المشي إلى مراقد الأمل

المشي إلى مراقد الأمل

زينب مهدي

"توجّع قليلًا، توجّع كثيرًا.
سنصعد هذا الجبل.
متعبين تمامًا، وحولي وحولكَ، يأسان،
يأسي ويأسك
رعبي ورعبك يا صاحبي
نحن لسنا جبانين أو بطلين
ولكننا ولدان بسيطان
مثل مكاتيب فلاحة غربوها
بسيطان
مثل نعاس الرعاة
ومثل العطش".

  • مريد البرغوثي

(1)

كان وجهها مستديرًا كالرغيف. وكانت حين تقف أمام نار الفرن يكتسي بحمرة السخونة كالوردة البلدي. رأت هند زوجها يغرق بالموتوسيكل في إحدى الترع. كان شبّاكها المواجه لشباك ستي مفتوحًا حين خرجت علينا بجلبابها الواسع تشير لنا بالقدوم وترقد في الأرض واضعة يدها على قلبها ناظرة إلى السماء نظرة الكارثة.

صعدت الأدوار الأربعة ووضعت حمزة وحسن في حجري وجلست ستي جوارها على الأرض في البلكون الصغير جدًا الذي في مواجهتنا. ماذا جرى ياست البنات.

رحيل زينب كان كالأحداث الجسام التي شهدها جيلي، كسقوط بغداد، وسوريا، واليمن

مات محمود زوجها. طبخت لحسن وحمزة وأطعمتهم. ورتبت سرائرهم. وساعدتهم في تغيير ملابسهم وقصصت عليهم قصة قصيرة فناما دون أسئلة. كان الكبير يفهم كل شيء فتظاهر بالنوم. بينما بقي الصغير يطلب حكاية وراء حكاية. حتى غلبنا النعاس سويًا.

اقرأ/ي أيضًا: من جغرافيا الذات

بعدها بأربعة أشهر تزوجت هند كما تقتضي التقاليد الخرقاء، وعاد الصغيران لبيت جدهما في "الحضرة" بمكان قريب من بيت ستي. آخر مرة رآني فيها حمزة جاءني بابنه وبالبسبوسة.. وبالأمل.

(2)

مر الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر هادئًا. كان يوم أن قررت زينب المهدي أن تحل ضفائرها وترحل. رحيل زينب كان كالأحداث الجسام التي شهدها جيلي، كسقوط بغداد، وسوريا، واليمن. كدخولنا النفق المظلم الذي ينتهي. إلى أين ينتهي؟

الحادثة الأولى التي أرى فيها فتاة ملت ترديد كلام الأمل. واختارت أن تمشي. كم فكرت أن أمشي يا زينب!

كأنك كنت تعرفين أن العالم سيصاب بصداع -كذلك الذي في رأسي منذ يومين- وقتما قررتِ أن ينتهي كل شيء بهذه الطريقة. يا قلة صبرك يا زينب!

أعرف مم أصابك الملل، والقهر، وقلة الحيلة، والتمرد والرفض، وفقدان طعم الأشياء. وهو ما يصيبني فأتكثف. وأبادر الله حوارًا حول كل شيء، متمنية أن تهدأ ثورتي وألا يكون لابنتي نصيب منها، لأنها لا تعرف شيئًا.

(3)

لي صديقة عراقية نتبادل الكلام أنا وهي من وقت لآخر، تدرس الإسبانية مثلي وقد التقينا في مدرسة المترجمين في طليطلة عام 2008.

اقرأ/ي أيضًا: آخر يوم.. يوم الخميس

سألتها: حين كانت جدتك تعاني كربًا. ماذا كانت تصنع؟
قالت وقد تعلق بصرها بالأفق: كانت تمشي لمرقد الإمام الكاظم.
تذكرت صلوات الليل، والمشي إلى البحر تسبيحًا، والغروب بين عمائر الكورنيش في المنشية، وأصابع الله وهي تشيح برفق نور الشمس من مشهد المساء.
تذكرت كيف أن الأمل يكون سخيفًا حين لا يكون هناك غيره، لكنه ضروري كالدواء المر. كابتلاع الصبر، والمداومة على اليقين يا زينب، حيث لا طاقة لنا بالمغادرة وقتما نشاء يا عزيزتي.

(4)

عادت هند امرأة قوية إلى الحارة. امرأة ذات مال ونفوذ، كانت أخيرًا في مكانة من القوة تسمح لها بالعودة إلى بيتها القديم الصغير في حارة أبو سلطان في حي محرم بيك بالإسكندرية حيث تزوجت محمود زوجها الأول، وأنجبت حمزة وحسن أولادها منه.

في بلادنا، حين يموت رجلان لنفس المرأة يعتبرونها شؤمًا ويتركونها في حالها

آخر أيام ستي، وجدت البلكون مفتوح وهند تقف كامرأة ما عاد القهر يقهرها. تجاذبنا الأحاديث والقهوة، والأولاد حسن وحمزة يلعبون حولنا ومعهم "قمر" بنتها من زوجها الثاني الذي رحل أيضًا.

في بلادنا حين يموت رجلان لنفس المرأة يعتبرونها شؤما ويتركونها في حالها. عاشت هند في هذا البيت. وهي من علمني سقاية الزرع وصناعة الحلوى وبعضًا من أغاني التراث. فكنت كلما غلبني شيء من الشجن أذكر غناءها على الدف في البيت. غناء ينتصر للأمل وإن كان هشًا، يحييه الغناء ويميته الالتهاء عنه بما كان وصار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تفاصيل غير مهمة

كابوس يقظة لمواطن سوري