المسيحيون في السودان.. منسيون في ظل أزمة منسية
21 يوليو 2026
حين بلغ الشقاء والضنى بالمسيرة التي يقودها القسيس فوتيس، ولم تجد شكواه وتضرعه مكانًا عند الأب جريجوريس، بعد أن لجؤوا إلى قريته طلبًا للأمان وأرضٍ تأويهم، وعندما قرر الأب فوتيس وصحبه من نساء ورجال أن يمدّوا أيديهم لسكان القرية في محاولة أخيرة لسدّ رمقهم ومتابعة مسيرتهم، أمسك مانولي، وهو أحد أبناء القرية، بيد القسيس فوتيس يقبّلها، وقال له: "يا أبانا، أعرف أن قريتنا اقترفت خطيئة في حقكم. أسألك أن تشفع لنا عند الله كي يرفع عنا اللعنة التي تثقل كاهلنا.
هكذا يُدخلنا الروائي اليوناني كزانتزاكيس إلى عالم روايته فاحشة الثراء القصصي "المسيح يصلب من جديد"، عبر مسيرة طويلة من الرهق الوجداني الممتع.
بينما تتجه أنظار العالم نحو الأزمات الجيوسياسية الكبرى، يغرق السودان في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، جراء الحرب المستعرة منذ نيسان/أبريل 2023. وفي قلب هذه المأساة، تعيش الأقلية المسيحية السودانية، التي يُقدَّر عددها بنحو مليوني نسمة، فصلًا جديدًا ومؤلمًا من الاستهداف والتهجير الصامت، لتصبح بحق "أقلية منسية داخل حرب منسية".
لم يكن المسيحيون في السودان يومًا طرفًا في النزاع السياسي أو العسكري، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في مرمى النيران من مختلف أطراف الصراع. ففي وقت تعاني فيه البلاد من انفراط عقد الأمن، تواجه الكنائس والمؤسسات المسيحية تدميرًا وتخريبًا واسعَي النطاق؛ إذ تشير تقارير مجلس الكنائس السوداني والهيئات الحقوقية إلى إغلاق وتضرر عشرات الكنائس والمواقع الدينية جراء القصف والنهب، أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية ومسارح للاشتباكات.
لم يتوقف الأمر عند حدود الأضرار الجانبية للمعارك، بل امتد إلى استهداف مباشر بدافع الهوية الدينية. إذ لم يسلم المسيحيون ودور عبادتهم من انتهاكات طرفي الحرب. فمع استعادة الجيش السيطرة على أجزاء من العاصمة الخرطوم العام الماضي، هُدمت عدة كنائس، مثل "الكنيسة الخمسينية" في الخرطوم بحري، بداعي "مخالفة تنظيم المدن"، كما مُنعت تصاريح إعادة البناء.
وفي مناطق جبال النوبة وجنوب كردفان، حيث تتركز كثافة مسيحية تاريخية، تحوّلت الأعياد إلى مآتم. ففي عيد الميلاد الماضي، حصدت الطائرات المسيّرة أرواح مصلّين أبرياء في قرية جلود، تلا ذلك استهداف مراكز صحية ومدارس يرتادها أطفال الطائفة.
لم يكن المسيحيون في السودان يومًا طرفًا في النزاع السياسي أو العسكري، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في مرمى النيران من مختلف أطراف الصراع
المسيحيون في الأبيض
لم تكن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بعيدة عن هذه المأساة. فالمدينة، التي تضم إحدى أقدم الإبرشيات الكاثوليكية وتُعد مركزًا روحيًا وتعليميًا متميزًا بفضل مدارس "كمبوني" التاريخية، عاشت فصولًا من الحصار والترويع جراء محاولات اقتحامها وقصفها. وتحولت أطراف المدينة إلى حواجز عسكرية تعيق تنقل مئات الأسر المسيحية، وتمنع وصول الإمدادات والمساعدات الإنسانية التي تقدمها الكنيسة للمدنيين.
المطران يقرر البقاء
في قرار وُصف بأنه شهادة شجاعة على الوفاء لرعيته الصغيرة، قرر المطران يونان تومبي تريل كوكو أندالي البقاء في مدينة الأبيض، رغم تحذيرات المنظمات من تزايد الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع وحلفاؤها على عاصمة ولاية شمال كردفان.
وقال الأب دييغو دالي كاربوناري، الرئيس الإقليمي لرهبنة كومبوني في مصر والسودان، في لقاء تلفزيوني، إن المطران أندالي موجود في المدينة برفقة عدد من كهنة الأبرشية، يخدمون المجتمع المسيحي في ظل وضع شديد التوتر.
وأضاف الأب كاربوناري، في مقابلة مع قناة " OSV News"، أن الخيار الذي اتخذه المطران تومبي والقساوسة القلائل في الأبيض يمثل شهادة شجاعة وسخية على الوفاء للرعية الصغيرة المتبقية، مضيفًا: "إنه لأمر ملهم، لا سيما للمبشرين الأجانب الذين شعروا بعدم الأمان في البقاء".
في كانون الأول/ديسمبر 2024، تعرض المطران أندالي للضرب على يد قوات الدعم السريع أثناء عودته إلى أبرشيته من جوبا، عاصمة جنوب السودان، حيث حضر اليوبيل الذهبي لمؤتمر أساقفة السودان وجنوب السودان. وعند عبوره الحدود عبر بلدة الرنك، انقضّ عليه عناصر من قوات الدعم السريع، وانهالوا عليه بالضرب على وجهه ورقبته وجانب رأسه. وقال المطران إنه نجا بأعجوبة من الموت.
وبحسب الأب كاربوناري، فإن قوات الدعم السريع تحاصر مدينة الأبيض من عدة اتجاهات، بينما يتلقى السكان المؤن حاليًا عبر الشرق الخاضع لسيطرة الجيش. وأضاف: "يبدو أنهم، بعد ما فعلوه في الفاشر أواخر تشرين الأول/أكتوبر، يتجهون الآن نحو الأبيض، وهي بلا شك إحدى أكبر مدن السودان ومركزها التجاري".
ووسط تزايد المخاوف من أزمة إنسانية وشيكة في مدينة الأبيض، أعلن تحالف "تأسيس" بقيادة قوات الدعم السريع، في 6 تموز/يوليو، أن الأبيض "هدف عسكري مشروع"، بذريعة وجود قواعد ومراكز قيادة ومستودعات ذخيرة تُستخدم في العمليات العسكرية.
تقرير "أوبن دورز"
تشتت المسيحيون السودانيون بعد اندلاع الحرب؛ فمنهم من فرّ داخليًا إلى ولايات أكثر أمانًا، ومنهم من سلك دروب اللجوء الشاقة نحو مصر وأوغندا وإثيوبيا.
ووفقًا لتقرير منظمة "أوبن دورز" لعام 2026، المعروف باسم "قائمة المراقبة العالمية"، احتل السودان المرتبة الرابعة عالميًا ضمن الدول الأكثر اضطهادًا للمسيحيين، بعد كوريا الشمالية والصومال واليمن، ما يعكس حجم التراجع في ملف الحريات الدينية.
وبحسب مؤشر الاضطهاد الذي اعتمده التقرير، سجل السودان 92 نقطة من أصل 100 في عام 2026، وهو أعلى مستوى تاريخي له مقارنة بـ90 نقطة في عام 2025. وأرجعت المنظمة هذا التراجع إلى غياب القانون منذ اندلاع الحرب، وتحول مناطق النزاع إلى مسارح لاستهداف المدنيين، بمن فيهم المسيحيون، فضلًا عن تعامل طرفي الحرب مع القادة المسيحيين بوصفهم تهديدًا أو عملاء لطرف آخر أو للخارج.