المسيحي في السينما المصرية: كرة ثلجية عالقة (1-2)

المسيحي في السينما المصرية: كرة ثلجية عالقة (1-2)

لقطة من فيلم الشيخ حسن 1951

في تاريخ السينما المصرية العريق الذي يتجاوز المئة عام، يمكنك أن تقف على عدد ضخم من الأفلام التي تناولت كثيرًا من الأمور "الخفيفة" و"المبتذلة"، أفلام المغامرات والمطاردات والقصص الميلودرامية والكوميديات الهزلية، ولكنك ستحتاج قدرًا من الجهد كي تصل إلى الأفلام "الواقعية" التي تقترب من مواطن المشكلات والقضايا المعلّقة والمسكوت عنها.

آلاف الأفلام وآلاف الشخصيات حفلت بها السينما المصرية، لكن القليل منها تصدّى لمشكلات مُلّحة مثل التعايش بين الثقافات والأديان المختلفة، حتى صار قصور السينما في التعامل مع مثل هذه القضايا شبيهًا بكرة ثلجية تزداد كبرًا مع مرور السنين من دون تحقيق أي إنجاز ملحوظ في هذا الملف، أو حتى رفع مستوى جدل النقاش والتناول المجتمعي. "الجري في المكان" ربما يكون تعبيرًا ملائمًا للنهج الذي اتبعته السينما المصرية مع ظهور الأقليات الدينية، وفي المقدمة منها الأقباط، رغم ما شهد تلك العلاقة من فترات مدّ وجزر تبعًا لتقلبّات الحياة السياسية وتغيّرات المشهد الاجتماعي في مصر على مدار المئة عام الماضية.

ويتفق كثير من النقّاد على قلة عدد الأفلام المصرية التي يمثّل فيها الأقباط دورًا رئيسيًا، ما جعل الشأن القبطي "منطقة محظور الاقتراب منها سينمائيًا" رغم ما يمثّله المسيحيون كمكوِّن أساسي في النسيج المجتمعي المصري.

اقرأ/ي أيضًا: قائمتي لأفضل 5 أفلام مصرية

ولطالما كان المدخل المألوف للسينما المصرية لإدخال شخصية مسيحية في حكاية أي من أفلامها مرتبطًا أساسًا بتعقيدات الرقابة ومحاولة التحايل عليها لإنجاز المشروع، ومرتبط كذلك برؤية مؤلف الفيلم والقائمين عليه وتصوّراتهم عن موقع المسيحي في المجتمع وموقعه في الفيلم. كذلك، ساهمت الصياغة الفضفاضة لنصوص قانون الرقابة على المصنفات الفنية في تكرار تدخل الجهات الدينية في المسائل الفنية وتعطيلها، بل وحتى منعها من الظهور.

يتفق النقاد على قلة الأفلام المصرية التي يمثل فيها الأقباط دورًا رئيسيًا، ما جعل الشأن القبطي "منطقة محظور الاقتراب منها سينمائيًا"

وفي الحالة القبطية، فإن تاريخ تدخل الكنيسة في الأعمال الفنية المصرية التي تتناول الشخصية المسيحية حافل بالاعتراضات على تناول الشخصية سواء كانت دينية أو عادية، حتى إن البابا شنودة الثالث سخر ذات مرة في حديث تلفزيوني من "هدية التلفزيون المصري" التي تغضب المسيحيين في كل رمضان، في إشارة إلى الأعمال الدرامية الرمضانية التي تقدّم شخصيات قبطية داخل حكايتها ولكنها تقوم بارتكاب بعض "المعاصي".

هكذا كان الحال دائمًا على الشاشة الصغيرة التي تدخل إلى بيوت المصريين، فكان لا بد من تشديد الرقابة الدينية عليها والتأكد من طهرانية ونقاوة شخصية المسيحي في أي من المسلسلات المصرية، يساعد في ذلك شبه اتفاق ضمني بين القائمين على صناعة الدراما ومتلقيها من جانب، ومناخ عام يفتقر للإبداع وأدوات النقد الحقيقي من جانب آخر. في السينما، يبدو الأمر مختلفًا قليلًا، ولكن من دون إنكار الرقابة والتقييد الحاصل حين يتعلّق الأمر بظهور شخصية مسيحية في عمل سينمائي.

بدايات خجولة ومحافظة

في بدايتها الصامتة، تناولت السينما المصرية الشخصية المسيحية على استحياء كما في فيلم "برسوم أفندي يبحث عن وظيفة" (1923) للمخرج محمد بيومي، والذي يعتبر أول فيلم روائي صامت في تاريخ السينما المصرية والسينما العربية والأفريقية عمومًا. والفيلم، الذي لا تتجاوز مدته الـ 16 دقيقة، عبارة عن كوميديا اجتماعية بطلاها صديقان عاطلان عن العمل، أحدهما مسيحي (عادل حميد) والآخر مسلم (بشارة واكيم)، ويحاولان الحصول على وظيفة في أحد البنوك. وفي الفيلم تظهر بعض الرموز الدينية المسيحية في منزل البطل الذي يحمل الفيلم اسمه، فيما يشاركه صديقه المسلم رحلة البحث عن وظيفة، قبل أن ينتهي بهما المطاف نائمين على الرصيف بعد تناولهما وجبة دسمة، ليقبض عليهما شرطي في نهاية الفيلم.

البيت امتداد الكنيسة عند المؤمنين، وحضور رجل الدين إلى البيت بركة وتشريف، وقد انعكس ذلك في ما نراه داخل بيوت وأماكن الشخصيات المسيحية في كثير من الأفلام التي شهدت ظهورهم. يمكننا ملاحظة الصلبان متعددة الأشكال واللوحات الدينية التي تعبر عن حياة المسيح ورحلته إلى مصر، وكذلك صور القديسين البارزين والشعبيين الذين يحتلون مكانة مميزة في مخيلة المؤمنين من المسلمين والمسيحيين على السواء. رموز دينية عديدة يعيش المسيحي بينها، يُدخلها إلى بيته ويراها في الكنيسة التي يؤمّها، تؤنسه وتحمل له الطمأنينة في الأزمنة الصعبة. والسينما المصرية لم تكن بعيدة عن ترجمة ذلك في المرات النادرة التي سمحت لرجل الدين المسيحي بالظهور على شاشتها، أو بالأحرى التي سُمح لرجل الدين المسيحي بالظهور على شاشتها.

اقرأ/ي أيضًا: 4 اختلافات رئيسية بين أفلام مارڨل ودي سي

من المعروف أن لرجل الدين المسيحي مكانة خاصة في المجتمع القبطي، فهو الذي يلجأ إليه في أوقات الحزن والفرح، ويعترف إليه بذنبه أو يطلب منه النصح والرشد، ولذا من الطبيعي افتراض حضوره في التجارب السينمائية التي شهدت ظهور شخصيات مسيحية فيها بشكل أساسي. ولما كان تعامل السينما المصرية مع شخصية المسيحي يتم أساسًا بشكل تنميطي قاصر فقد انعكس ذلك على صورة رجل الدين المسيحي أيضًا، واقتصر ظهوره في الأفلام الأولى في صورة تقليدية غالبًا، بزيه الديني وبأسلوب مثالي يجمع بين الحكمة والعطف والصبر يهدف في النهاية لحل مشكلات وأزمات "رعيته" من "أبناء الكنيسة". وكما تفعل السينما التقليدية في نهايتها حيث ينتصر الخير على الشرّ؛ من الضروري التأكيد على نجاح رجل الدين المسيحي في تأدية مهمته.

ويمكن الوقوف على أول ظهور لرجل دين مسيحي في السينما المصرية في فيلم "الشيخ حسن" (1951)، من إنتاج وإخراج وبطولة الفنان الملتزم والمحافظ حسين صدقي، والطريف أن الفيلم يحمل عنوانًا آخر هو "ليلة القدر".

الفيلم نفسه محاولة تعليمية بائسة من منظور مسلم محافظ لمناقشة مسألة تغيير الشخص لعقيدته الدينية، من خلال حكاية بطلها طالب أزهري يُدعى حسن (حسين صدقي) تستعين به إحدى الأسر المصرية-الأجنبية لتعليم أبنائها اللغة العربية. تسير أحداث الفيلم، وكالعادة تقع الفتاة الجميلة في حب المعلم الشاب. لويزا ابنة الخواجة جورج تقرر الزواج من الشيخ حسن، فيستدعي والدها خالها القس من الإسكندرية (الموطن التاريخي للمسيحيين المصريين) ليطالبها الأخير بضرورة العدول عن قرارها وإلا لن يُدخلها أبوها بيته مرة أخرى. يتحوّل الفيلم بعد ذلك إلى مسار ميلودرامي وعظي تتناوبه بلاغة القس وإلحاحه على تطليقها من زوجها المسلم (ويحدث بالفعل طلاق صوري) في مقابل إصرار الشيخ حسن على زيارة زوجته.

فيلم الشيخ حسن هو محاولة تعليمية بائسة من منظور مسلم محافظ لمناقشة مسألة تغيير الشخص لعقيدته الدينية

وفي ختام الفيلم، نتابع مشهدًا مثاليًا يتناسب مع رداءة الفيلم وتهافت فكرته، وفيه تعترف لويزا المحتضرة لخالها القسّ بأنها مسلمة وأن ابنتها الوليدة مسلمة هي الأخرى، ويجب أن يسلّمها لأبيها فهو "المودّة والرحمة" على حد تعبيرها، قبل أن يحثّ القس ابنة أخته المحتضرة على ذكر يسوع المخلّص، فيكون ردّ لويزا السريع أن تنطق الشهادتين بين يديه وتموت. ثم يخرج القسّ حاملًا الطفلة ويسلّمها إلى والدها. وهكذا يكون الشيخ حسن، أو الفنان حسين صدقي، قد أدى رسالته وقدّم رجل الدين المسيحي في صورة مثالية مناسبة لهواة تطويع "أهل الذمة"، فالقسّ في الفيلم رجل محترم ومرن ومتسامح للغاية وأمين في تنفيذ وصية ابنة أخته، التي صارت مسلمة، حتى إنه يطلب من الشيخ حسن تسلّم جثة زوجته ليدفنها في مقابر المسلمين.

وجدير بالذكر، أن الفيلم أثار غضب الكثير من المسيحيين في حينها وتم منع عرضه في صالات السينما، ولم يُعرض بعد ذلك إلا بأمر مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954، والذي كان يُحال إليه أي أمر خاص بالشأن العام للفصل فيه، وفيلم "الله معنا" الذي مُنع من العرض بعد ثورة 23 يوليو 1952 لمدة ثلاث سنوات، حتى عُرض على عبد الناصر الذي شاهده مندهشًا من كذب الإشاعات التي كانت تتردد وأدت إلى منع عرضه، وأمر بعرضه بل وحضر بنفسه حفل الافتتاح في سينما ريفولي عام 1954.

اقرأ/ي أيضًا:
فبراير الأسود: تنتظرنا أيام سوداء!
أفضل 10 أفلام لهذا العام حسب مجلة دفاتر الفرنسية