. شيءٌ ما يجعل من هذه الحكاية، على بساطتها، حكايةً مُتشعِّبة، لا تركنُ إلى خطٍّ واحد للسير، يُمكن من خلاله الإمساك بخيطٍ تنسلُّ منه الحكاية كاملةً، أو أقلّ ما في الأمر، بعضًا منها. فحكايته أقرب ما تكون، ومن نواحٍ عدّة، إلى بيتٍ مكوّن من مداخل ومخارج كثيرة. أبواب متعدّدة تُفضي جميعها إلى بعضها البعض، ونوافذ تطلُّ كلّ واحدةٍ منها على اتِّجاهٍ ما مُختلف.

هكذا، يجد المرء نفسهُ، وبالضرورة، إزاء متاهةٍ فِعليّة إنّ فكّر بالإحاطة بحكاية صاحب "كتاب الألوان المفقودة" بمختلف جوانبها. فالمدخل في حكايته ليس بالضرورة أن يكون مدخلًا، ولا المخرج يبدو مخرجًا أيضًا. إنّها ليست سوى أشياء تزيد من هذه المتاهة تعقيدًا، وكأنّ آرا غولر استند في تكوين نمط حياته وشكلها، كمصوِّرٍ بالدرجة الأولى، إلى الشكل الهندسيّ لبعض أحياء مدينة إسطنبول. ربّما يأتي هذا كنتيجةٍ طبيعية لتماهي شخصيته مع المدينة بصورة شبه تامّة، بعد أن أمضى جلّ سنوات حياته، وحتّى الأخيرة منها، متجوّلًا في أزقّتها بصحبة كاميرته التي لا يتجاوز سعرها الـ 600 دولار أمريكيّ، لأنّه، وبحسب قوله، ليس من الضروري أن تكون الكاميرا بآلاف الدولارات كي تلتقط صورًا جيدة.

 آرا غولر

إنّ قرار البحث عن آرا غولر وتعقّبه بعد موته، لا يقود إلّا لمعرفة أشياء يعرفها الجميع، لأنّه من السهل معرفتها بطبيعة الحال. كمعرفة أنّه ذو أصول أرمينية، وأنّه ولد سنة 1928 في حيّ "باي أوغلوا" في مدينة إسطنبول. وأنّه في فترةٍ من فترات حياته كان مُساقًا نحو رغبته في أن يصير إمّا مخرجًا، أو كاتبًا سينمائيًا. ومن المعروف أنّه قطع مسافةً كبيرة في هذا المجال، لا سيما وأنّه تعلّم التمثيل والمسرح على يد محسن أرطغرل تمهيدًا للتحوّل الكبير الذي كان يُخطِّطُ له آنذاك، قبل أن يجد نفسه مصوّرًا صحافيًّا سنة 1950 في جريدة كانت تُسمّى في ذلك الحين "إسطنبول الجديدة". ولكنّه سرعان ما تخلّى عن هذا العمل، وعادر من جديد لمطارة رغباته، رغبته في أن يكوّن مصوِّرًا محترفًا هذه المرّة، ويتفرّغ لهذه المهنة أيضًا، فكانت النتيجة أن حصد عددًا من الجوائز المحلّية والعالمية. كالجائزة الكبرى للفنّ والثقافة التي تقدّمها الرئاسة التركية، ووسام "Légion d’honneur" الفرنسيّ.

كلّ ما ذُكر أعلاه من تفاصيل، ليست سوى أشياء من السهل معرفتها، ولكنّها، دون شكّ، ليست جزءًا من الحكاية التي يجب أن تسرد، أو الحكاية التي يطاردها الكثيرون الآن بعد خبر الوفاة وعبور آرا غولر إلى الجوار المُخيف. لأنّ تفاصيل كهذه لا تقود أساسًا إلى العثور على آرا غولر كما يجب أن نعثر عليه، ولا تُساعد أيضًا في اللحاق به. وحتّى ما يُكتب هنا، لن يصل إليه إطلاقًا.

الحياة التي سعى خلفها آرا غولر، لا تتجسّد في صوره من خلال الحركة إنما من خلال واقع الصورة

آرا غولر، وكتعريفٍ بسيط يجيء من قراءة متمهّلة في صوره، وبشكلٍ خاصّ تلك المُلتقطة في إسطنبول، لا يتعمد على الجماليات في إنجاز الصورة مُطلقًا. فالصورة عنده ليست بالضرورة فنًّا، مُفسِّرًا الأمر بقوله إنّ الصورة تلتقط جزءًا من الحقيقة، وطالما أنّ الحقيقة لها وجودها المادّي، فالصورة موجودة أيضًا. عبارة كهذه تُحيل أي قارئ لما أنجزهُ غولر إلى تأويلاتٍ متعلّقة، معظمها، بالحياة وواقعيتها. فما كان يستند إليه المصوّر التركيّ في إنجاز صورته، إلى جوار التوثيق التاريخيّ، كان الحياة. والحياة بمعنى البحث عن تفاصيل ما تجعلُ من الصورة المُلتقطة حيّة، حتّى وإن ظهرت عكس ذلك إن أخذنا الألوان الداكنة، أبيض وأسود غالبًا، وقلّة الحركة أيضًا بعين الاعتبار، ودون أن نعطي بالًا للظرف الزماني أيضًا للصورة.

 آرا غولر

الحياة التي يسعى خلفها آرا غولر، لا تتجسّد في صوره من خلال الحركة التي غالبًا ما تفقدُ جزءًا منها لصالح السكينة التي تحضر بفعل الظرف الزماني أو المكاني على حدٍّ سواء؛ بل تتجسّد من خلال واقع الصورة، وما نراه من أفعالٍ للأشخاص الذين ظهروا فيها: رجالًا يستعدّون للإبحار في رحلة صيد لا هدف منها سوى ضمان الحياة لأطول فترة ممكنة؛ طفلًا يحمل بين يديه زجاجة حليب وقطع من الخبز؛ فتيةً يحملون سلالًا من القش على ظهورهم كوسيلة للنقل، وجزءٍ من العمل، رجالًا آخرين يعملون في مهنٍ غالبًا ما تكون شاقّة. 

اقرأ/ي أيضًا: فوتوغرافيا جوزيف كوديلكا.. خراب بيروت المضيء

بالإضافة إلى بورتريهات متنوّعة ومختلفة، تظهر إلى جانب الصور الأخرى طبيعة الحياة في مدينة إسطنبول في خمسينيات القرن الماضي، وتوثّقها أيضًا، لتصير الصورة مساحةً رحبة لمعاينة التاريخ وإعادة قراءته استنادًا إلى الفقر الذي لا ينفكّ يظهر صورةً تلو أخرى، إن كان في ملابس الناس، أو طبيعة ما يعملون به من مهنٍ، أو حتّى من خلال الشوارع الموحلة، والملاصقة لأعرق الأحياء والمساجد في المدينة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أسوَد" يوسف عبدلكي.. الرسم لعبة شطرنج

ديانا حلبي.. عيون في جنازات جماعية