المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

لا أحد من اللبنانيين يعرف متى "تشنّ" المصارف جولة جديدة في الحرب عليهم (Getty)

لا أحد من اللبنانيين يعرف متى "تشنّ" المصارف جولة جديدة في الحرب عليهم. هذه المرة، أصدر مجلس اتحاد نقابات موظفي المصارف بيانًا يحمل "بصمة" إدارات المصارف ولغتها، لكنه هدد بالإضراب كما لو أنه مستقل عنها. الإضراب، عمليًا، هو منع الناس من الوصول إلى ودائعهم بصورة قطعية، وعدم الاكتفاء بسياسة "تقنين" الوصول إلى الودائع، إلى درجة اتخذت أشكالًا مهينة في كثير من الأحيان. وهذا الإضراب، في حال حدوثه، سيكون تصعيدًا كبيرًا من المصارف، ومن خَلفها، ضدّ الناس.

اتحادات نقابات موظفي المصارف ليس جديدًا. يعود عمره إلى أكثر من 60 عامًا، لكن لا يذكر أي من اللبنانيين، أن هذا الاتحاد "النقابي" انتفض يومًا من أجل مطالب

برأي الاقتصاديين المتابعين للأزمة اللبنانية، ليس هناك أي معنى لما يقوله اتحاد نقابات موظفي المصارف، إلا تصدّره الواجهة بالنيابة عن إدارات المصارف المسؤولة عن كل شيء. يشير البيان الذي يبدو منفصلًا عن الواقع غالبه، إلى أن "فروع المصارف شهدت في نهاية العام المنصرم هجمات منظمة من أشخاص ادعوا أنهم يمثلون الحراك الشعبي الذي انطلقت شرارته في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وقد عملوا من خلال اقتحام عدد من فروع المصارف إلى تشويه صورة القطاع المصرفي الذي كان المساهم في كل الحقبات التي شهدها لبنان في نمو وتطور القطاعات الاقتصادية وفي دعم مالية الدولة، كما تخطوا قواعد الآداب العامة فتعرضوا للمستخدمين بشتى أنواع الإهانات والشتائم، كما أقدموا على الاعتداء بالضرب على بعض الزملاء المصرفيين".

اقرأ/ي أيضًا: محلل الممانعة ومناقيش السفارة

وقبل تحليل هذه المعطيات، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط: أولًا، لم تشهد فروع المصارف هجمات منظمة، بل كانت الأحداث التي يتحدث عنها البيان محاولات من أصحاب الودائع لتحصيل ودائعهم دائمًا. ومعظم الاحتجاجات موثقة بالفيديو، وتثبت أن المصارف هي التي ترفض تسليم الحقوق لأصحابها. محاولة الإيحاء بأن هناك "هجمات" ليس صحيحًا، وتاليًا لا شيء "منظمًا"، إلا قرارات المصارف، وقبل ذلك استفادة أصحابها ومديريها من السياسة النقدية لمراكمة أرباح خيالية.

ثانيًا، لا يوجد ممثلين للانتفاضة اللبنانية، كما بات معروفًا، وعلى الأقل، ليس معترفًا بأحد من الذي ادعوا التمثيل. والحديث عن "ممثلين" للانتفاضة، هو من مطالب السُلطة السياسية التي لم تتعارض مصالحها مع مصالح المصارف. كما أن اللافت، رغم أنه متوقع، هو استخدام مصطلح "الحراك الشعبي" للدلالة إلى الانتفاضة، وهي التسمية المفضّة للسياسيين اللبنانيين، الذين للمفارقة يمدحون الانتفاضة التي قامت ضدّهم أيضًا، مثلما يمدح أصحاب المصارف أنفسهم، ويمدحون الانتفاضة التي قامت ضدّ مصارفهم. "الحراك الشعبي" هي تسمية السُلطة.

ثالثًا، لم يقتحم المواطنون المصارف، ولم تؤد التجمعات أحيانًا داخل المصارف للمطالبة بالودائع إلى تشويه صورة القطاع المصرفي، بل ما أسهم في ذلك هو أن الانتفاضة فضحت السياسة النقدية بأسرها، وأعادت الأنظار إلى العلاقة بين المصارف وبين القلة المحتكرة في البلاد. كما أن المصارف في تحديدها سقف السحوبات إلى درجة مهينة، شوّهت صورتها بنفسها، بالنسبة للعاديين، الذين كل ما يطالبون به هو حقوقهم، وإن كان النقاش عن السياسة النقدية قائمًا وضروريًا.

رابعًا، كان لافتًا أن المصرفيين، أي الموظفين في المصارف، في كثير من المقاطع المسجّلة اتجهوا إلى إهانة الناس، والاعتداء عليهم، وذلك بحضور القوى الأمنية الرسمية. ذلك رغم أن التصور المنطقي للأحداث المماثلة، يجيز الافتراض بغضب أصحاب الودائع المحتجزة، ووجوب تفهم ردود فعلهم.

اتحادات نقابات موظفي المصارف ليس جديدًا. يعود عمره إلى أكثر من 60 عامًا. وينتشر الناشطون فيه على أكثر من 1100 فرعًا، يتوزعون على 65 مصرفًا. لكن لا يذكر أي من اللبنانيين، أن هذا الاتحاد "النقابي" انتفض يومًا من أجل مطالب. على العكس تمامًا. هناك مطالب بالتأكيد، من أجل زيادة الخدمات الصحية والتقديمات الاجتماعية، وبالمعني "العمالي"، فالموظفون موظفون، وإن كان المصرفي مصرفيًا في النهاية في طموحه وفي سلوكه. يشير ناشطون في الاتحاد إلى وجود مطالب بالفعل، لكن لا يذكر اللبنانيون اعتصامًا "نقابيًا" جادًا، لموظفي المصارف، إلا حين التقت مصلحة الإدارات مع هذا الإضراب، ورغبتها بالإغلاق. الإضراب هذه المرة ليس من أجل مطالب الموظفين، بل عمليًا من أجل مصالح "الرؤوس الكبيرة".

لطالما ساد انطباع بين اللبنانيين عن أن العمل في مصرف هو أفضل وظيفة ممكنة. وقبل 17 تشرين الأول/أكتوبر، بقي هذا الاعتقاد سائدًا ربما، وعلى نطاق واسع. لكن ما تغيّر، ليس ما يحاول البيان الإيحاء به، أي إلقاء اللوم على الانتفاضة. ما تغيّر في المصارف، هو تصنيف هذه المصارف نفسها. في البداية، خفضت وكالت "فيتش" تصنيف مصرفين كبيرين إلى CCC، ويعد هذا رابع أدنى تصنيف فيها. بعد ذلك، خفضت "موديز" تصنيف الودائع في المصرفين الكبيرين، ومعهما مصرف كبير آخر، إلى Caa2، قبل أن تزيد "ستاندرد آند بورز" طين المصارف بلة، وتخفض تصنيف ثلاثة مصارف إلى CCC. وهذا بطبيعة الحال، لا علاقة له بدخول مواطنين إلى المصارف للمطالبة بودائعهم كما يُفهم من البيان.

يذكّر البيان بما حاولت أحزاب السُلطة في لبنان الترويج له: الانتفاضة مسؤولة عن الأزمة الاقتصادية. بالنسبة للبنانيين، الطرح أشبه بنكتة. ليس فقط لأنهم يعرفون أنهم منعوا من سحب الدولار من المصارف قبل أسابيع من الانتفاضة، إنما لأنهم يعرفون سلطتهم جيدًا. وبيان الموظفين في المصارف، يدل على أن المصارف، لم تعرف بعد، أن اللبنانيين صاروا يعرفون المصارف أيضًا.