المسلسل الوثائقي

المسلسل الوثائقي "كيف تصبح طاغية؟".. أحابيل الوصول إلى السلطة المطلقة

من المسلسل (IMDB)

ما أن يطالع المرء عنوان وثائقي نتفلكس "كيف تصبح طاغية؟" حتى يجد نفسه مأخوذًا في التساؤل عن الدوافع التي تقف وراء وكلائها التنفيذيين على التعامل مع الطغيان، كما لو كان مهنة قابلة للتعلم بخمس خطوات أو في خمسة أيام، ليكتشف أن الجواب يكمن في طبيعة القراءة التي يقدمها أولئك للنفس البشرية المفطورة على حب السيطرة على الآخرين والتحكم بها ما إن يتسنى لها الحصول على السلطة المطلقة.

تكمن كلمة السر في نجاح أي طاغية بالمهمة التي نذر نفسه لها، أي بالتحكم بحيوات الآخرين وتسييرها وفقًا لرغباته الشخصية، بقدرته على امتلاك مفاتيح السلطة المطلقة

في تعاملهم مع الطغيان كمهنة لم يسعَ المنتجون التنفذيون لوثائقي نتفلكس للاحتفاء بالطابع الإعجازي لمهارات الطاغية الإدارية، بقدر ما حرصوا على التهكم عليها عبر فضح الطابع الاحتيالي لها، التي تدعي تحرير الاتباع وإطلاق طاقتهم فيما هي لا تفعل شيئًا سوى سلب إرادتهم الفردية.

اقرأ/ي أيضًا: صدام حسين.. الدكتاتور الذي يأبى الموت

أدولف هتلر.. الاستيلاء على السلطة

تكمن كلمة السر في نجاح أي طاغية بالمهمة التي نذر نفسه لها، أي بالتحكم بحيوات الآخرين وتسييرها وفقًا لرغباته الشخصية، بقدرته على امتلاك مفاتيح السلطة المطلقة؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية وحصرها بنفسه. ولكن الحصول على مفاتيح تلك السلطة ليس بالأمر الهين، وإنما يتطلب المزيد من الجهد والمثابرة ناهيك عن الاستعانة بكتاب الحيل والخداع، التي وإن كانت ثقة الطاغية العارمة بنفسه تأتي على رأس ألاعيبه، إلا أنه ليس أسلوب الخداع الوحيد فيه.

فالسر في نجاح هتلر في ترأس مجموعة "حزب العمال الألماني" اليمينية الصغيرة ومن ثم نجاحه في الوصول إلى منصب المستشارية في انتخابات عام 1933، لم يكمن في ثقته العمياء بطبيعة المهمة الرسولية التي كان يشعر بها في أعماق نفسه عن "مجد ألمانيا وعظمتها الضائعة"، بقدر ما كمنت في قدرته على تقديم نفسه كرجل للشعب، أو واحد منهم قادر على الشعور بما يشعرون ولديه الرغبة العميقة مثلهم لتحويل ذلك الإحباط إلى عنف اتجاه من يعتقدون أنهم سبب في مصيبتهم؛ اليهود.

في الحديث عن فطنة هتلر وقدرته على التلاعب بحشد الأنصار والمريدين لحركته اليمينية المتطرفة التي جعلت من اليهود كبش فداء لخلاصهم من ظروفهم المعيشية الصعبة، يجدها المرء في قدرته الفطرية على تسويق نفسه على كونه رجل من رجال الشعب، عبر تبنيه قَصة الشاربين القصيرين المعروفة بقصة فرشاة الأسنان، التي كانت العلامة الشعبية الفارقة لأبناء الطبقات الشعبية الوسطى الدنيا في طول وعرض أوروبا، ومن ثم تسويق حركته أو حزبه عبر رمزية الصليب المعقوف، الذي سبق له أن تحول على يدي عالم الآثار الألماني هنرك شليمان إلى رمز للهوية الألمانية ذات الأصول الآرية.

في العودة إلى استثمار أدولف هتلر الباهر في التسويق، نجده مجددًا في الزي الخاص، الذي منحه لميلشيات حزبه الذين صاروا يعرفون بأصحاب "القمصان البنية". يمنح الزي الموحد أصحابه الشعور بأنهم جزء من حركة أكبر أعظم تتخطى حدود قدرتهم على الفعل والفهم معًا، اللهم سوى إحساسهم بأنهم جزء من فريق متعاضد ومتضامن من أجل تحقيق الهدف الأسمى "عظمة ومجد ألمانيا"، كل ذلك دون أن ينتبهوا أنهم بإحساسهم الكاذب ذلك، قد فقدوا إراداتهم الحرة في القبول أو الرفض، وأنهم صاروا جزءًا من حركة الامتثال الكلية لمشيئة القائد، التي صار بمقدروه التلاعب بهم وفقًا لرغباته الجنونية.

صدام حسين.. سحق المنافسين

أنتظر صدام حسين بوصفه نائبًا لحسن بكر عشرة سنوات للوثوب إلى سدة السلطة المطلقة "رئاسة الجمهورية"، عمل خلالها على شراء الذمم والولاءات وتقوية موقعه في الجيش والمخابرات. إلا أنه أدرك فور وصوله للسلطة أن الوصول إليها شيء والاحتفاظ بها شيء آخر. لذا فإن أول عمل قام به الرجل بعد استيلائه على السلطة 1979 بستة أيام هو تدبيره لمذبحه المؤتمر الحزبي، الذي استطاع فيها اصطياد عصفورين بحجر واحد؛ التخلص من المنافسين الطامحين من جهة، وإطلاق موجة من الرعب في نفوس الاتباع المفترضين من جهة أخرى.

بحسه الدكتاتوري الصافي، أدرك صدام حسين فور وصوله للسلطة أن الوصول إليها شيء والاحتفاظ بها شيء آخر تمامًا

بعد أن نجح صدام حسين بإطلاق موجة الرعب في صفوف منافسيه المحتملين، عمد إلى نقل موجتها إلى صفوف شعبه أو محكوميه، عبر اتباعه سياسة "الكل مدان حتى تثبت براءته"، وصولًا إلى تطبيقه لسياسة "شل قدرة الجميع على الفعل" عبر ضرب ثقة الجميع بالجميع من خلال سياسة الوشاية. ولكن في مقابل سياسة العصا لمن عصا، لجأ صدام حسين إلى سياسة العصا والجزرة، فمقابل كل علامة من علامات الطاعة والخنوع من أولي الأمر، تتم مكافئتهم بالقليل من فتات السلطة على نحو يجعلهم تابعين وخانعين له.

اقرأ/ي أيضًا: دكتاتور كوريا الشمالية.. في كرة القدم أيضًا

عيدي أمين دادا.. الحكم عبر الإرهاب والتعذيب

في سيطرته على السلطة عبر انقلاب دموي على رئيسه ميلتون أوبوتي عام 1971 ، ومن ثم لجوئه إلى تصفيات عرقية واسعة بحق جنود رئيسه السابق، بدا للجميع أي نوع من الجنرالات الماكرين هو عيدي أمين دادا. ففي حين كانت سياسته الفعلية تقوم على إشاعة الإرهاب بين الجميع، كانت حركته الدبلوماسية تقوم على تقديم نفسه كمدافع كبيرعن حقوق الإنسان.

ساخرًا من التقارير الدولية التي أصبحت تتحدث عن انتهاكاته الواسعة لحقوق الإنسان، حوّل دادا اهتماماته للداخل بقصد امتصاص نقمة شعبه من سياساته الاقتصادية الفاشلة، متخذًا من أبناء الجالية الهندية البالغ عددهم ما يقارب الـ 80 ألفًا كبش فداء. حيث أرغم أبناء تلك الجالية على التنازل عن مصانعهم ومتجارهم لحكومته التي قامت بتوزيعها على الأوغنديين. ولكن بدلًا من أن تؤدي تلك السياسية إلى تنمية وتطوير الوضع الاقتصادي لهم أدت إلى انهياره على نحو كارثي وإلى فقدان الكثير من البضائع من الأسواق، وما ذلك سوى لافتقاد أولئك الأوغنديين لأساليب التجارة التي كان يتقنها الهنود. وهكذا بدل أن يعترف أمين العملاق بحماقة الخطوة التي أقدم عليها لجأ إلى أساليب التعذيب والإرهاب بحق كل من سوّلت له نفسه الاحتجاج على الوضع.

التعذيب هي علامة عيد أمين الفارقة، حيث واجه المحتجين على سياسته بالقتل في أقبية مخابراته، بالمطرقة. وواجه انتقادات مطرانهم لذلك العنف بالوسيلة ذاتها، ولما لم تجدِ لجأ إلى افتعال الحرب مع جارته تنزانيا، التي أنزلت بجيشه خسارة فادحة أفقدته سلطته المطلقة، وما ذلك سوى لأن جيشه الأسطوري لم يكن مهيئًا لخوض أي حرب سوى خوضه الحرب على جبهة الشعب.

ستالين.. السيطرة على الحقيقة

في سبيل احتفاظه بسيطرته المطلقة على شعوب الاتحاد السوفييتي، عمد ستالين لشن حرب على الحقيقة، ذلك أن الحقيقة بالنسبة لرجل استبدادي مثله تدعو إلى الشك بالحقائق المقدمة من قبله وفضح حقيقته كداعية مزيف. فقد اعتقد الرجل أن حرية وصول الناس إلى الحقائق والمعلومات تمنحهم إمكانية توظيفهم لعقولهم، وبالتالي اكتشافهم لحقيقة الظواهر والوقائع، لذلك نراه يلجأ إلى كل أساليب التضليل والخداع ومنع الحقائق بقصد الحجر على عقولهم وإبقائها تحت السيطرة.

في فترة لاحقة اكتشف ستالين خطورة الدين، في كونه يجعل الحقيقة مرتبطة بالله وحده، لذا عمد إلى رفع الماركسية إلى مصاف العقائد الدينية ورفع نفسه إلى مصاف الإله القادر على فهمها وتؤيل حقيقتها.

معمر القذافي.. بناء مجتمع جديد

كان الهدف الأثير لدى الطغاة وما يزال رغبتهم العارمة بالتحكم بمجتمعاتهم وأنماط سلوك أبنائها اليومية كما العقائدية، ولقد اعتقدوا أنهم قادرون على ذلك عن طريق التحكم بها عبر أساليب الدعاية المضللة. لذا لا غرو أن نجد اهتمام القذافي منصبًا على رفع "الكتاب الأخضر" إلى مستوى الحقائق العلمية على رغم من تفاهة مضمونه. ولقد بلغ به الهوس بقدرته على تغيير معتقدات شعبه، مبادرته إلى ربط جميع مدارس ليبيا ضمن دائرة تلفزيونية واحدة مهمتها تمكينه من إلقائه دروسه الوعظية على أذهان شعبه المسكين.

التعذيب هي علامة عيد أمين الفارقة، حيث واجه المحتجين على سياسته بالقتل في أقبية مخابراته، بالمطرقة

ثمة حركتان صاعدتان في وضعية معمر القذافي كطاغية تقليدي، محاولته المحمومة لربط نفسه بالإلوهية عن طريق مبادرته لربط نفسه بمشروع النهر الصناعي العظيم، كما ربط نفسه بالفحولة الذكورية التي تمنح صاحبها الشعور بسيطرته الكاملة على نسغ الحياة ذاتها، عبر اختراعه لفكرة الحارسات الأمازونيات الثوريات، التسمية المقنعة لجيش حريمه السلطاني.

اقرأ/ي أيضًا: هل سيولد أدب الدكتاتور العربي قريبًا؟

كيم جونغ إل.. الحكم مدى الحياة

كان هدف كل الطغاة على وجه العصور هو تأسيس سلالات حاكمة لمئات السنين، وقد أسر صدام حسين في إحدى المرات أنه إنما جاء ليحكم العراقيين لـ 300 سنة القادمة. إلا أن الطاغية الكوري الشمالي كيم إل سونغ وحده من نجح في تحويل حلمه إلى حقيقة، حيث يتربع حفيده الآن على سدة الحكم. وما ذلك سوى لفطنته البالغة بربط نفسه وحكمه بأسلحة التدمير الشامل، السلاح النووي. وإن كان من الصحيح القول إن سلالة آل كيم لا تحكم بالنووي فقط، فهو الذي ساعدها على ربط نفسه بالإلهي والمطلق على نحو لا منازع فيه.

اقرأ/ي أيضًا:

في نفسية الطاغية

5 روايات عن الدكتاتورية.. من أجل فهم الأنا الأعظم