المشهد الحزبي السوري بين إعادة إنتاج السلطة والتعددية الموعودة
1 نوفمبر 2025
تزامنًا مع النقاشات الدائرة حول مستقبل الحياة السياسية في سوريا، تبرز مؤشرات على أن المشهد الحزبي القادم قد يُعاد تشكيله من داخل السلطة نفسها، لا من خلال مبادرات شعبية أو قوى مستقلة. فبينما تُرفع الشعارات حول "التحول الديمقراطي" و"التعددية السياسية"، تشير التسريبات إلى أن التغيير يجري وفق منطق إعادة إنتاج القديم بثوبٍ جديد، وسط مخاوف من تحكّم الحزب الجديد بمفاصل الدولة والسيطرة على الحياة السياسية في البلاد. وفي هذا السياق، كشفت مصادر سورية مطلعة لـ"المدن" عن تحضيرات في دمشق لتأسيس حزب سياسي جديد يتبع للرئيس أحمد الشرع، تمهيدًا لمرحلة ما بعد إقرار قانون الأحزاب المنصوص عليه في الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس الماضي، والذي حدد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات.
وأفادت المصادر بأن "الأمانة العامة للشؤون السياسية" التابعة لوزير الخارجية أسعد الشيباني تشرف بشكل شبه مباشر على عملية انتقاء أعضاء الحزب عبر مكاتبها في المحافظات، موضحة أن التحركات تتم في دوائر ضيقة وبشكل شبه سري. في المقابل، نفت مصادر رسمية لـ"المدن" وجود أي مشروع لتأسيس حزب جديد، مؤكدة أن هدف الأمانة هو "ملء الفراغ الإداري بعد إلغاء حزب البعث وضمان عدم سوء استخدام موارده وأملاكه".
يُعدّ وزير الخارجية أسعد الشيباني "عرّاب الحزب الجديد"، فيما تتولى الأمانة العامة للشؤون السياسية إدارة عملية التأسيس بانتظار إقرار قانون الأحزاب الجديد في مجلس الشعب
وذكرت مصادر أخرى أن شخصيات سياسية بارزة جرى التواصل معها بشكل غير معلن للانضمام إلى الحزب الجديد عبر وسطاء مقربين من الحكومة، دون تحديد الأسماء، مكتفية بالقول إن هؤلاء سبق أن كُلّفوا بمهام رسمية.
وبحسب المصادر نفسها، يُعدّ وزير الخارجية أسعد الشيباني "عرّاب الحزب الجديد"، فيما تتولى الأمانة العامة للشؤون السياسية إدارة عملية التأسيس بانتظار إقرار قانون الأحزاب الجديد في مجلس الشعب. وتشير المعلومات إلى أن فريق العمل المكلّف بالمهمة يضم شخصيات محسوبة على الشيباني.
وفي "مؤتمر النصر" الذي عُقد في 29 كانون الثاني/يناير 2025، تم حلّ حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، مع حظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر.
أما المادة 14 من الإعلان الدستوري لعام 2025، فتنص على أن الدولة "تصون حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقاً لقانون جديد".
أي حزب يتبع للرئيس يتناقض مع جوهر الإعلان الدستوري
قال رئيس حزب الإصلاح الوطني الدكتور حسين راغب، تعليقًا على ما تم تداوله حول تشكيل رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع حزبًا سياسيًا جديدًا، إنّ "خبر التحضيرات لتأسيس حزب يتبع مباشرة للرئيس الانتقالي أحمد الشرع بإشراف الأمانة العامة للشؤون السياسية في وزارة الخارجية السورية، مستغلًا حالة الغموض الإعلامي التي تعيشها البلاد، هو خبر مثير للجدل".
وأوضح راغب في حديثه لـ"الترا صوت" أنّ "ما سبق يتعارض مع ما ورد في الإعلان الدستوري المؤقت، وتحديدًا في المادة (14)، التي تنصّ على صون الدولة لحق المشاركة السياسية عبر تشكيل الأحزاب على أسس وطنية، ووفقًا لقانون جديد للأحزاب السياسية".
وأشار إلى أنّ "التصريح الرسمي الصادر عن الأمانة العامة للشؤون السياسية حول هذا الخبر، أكّد أنّ الأمانة جهاز إداري يشرف على النشاطات السياسية المؤقتة، ولا علاقة له بإنشاء أحزاب جديدة".
وأضاف رئيس حزب الإصلاح الوطني أن أي تأسيس لحزب سياسي جديد يتبع لأي رئيس جمهورية يتناقض مع جوهر الإعلان الدستوري، الذي تؤكد مادته الثانية على إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، معتبرًا أن رئيس البلاد ينبغي أن يكون رئيسًا لكل السوريين ورمزًا للوحدة الوطنية.
وضرب راغب مثالًا على ذلك بتجربة جنوب أفريقيا، قائلًا إنّ "المرحلة الانتقالية هناك نجحت عندما بقي نيلسون مانديلا فوق الأحزاب، رمزًا وطنيًا جامعًا".
وختم الدكتور راغب تصريحه بالقول إنّه "منعًا لأي التباس أو إتاحة الفرصة لبث المزيد من الشائعات السياسية، وفي ظل الفرصة التاريخية التي تقف أمامها سوريا اليوم، لابد من إنهاء حالة الجمود السياسي عبر الإسراع في إصدار قانون أحزاب جديد وعصري يلبي تطلعات السوريين في مستقبل أفضل، ويرسي دولة تعددية تقوم على الشراكة الوطنية ونهج التجديد والإصلاح الوطني".
في "مؤتمر النصر" الذي عُقد في 29 كانون الثاني/يناير 2025، تم حلّ حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، مع حظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر
حزب جديد لتأمين الشرعية
من جهته قال المحلل السياسي محمد هويدي لـ"الترا صوت" إن تشكيل الحزب في هذا التوقيت يعكس حاجة السلطة الانتقالية إلى "حاضنة شعبية"، مشيرًا إلى أن الدعم الحقيقي للسلطة يقتصر حاليًا على هيئة تحرير الشام ومؤيديها. وأوضح هويدي أن "غياب حزب حاكم فعلي في سوريا" دفع السلطة إلى السعي لتوسيع إطار قاعدتها الشعبية الداخلية من خلال إنشاء حزب جديد يكون بمثابة مرجعية سياسية لها، في محاولة لتكرار تجربة حزب البعث ولكن بمخرجات ومفاهيم جديدة.
وأضاف أن "التحضير لتشكيل الحزب يجري الآن من قبل السلطة نفسها، رغم أن الأحزاب عادة تُؤسَّس قبل الوصول إلى الحكم"، معتبرًا أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من بينها الحاجة إلى "مرجعية قانونية وشرعية" وإلى توسيع القاعدة الشعبية بعد تضاؤل حضور الشارع المؤيد.
وأشار هويدي إلى أن الخطوة تأتي في سياق الاستعداد للمرحلة المقبلة، "حيث يُتوقع صدور قوانين جديدة تتعلق بحرية العمل السياسي وتأسيس الأحزاب"، مؤكدًا أن السلطة تسعى من خلال هذا الحزب إلى "تأمين قاعدة شعبية سورية تُوظَّف لخدمة بقائها في الحكم"، واصفًا ذلك بأنه "نسخة مكررة من تجربة البعث ولكن بصيغة جديدة".
في ضوء هذه التطورات، تتجه الحياة الحزبية في سوريا نحو مرحلة إعادة تشكّل جديدة، تتأثر بتوازنات السلطة والسياسة الراهنة. ويرى مراقبون أن تأسيس الحزب الجديد قد يمثل محاولة لتنظيم العمل السياسي ضمن إطار المرحلة الانتقالية، فيما يعتبر آخرون أنه قد يعيد إنتاج النموذج التقليدي للحزب المهيمن. ويظل مستقبل التعددية السياسية مرتبطًا بمدى تطبيق مبادئ الإعلان الدستوري، وبقدرة الحكومة على توفير بيئة تسمح بنشوء مبادرات حزبية تعبّر عن مختلف مكونات المجتمع. وبين الحذر والأمل، يظل قانون الأحزاب المرتقب اختبارًا حقيقيًا لجدية التحول السياسي في البلاد.