المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن
24 يناير 2026
قدّم المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة محاضرة ضمن فعاليات اليوم الأول للمنتدى السنوي لفلسطين 2026، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحت عنوان "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن".
جاءت المحاضرة في وقت حرج تمر به القضية الفلسطينية، بعد سنوات من الانقسام الداخلي الفلسطيني، وحرب الإبادة في قطاع غزة، وضغوط إقليمية ودولية معقدة، مما يجعل دراسة المشروع الوطني الفلسطيني أمرًا بالغ الأهمية لفهم التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة وتأثيرها على مسار القضية الفلسطينية.
أوضح الدكتور عزمي بشارة أن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نظم في الأعوام السابقة مؤتمرات تناولت مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، منها مؤتمر 2013 بعنوان "قضية فلسطين مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، ومؤتمر 2015 بعنوان "ندوة أكاديمية للبحث في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، مؤكدًا أن النقاشات المتكررة ساعدت في متابعة تطورات المشروع الوطني الفلسطيني في سياق التحولات الكبرى التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية بعد الحروب والانقسامات والضغوط الإقليمية والدولية.
المشروع الوطني الفلسطيني والبرنامج السياسي
افتتح المدير العام للمركز العربي حديثه بالتأكيد على الفرق بين المشروع الوطني الفلسطيني والبرنامج السياسي، موضحًا أن البرنامج السياسي يشكل عنصرًا أساسيًا في أي مشروع وطني لأنه يرسم المبادئ العامة ويضع الأهداف الاستراتيجية، ولكنه وحده لا يكفي لإقامة مشروع وطني، إذ لا بد من وجود قوى سياسية واجتماعية منظمة قادرة على حمل هذا البرنامج، وتحظى بتأييد شعبي واسع، وتتمثل في مؤسسات ومكونات قادرة على ممارسة النفوذ السياسي في المجتمع الفلسطيني.
وأشار إلى أن السياق الإقليمي والدولي للفلسطينيين كان محوريًا منذ النكبة، حيث تشابك الصراع الفلسطيني مع الاستعمار الأوروبي سابقًا، ومع القضية اليهودية في أوروبا، ثم مع نشوء الدول العربية المستقلة، ومع علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل، ومع الحرب الباردة بين المنظومتين العالميتين، مما أضفى على أي مشروع فلسطيني رهانات تتجاوز الحدود المحلية ليصبح مرتبطًا بتحولات إقليمية ودولية كبيرة.
تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية والكفاح المسلح
تحدث الدكتور عزمي بشارة عن النكبة الفلسطينية عام 1948، عندما هُجّر جزء كبير من الشعب الفلسطيني وبقي جزء ضمن حدود إسرائيل، مؤكدًا أن الهدف من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بعد عقد ونصف العقد كان توحيد الكيانية الفلسطينية وإعطاء الفلسطينيين ممثلًا شرعيًا على الصعيد الإقليمي والدولي، بعد فشل المطالبات بحق العودة المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
وأشار إلى أن الهزيمة العربية في حرب 1967 واحتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية شكّل نقطة تحول حاسمة في المشروع الوطني الفلسطيني، إذ سيطرت فصائل الكفاح المسلح على منظمة التحرير وأصبحت المقاومة المسلحة الوسيلة الرئيسية لتحقيق البرنامج السياسي، وهو ما تم ترسيخه في الميثاق الوطني للمنظمة. ومع ذلك، لم يكن تقييم الكفاح المسلح قائمًا على تحقيق أهداف محددة على الأرض، بل على الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية ورفع الروح التحررية للشعب الفلسطيني، وهو ما منح الفصائل المسلحة شرعية داخل المنظمة وخارجها.
وأشار الدكتور بشارة أيضًا إلى أن الصراع بين الفصائل المسلحة ونخب المدن الفلسطينية كان محورًا مهمًا من مسار المشروع الوطني، حيث كان عدد العمليات المسلحة وعدد الشهداء يستخدم كمؤشر على النفوذ السياسي داخل منظمة التحرير، بدلًا من التركيز على فعالية الكفاح المسلح في تحقيق التحرير الفعلي.
الحرب العربية-الإسرائيلية وتأثيرها على المشروع الوطني الفلسطيني
ناقش الدكتور عزمي بشارة تأثير الحرب العربية-الإسرائيلية في أكتوبر 1973 على المشروع الوطني الفلسطيني، موضحًا أن هذه الحرب فتحت المجال للتفاوض بين إسرائيل ومصر على الأراضي المحتلة عام 1967، وأدت إلى انسحاب مصر من الصراع الفلسطيني، ما دفع الفلسطينيين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم السياسية والعسكرية. وأكد بشارة أن القيادة الفلسطينية أدركت أن استمرار الكفاح المسلح أصبح مرتبطًا بدعم الدول العربية والإقليمية، ولم يعد خيارًا مستقلًا، بل أصبح جزءًا من شبكة مصالح عربية ودولية متشابكة.
وأشار إلى أن هذه المرحلة شهدت تحول المشروع الوطني الفلسطيني نحو إقامة دولة فلسطينية على أي أرض تُحرر، مع التركيز على النضال الجماهيري داخل الأراضي المحتلة، وهو ما مهد الطريق لاحقًا لانتفاضة 1987، وتحول الاستراتيجية الوطنية نحو برنامج الدولة الفلسطينية على أساس قرارات الأمم المتحدة.
التحولات الكبرى بعد كامب ديفيد وحرب لبنان 1982
أكد الدكتور بشارة أن اتفاق كامب ديفيد وفشل التصدي له عربيًا أسفر عن تطورين مهمين في القضية الفلسطينية: أولًا، زيادة القناعة الرسمية بتطبيق نموذج "الأرض مقابل السلام" على الجبهات الأخرى، بما فيها الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة). ثانيًا، إخراج فصائل العمل المسلح الفلسطيني من آخر معاقلها المحاذية لفلسطين بقرار إسرائيلي ودعم أمريكي، وفي ظل اتفاقية السلام مع مصر. وأوضح أن العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982 كان مخططًا ومعلنًا دون تمويه بدوافع دفاعية، على عكس حرب الإبادة على غزة عام 2023.
وأشار إلى أن هذه الحرب مثلت نقطة تحول في تاريخ الكفاح المسلح الفلسطيني، إذ تحوّل الكفاح المسلح من وسيلة إلى مبدأ وجودي، بينما اتجهت القوى الوطنية إلى دعم النضال الجماهيري السلمي داخل الأرض المحتلة، وهو ما تجسّد في الانتفاضة الشعبية في نهاية عام 1987.
الانتفاضة الأولى وبرنامج الدولة الفلسطينية
لفت الدكتور بشارة إلى أن الانتفاضة حظيت بمساندة عربية ودولية واسعة، وتحول البرنامج المرحلي من إقامة "سلطة وطنية مقاتلة" على أي منطقة تُحرر، إلى الدولة الفلسطينية على أي منطقة تُحرر بوصفها مرحلة على طريق التحرير، ثم إلى برنامج الدولة الفلسطينية على أساس قرارات الأمم المتحدة، كما جاء في إعلان الدولة الفلسطينية بالجزائر عام 1988.
وأضاف أن أدوات المشروع الفلسطيني كانت تتمثل في النضال الجماهيري داخل فلسطين، بدعم فصائل منظمة التحرير، التي فقدت قواعدها الرئيسية في الأردن عام 1970 ولبنان عام 1982. وبعد ذلك تبنت قيادة المنظمة التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعد الاعتراف الرسمي بها، لتؤسس مرحلة جديدة مع نشوء السلطة الفلسطينية عام 1994
ظهور حركة حماس وتنافس المشاريع الفلسطينية
أكد الدكتور بشارة أن الكفاح المسلح عرف صحوات متقطعة خلال الانتفاضة الأولى، وظهرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي حملت السلاح ضد الاحتلال خلال الانتفاضة، وعبرت عن تنافس مع فصائل منظمة التحرير. وأسهم هذا التنافس في اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير واستعدادها للتفاوض معها، ليبرز بذلك انقسام واضح في المشروع الوطني الفلسطيني.
اتفاقيات أوسلو وانقسام المشروع الوطني
تطرّق مدير المركز العربي للأبحاث، الدكتور عزمي بشارة، إلى اتفاقيات أوسلو عام 1993، مشيرًا إلى أنها أدت إلى ظهور مشروعين فلسطينيين متوازيين: الأول، مشروع الدولة ضمن حل الدولتين بقيادة منظمة التحرير، مع التركيز على التفاوض وإقامة السلطة الفلسطينية كمرحلة لتحقيق الدولة؛ والثاني، مشروع المقاومة المسلحة بقيادة حركة حماس، التي رفضت التنازل عن أي جزء من الأراضي الفلسطينية. وأضاف أن منظمة التحرير تحولت عمليًا إلى دائرة ضمن السلطة الفلسطينية المقيدة باتفاقيات أوسلو، بينما بقيت حركة حماس محافظة على خيار المقاومة المسلحة، ما أدى إلى شرخ سياسي وجغرافي بانفصال السلطتين منذ عام 2007.
وأكد الدكتور بشارة أن الاتفاق على إقامة الدولة الفلسطينية كهدف مشترك لم ينجح في توحيد المشروع الوطني الفلسطيني، فبعد عام 2007 أصبح هناك مشروعان متصادمان بحدة، إذ نشأ شرخ سياسي وجغرافي بانفصال السلطتين، واحدة في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة. وأوضح أن السلطة في الضفة الغربية التزمت بالتنسيق الأمني مع الاحتلال وفقًا لاتفاقيات أوسلو، وتمثل قاعدتها الرئيسية حركة فتح المنتشرة على الساحة الفلسطينية بأكملها، بينما بقيت السلطة في غزة محاصرة، وتمثلها حركة حماس التي لم تتخل عن خيار المقاومة المسلحة، محافظة على نفوذها وقاعدتها الاجتماعية.
وأشار المفكر العربي عزمي بشارة إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية تحولت عمليًا إلى دائرة ضمن السلطة الفلسطينية المقيدة باتفاقيات أوسلو، وعاجزة عن التحرر من التزاماتها الأمنية، وظلت مخلصة لخيار المفاوضات وحده من دون أوراق تفاوضية واضحة، حيث بدأت تلك المفاوضات تحت وصاية أمريكية، ثم انتقلت إلى وصاية إسرائيلية كاملة قبل أن تتوقف تمامًا.
وأضاف الدكتور بشارة أن إسرائيل واصلت منذ ذلك الحين توسيع الاستيطان وتجاهلت التزاماتها تجاه تنفيذ مراحل اتفاقيات أوسلو، وشنت عدة حروب عدوانية على قطاع غزة، فيما ثبتت حركة حماس سلطتها وقاعدتها المسلحة داخل القطاع، ما جعل الشعب الفلسطيني يدفع ثمن الانقسام الوطني بين الضفة وغزة، الذي أصبح أحد الأسباب الرئيسية لتهميش القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي.
ومن جانبها، أنشأت حركة حماس سلطة فلسطينية أكثر استقلالية، وإن كانت محاصرة، لكنها حافظت على نفسها النضالي في مواجهة إسرائيل، متجهة نحو مقاومة الحصار بعد رفض الاحتلال لكافة المبادرات لتخفيفه مقابل هدنة طويلة المدى. وأوضح الدكتور بشارة أن الحركة اعتمدت على قاعدة اجتماعية واسعة، إضافة إلى دعم محور إقليمي تقوده إيران، المعروف باسم محور المقاومة، في مواجهة السياسة الإسرائيلية التي حرصت على استمرار الوضع القائم من تهميش للسلطة الفلسطينية ووقف المفاوضات، مع مواصلة حصار غزة وشن حروب انتقامية ضد السكان المدنيين كرد على أي تحرك مقاوم.
عملية "طوفان الأقصى" والتحولات الراهنة
توقف المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة عند عملية "طوفان الأقصى"، مشيرًا إلى خلفياتها وتداعياتها على القضية الفلسطينية. وأوضح أن انفجار العملية جاء نتيجة إصرار إسرائيل على مواصلة تشديد الخناق على قطاع غزة، وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف. وأضاف الدكتور بشارة أن الكثير قيل عن العملية وخلفياتها وأهدافها ونتائجها، لذلك يرى أنه لا جدوى من التوسع في هذه النقطة نفسها.
وأشار الدكتور بشارة إلى أن استمرار التفكير في المشروع الوطني الفلسطيني عبر الأدوات والمسلمات القديمة أصبح غير مجدٍ بعد التحولات الكبرى الناتجة عن حجم الرد الإسرائيلي على العملية، والتواطؤ الأمريكي والدولي معها، والمتمثل بتوجيه ضربات قاصمة لمحور المقاومة، وتوسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. كما لفت إلى ما تعرضت له حركة حماس وسلطتها في غزة، وما عاناه الفلسطينيون في القطاع أولًا، ثم في الضفة الغربية.
وأكد مدير المركز العربي أن عملية طوفان الأقصى كانت حدثًا ضخمًا وصادمًا، لكن الرد الإسرائيلي حوّلها إلى زلزال سياسي وأمني افتتح مرحلة جديدة. ومع وجود ائتلاف يميني متطرف قائم على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وتكثيف تهويد القدس، وبسبب الصدمة الكبرى الناتجة عن العملية والشعور الإسرائيلي بالإهانة، شنت إسرائيل حربًا انتقامية علنية ضد المقاومة الفلسطينية بهدف القضاء على حركة حماس، وتحولت هذه الحرب، بدعم أمريكي وتغاضي دولي، إلى حرب إبادة شاملة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين في غزة وفرض تغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية جذريّة على القطاع. وأضاف أن الفشل في تهجير السكان أدى إلى تحويل غزة إلى جيب سكاني مراقب بشدة، ضمن مخطط لفك الارتباط بأي كينونة وطنية فلسطينية، مع توسع الحرب إقليميًا لتشمل محور المقاومة ومحاولة تحجيم حزب الله أو القضاء على قوته المسلحة.
أوضح الدكتور بشارة أن الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية انتقل من التركيز على حل عادل إلى الاهتمام بالمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار تحت رقابة دولية وإسرائيلية. وذكر أن ما حدث بعد حرب 1973 هو استمرار الحروب الإسرائيلية ضد الفصائل الفلسطينية المسلحة، بدءًا من منظمة التحرير، ثم المقاومة اللبنانية، ثم الفصائل الفلسطينية خارج المنظمة مثل حماس والجهاد. وأكد أن حرب الإبادة على غزة حتى نهاية عام 2025 أغلقت الدائرة على العمل المسلح، بينما الدول العربية منقسمة بين متعاطف ومتفرج ومتواطئ، وفي ظل البنية العسكرية الإسرائيلية المتكاملة مع الولايات المتحدة، فقدت القوى الفلسطينية المركزية القدرة على طرح الكفاح المسلح كخيار للتحرير، وتركز النقاش الآن على الخيارات السياسية والاستراتيجية ضمن المشروع الوطني الفلسطيني.
وأشار المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة إلى كلمات قادة حركة حماس والناطقين باسمها خلال الأسابيع الأولى من العملية، ولفت إلى أن الأهداف المعلنة للعملية لم تعد تُذكر اليوم، إذ إن ما تحقق كان عكسها تمامًا. فالاستيطان توسع، والدول العربية لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل، بل إن بعض الدول منع شعوبها حتى من التظاهر تضامنًا مع غزة.
قسم الدكتور عزمي بشارة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بعد عملية "طوفان الأقصى" إلى فئتين أساسيتين. الفئة الأولى تمثل الجهود الرسمية لاحتواء القضية، مثل عقد مؤتمرات دولية لإعادة الاعتبار لحل الدولتين، إلا أنها لم تتضمن أي وسائل ضغط لوقف الحرب أو التقدم نحو إقامة الدولة، مع محاولات لتحويل الانتباه عن الاحتلال إلى مطالب ثانوية مثل إصلاح السلطة الفلسطينية.
وأشار بشارة إلى أن جانبًا آخر من هذه الجهود تمثل في تشكيل مجلس سلام دولي لإدارة قطاع غزة، بتورط مباشر من الولايات المتحدة، ما يعكس رغبة واضحة في احتواء القطاع وتقويض المشروع الوطني الفلسطيني.
أما الفئة الثانية، فتمثل حركات التضامن العالمية، التي أظهرت مستوى غير مسبوق من الاستمرارية والراديكالية في دعم الفلسطينيين منذ عام 1948، لا سيما خلال الانتفاضة الأولى، رغم غياب وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة آنذاك. أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاع نفور الشباب في الدول الغربية من إسرائيل وسياساتها، وزيادة التضامن مع الشعب الفلسطيني.
وأوضح مدير المركز العربي أن العائق الرئيس أمام تطوير حركة احتجاج مؤثرة يشبه التضامن ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا هو عدم وضوح المشروع الوطني الفلسطيني. فالسلطة الفلسطينية في الضفة وغزة ليست مشروعًا جامعًا، وهي منشغلة بالحفاظ على قيادتها والصراع الداخلي، بينما حركة حماس في غزة ليست المشروع الوطني الفلسطيني وإنما منظمة دفاعية عن وجودها في مواجهة المخططات الإسرائيلية.
وأكد الدكتور بشارة أن الانقسام الوطني، مع توسع الاستيطان الإسرائيلي، وعدم الاعتراف بحق اللاجئين، والحرب على وكالة الأونروا، أوضح أن ما يجري في فلسطين هو نظام فصل عنصري إسرائيلي خاص، شبيه بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وأكد أن الحل المطروح دوليًا، وهو حل الدولتين، أصبح شعارًا كلاميًا أكثر منه حقيقة، إذ لم تتخذ الدول المعنية خطوات عملية.
ولفت الدكتور بشارة إلى أن الاتفاقيات الإبراهيمية وميلاد الخطاب الرسمي في بعض الدول العربية لوضع اللوم على الفلسطينيين جعل الدولة الفلسطينية عنوانًا فحسب، وأصبح المطلب قبول إسرائيل بعملية سياسية تؤدي إليها، فيما تبيّن أن اتفاق أوسلو نفسه كان يُفترض أن يكون عملية ذات مصداقية تؤدي إلى دولة فلسطينية، لكنها لم تحقق ذلك.
تحديات المستقبل الفلسطيني
ختم المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة محاضرته بالتأكيد على أن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني يتطلب توحيد القوى الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج، مع إعادة تقييم سياسات الفصائل ودمجها ضمن استراتيجية وطنية شاملة. وأوضح أن أي دولة فلسطينية مستقبلية ستستفيد من المؤسسات القائمة، لكن نجاح المشروع يعتمد على القيادة الوطنية القادرة على توحيد القوى، وتوجيه النضال ضد الاحتلال، وضمان استدامة المؤسسات، مع الحفاظ على روح المقاومة والالتزام بالقيم الوطنية والديمقراطية.
وأشار إلى أن أي مشروع وطني فلسطيني معاصر يجب أن يدمج الفصائل المختلفة ويعيد تقييم سياساتها، مع التركيز على المؤسسات القائمة داخل الضفة وغزة، لضمان استمرار النضال الوطني والتحرري بعيدًا عن الانقسامات الداخلية، مع العمل على استعادة الوحدة الوطنية وإعادة صياغة المشروع الوطني بما يتوافق مع التحولات الدولية والإقليمية الراهنة.





