ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

المسرح الثوري في الجزائر.. من الخشبة إلى النضال

6 نوفمبر 2025
المسرح الوطني الجزائري (الموقع الرسمي)
المسرح الوطني الجزائري (الموقع الرسمي)
سلمى قويدرسلمى قويدر

لطالمَا مَثّلَ المسرحُ الجزائريّ أحد أكثرِ الفضاءاتِ الثّقافية ثَراءً من حيث ارتباطه العميق بالتّحوّلات السّياسية والاجتماعية الّتي عاشها الشّعب الجزائريّ تحت سطوة الاستعمار، ومنذ بداياته الأولى، اتّخذ هذا الفضاءُ مَوقعًا تجاوز البُعد الفنّي، ليغدو فضاءً نضاليًا مُكتمل الأركان.

خلال الثّورة الجزائرية، وحتّى قبلها، تحوّل العرضُ المسرحيّ إلى سلوكٍ جَماعيّ عبّر بشكل عميقٍ عن الإرادة المقهورةِ وأعادَ للإنسان الجزائريّ وعيه بوُجوده وكرامته في مواجهةِ خطاب السّيطرة والهيمنة الثّقافية، حيث ارتفعت أصواتُ الكُتّاب والمُمثّلين الّذين وظّفوا اللّغة الشّعبية، وأساليب السّخرية والتّلميح السّياسيّ، ابتغاءً لفكّ رموز القهر وسعيًا منهم لبناء سرديّة وطنية بديلة.

منذ اندلاع الثّورة التّحريرية في الجزائر، اتّسعت وظيفةُ المسرح لتشمل التّعبئة والتّوعية ونشر القيم الوطنية، ليصبح مع الوقت، ذلك المكان الّذي يلتقي فيه الفنّ بالنّضال، والإرادة الشّعبية بالفعل السّياسي. لهذا، وجبَ البحثُ في دور المسرح والمسرحيّين في الثّورة الجزائرية لتعميق فهمنا للعلاقة بين الجماليات الإبداعية والسّلوكات التحرّرية، لنكشف عن قدرة الإبداع على صياغة وعيٍ جماعيٍّ أعاد في وقت ما للشّعب صوته وموقعه في التّاريخ.

بين الاستعمار والنّضال الثّقافيّ

اتّخَذ المسرح الجزائريّ خلال الحقبة الاستعمارية، طابعًا مزدوجًا تمثّل من جهة في امتدادٍ للنّموذج الثّقافي الفرنسيّ، حيث تجلّى في "المسرح الإمبراطوري" في الجزائر (الّذي أصبح لاحقًا المسرح الوطني الجزائري) المشيّد سنة 1853 في قلب العاصمة، والّذي كان موجّهًا بالأصل للنّخبة الأوروبية المقيمة. ومن جهة أخرى، بِتشكُّلِ المسرح المحليّ كفضاءٍ للنّضال والاحتجاج الرّمزي والهوية الشّعبية الأصلية.

في بدايةِ عشرينيات القرن الماضي، ظهر روّادُ مسرحٍ جزائريُّون بارزون مثل محيي الدّين بشطارزي، علّالو (علي سلّالي) ورشيد القسنطيني، وهم  من أوائل من أعادوا اللّغة العامية الجزائرية إلى الخشبة، ليقدّموا للجمهور صوتًا يشبهه ويعبّر عن همومه، وعبر مسرحياتهم التقت السُّخرية الاجتماعية بالنّقد الضِّمنيّ للاستعمار، في ما كان يُشبهِ مَسرحًا شعبيًا لامس وجدان النّاس آنذاك، كما تُؤكٍّد بعض الدّراسات حول المسرح الجزائريّ في الفترة الاستعمارية، أنّ إدخال اللُّغة العامية إلى المسرح كان من أهمّ علامات المُقاومة الثّقافية، حيثُ أصبح المسرحُ مرآةً يتعرّفُ فيها المجتمع المُستعمَر إلى ذاته من جديد. وقبل اندلاع الكفاح المُسلّح في الجزائر، كانت الخشبة الجزائرية تمهّد الطّريق ثقافيًا واجتماعيًا لمُقاومةٍ تستعيد الوَعي الجمعيّ وتؤسّس لمسرحٍ شَعبيٍّ وطنيّ بِحقّ.

الفِرَقُ الجوّالة والمسرح الثّوريّ

خَرجَ المَسرحُ مع اندلاع الثّورة سنة 1954 من قاعاتِ المدنِ نحو الجبال والقُرى والمداشر، حيثُ تحوّل إلى فضاءٍ للتّعبئة الجماهيرية، وسلاحٍ مُهمٍّ من أسلحة الوعي الثّوريّ في صفوف حزب جبهة التّحرير الوطنيّ الّذي قادر الثّورة آنذاك.

من هذا المُنطلق، تشكّلت فرقٌ مسرحيةٌ عديدة مثل الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطنيّ الّتي تأسّست سنة 1958 في تونس بإشرافٍ من الفنّان مصطفى كاتب، وضمتّ فنانين مهمّين مثل يحيى بن مبروك، سيد علي كويرات، ومحمد يزيد.

خَرجَ المَسرحُ مع اندلاع الثّورة سنة 1954 من قاعاتِ المدنِ نحو الجبال والقُرى والمداشر، حيثُ تحوّل إلى فضاءٍ للتّعبئة الجماهيرية، وسلاحٍ مُهمٍّ من أسلحة الوعي الثّوريّ في صفوف حزب جبهة التّحرير الوطنيّ الّذي قادر الثّورة آنذاك

قدّمت هذه الفِرقُ عروضًا في مخيّمات اللّاجئين وقواعد المُجاهدين، من بينها مسرحياتُ "الخالدون" و"أبناء القصبة" بعيد الحليم رايس، وقد هدفت بالأساس إلى رفع المعنويات وغرس الوعيِ الوطنيّ في وُجدان الجزائريّين.

كتابة النّصوص والمضمون الثّوريّ

بالحديث عن النّصوص المسرحية خلال الثّورة، نجد أنّها انتهجت أسلوب نضالٍ فكريٍّ مُباشِر، فقد كتب الشّهيد محمد بودية نصوصًا مزجت بين الشّعر والسّياسة مثل نصّي "الزّيتونة" و"الميلاد"، اللّذين عبّر فيهما عن الثّورة بوصفها حالةً إنسانيةً كُبرى داخل المعتقل، حيثُ قال: " إنّ المسرح سلاح، شَرطَ أن نعرف كيف نستخدمه".

من جهته، يشير الكاتبُ بوعلام بسّايح في كتابه "الثّقافة والثّورة" إلى أنّ المسرح الثّوري في الجزائر كان بمثابةِ مدرسةٍ شعبيةٍ لتلقين الوعي الوطنيّ من خلال المزج بين الكلمة، الموسيقى والرّمز الشّعبي، في مواجهة آلة الدّعاية الاستعمارية.

أسماء وأعمال شكّلت ذاكرة المسرح

من بين الأسماء الّتي أثّثت تاريخ المسرح الثّوري في الجزائر، نجد مصطفى كاتب الّذي يُعدّ من أبرز مؤسّسي المسرح الجزائريّ الحديث، حيثُ قاد الفرقة المسرحية التّابعة لجبهة التّحرير في المنفى، ثم أسّس بعد الاستقلال "المسرح الوطنيّ الجزائريّ"، جامعًا بين التّكوين الفنّي والالتزام الوطني.

من جهته، جعل صديقه الكاتب والمُناضل الثّوري محمد بودية من المسرح منبرًا للكفاح، حيثُ قدّم أعمالًا عديدة داخل السجن وفي المنفى، وجعل من كلماته صرخة تحرّر فوق الخشبة، كما أسّس لاحقًا مجلّة "الثّورة الإفريقية" الّتي ربط فيها بين الأدب والسّياسة.

شارك أيضا الممثّلان رويشد وسيد علي كويرات في العروض الّتي كانت تقدّمها الفرق الفنّية التّابعة للثّورة، كما ساهما بعد الاستقلال في بناء المسرح والسّينما الجزائريَّين، ليكونا من أبرز وجوه المشهد الفنّي الوطنيّ.

بعد ذلك، أتى عبد القادر علّولة وولد عبد الرّحمن كاكي، الّلذانِ ينتميان إلى الجيل الّذي واصل المسار بعد الاستقلال من خلال "مسرح الحلقة"، لكنّ جذورهما امتدّت إلى الإرث الثّوري، حيث قدّم كاكي مسرحية 132 سنة عام 1962 كإحياءٍ رمزيٍّ لذاكرة الاستعمار والتّحرّر، بينما حمل علّولة روح الشّعب إلى الخشبة بمسرحياتٍ مبدعة مثل "الأجواد" و"اللثام" وغيرها.

تأسيس المسرح الوطنيّ الجزائري

بعد الاستقلال سنة 1962، دخل المسرح الجزائريّ مرحلةً جديدة، فبعد سنة من انتزاع الحرية، صدر المرسوم الّذي حوّل المسرح البلديّ إلى المسرح الوطنيّ الجزائري، تحت إدارة الفنّان مصطفى كاتب، ليصبح مؤسّسةً وطنية ذات مهامّ تعليمية وثقافية وإبداعية، تنظم فيها العروض في المدن والقرى، وتؤسّس لمدارس جِهوية في مدن كبرى مثل وهران وقسنطينة وعنّابة، وتحتضن أعمال كتّاب كبار مثل كاتب ياسين، عبد القادر علّولة، وسليمان بن عيسى.

في خضمّ ذلك، ظلّ النِّقاشُ قائمًا بين حرية الإبداع ووظيفة المسرح الاجتماعية، لأنّ العروض المُلتزمة، مثل "محمد خذ حقيبتك" (1968) لكاتب ياسين، أثارت نقاشًا حادًّا حول حدود الفنّ ودوره بين التوعية والتّجريب.

اللّغة الجمالية والمخيال الشّعبي

اعتمد المسرحُ الجزائريّ على عناصر التّراث الشعبيّ، بداية من الغناء إلى الرقص والأمثال، والحكي، لبناء لغة عرض قريبة من الجمهور، ما أسهم يا في صياغة ما سمّاه النقّاد "مسرح الشّعب"، الّذي يقوم على الحركة والكلمة الجماعية بدل المشهد الاستعراضيّ المبالغ فيه.

من هنا، تأثّر بعض المسرحيّين بالمناهج العالمية، خصوصًا مسرح برتولت بريخت، لكنّهم أعادوا تأويل تلك النّصوص في سياقٍ محليّ لتوليد خطابٍ نقديّ يستمدّ رموزه من الذّاكرة الشعبية والواقع المُعاش.

المسرح كضميرٍ للثّورة والمستقبل

ما تزالُ ذاكرة الثّورة حتّى اليوم، من أهمّ الثّيماتِ الّتي تُغذّي نصوص المسرح الجزائريّ، حيثُ لا يكتفي المسرحُ باستعادة البطولات أو تمجيد الماضي، لأنّه يعيد اختراعه كمادّة حيّة للتّأمل الجماعيّ. ومنذ البدايات الأولى للمسرح النّضالي إبّان ثورة التّحرير، وصولًا إلى التّجارب المُعاصرة، ظلّت الخشبة الجزائريّة فضاءً لتحويل التّاريخ إلى مادّةِ نقدٍ للحاضر، وجعل الماضي طاقةَ استنطاقٍ للواقع.

ومن أبرز الأعمال الّتي جسّدت هذا الامتداد، نجد مسرحية "الشُّهداء يعودون هذا الأسبوع" المقتبسة عن رواية الكاتب الجزائريّ الرّاحل الطّاهر وطّار بنفس العنوان، والّتي أخرجها زيّاني شريف عيّاد في المسرح الوطنيّ الجزائريّ خلال سبعينيات القرن الماضي. وقد أدّاها ممثّلون بارزون مثل صونيا مكيّو، ومحمد بن قطاف وعز الدّين مجوبي وعبد الحميد رابية وغيرهم.

قدّمت هذه المسرحية قراءةّ رمزيةً جريئة يعودُ فيها الشُّهداء إلى الأحياء ليسائلوا ذاكرتهم وتخاذلهم عن القيم الأولى للثّورة. فلم يكن المخرج يحتفي فيها بالماضي بل وضعه في مواجهة الحاضر، ليكشف التوتّر بين المثال الثّوري وخيبة ما بعد الاستقلال، حيثُ غدت الخشبة مساحةً للذّاكرة اليَقِظة، أين استدعى الفنّ الوعي الوطنيّ ولم يغازل الأسطورة.

في هذا السّياق، اتّصلت هذه الرُّؤية بجذور المسرح الجزائريّ الحديث الّذي وُلد من رحم الثّورة والالتزام، ومنذ ستّينيات القرن الماضي، صاغ كتّابٌ عديدون أمثال كاتب ياسين في "الجثة المطوّقة" (1958) و"محمد خذ حقيبتك" (1971)، وعبد القادر علولة في "الخبزة" (1970) و"حُمقُ سليم"، ملامح مسرحٍ جعل من الشّعب بطلًا لذاته، وحوّل الخبز اليوميّ إلى استعارةٍ للكرامة والحريّة، حيث جمعت تلك النّصوص بين الواقعية والشّعرية، ومنحت المسرح الجزائريّ صوته الخاصّ، الواعي والشعبيّ السّاعي إلى العدالة والكلمة الحرّة.

في الزّمن الحاضر، يواصل جيلٌ جديدٌ من المُخرجين خدمة وإيصال هذا الإرث، حيثُ يستكشفون تخوم المسرح الوثائقيّ والأداء المعاصر، كما تعالج أعمالهم الحديثة، ذاكرةً جماعيةً تَعبُرُها أسئلة المنفى والهويّة المتعدّدة وكذا مآسي الحاضر وآفاته.

وهكذا، يظلّ المسرح الجزائريّ حارسًا للذّاكرة والوعي النّقديّ، ومدرسةً جماليةً وأخلاقيةً في آنٍ واحد، حيث تتحوّل الخشبة إلى ضمير ناطق، وتستمرّ الثّورة في التكلّم بلغة الحاضر، من المسرح الثوريّ عند كاتب ياسين وعلّولة، إلى الكتابات الرُّكحية المُعاصرة لدى العديد من الشّباب المُبدعين في الزّمن الحالي.

يبقى المسرحُ الجزائريُّ واحدًا من أكثر الفنون قدرةً على التقاط نبض الثّورة وما بعدها، وكذا استبصار التّحوّلات الّتي عبر من خلالها المجتمع، لأنّه كان يروي أبجديات الثّورة ليحوّلها بعد ذلك إلى وعيٍ متجدّد تجاوز فتراتٍ زمنيةٍ عديدة، كما تمكّن من طرح أسئلة الحاضر والمستقبل في الوقت ذاته.

إنّ هذا المسرح الّذي وُلد من رحم الصّراع، لم يتوقّف عن مُساءلةِ الواقع، وعن البحث في معنى الانتماء، وعن كينونة الإنسان داخل وطنٍ ما زال يصوغ ذاته بين تقلّباتِ الماضي واضطرابات الحاضر، ومن خلال تراكم التّجارب، يتجلّى المسرحُ الجزائريُّ كفضاءٍ للتّفكير الجمعيّ، حيث تُصاغ الحقيقةُ فيه بشكلٍ جماليٍّ يتجاوز الخطابة، لأنّه فضاءٌ ثقافيّ حمل مواقف وجوديّة، كما أعاد وصل الذّاكرة بالحاضِر، والفنّ بالحياة، ليبقى صدى الخشبة حيًّا، وشاهدًا على أنّ الإبداع المسرحيّ الجزائريّ هو امتدادٌ لروح الثّورة.

كلمات مفتاحية
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd-1.png

الميمز في مصر: بديل معاصر للنكتة أم ثقافة لها جذور فكرية وتاريخية؟

كيف ساهمت الميمات في تخفيف الكآبة بعد انهيار النكتة، وكيف ساعدت في تفنيد القيم القديمة بفيديو راقص؟

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

عبد الله سبيت: من الإنشاد لثورة اليمن والجزائر إلى المنفى الاختياري والتصوّف

رحلة عبد الله سبيت الشاعر والثوري

نتفلكس–وارنر

صفقة "نتفلكس–وارنر" وموت السينما

خطابات النهاية ظهرت في تسع مراحل كبرى، كل منها مرتبط بتحوّل جذري في صناعة أو عرض أو استهلاك الأفلام

غارات إسرائيلية
سياق متصل

تجدد الغارات الإسرائيلية على لبنان وسط مخاوف من تصعيد أوسع

شنت إسرائيل غارات على لبنان استهدفت شبعا وياطر الجنوبيتين مستخدمة ثلاثة صواريخ ومسيّرة، في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله المبرم العام الماضي

هجوم شاطئ بوندي
سياق متصل

قتلى وجرحى بهجوم مسلح استهدف احتفالًا على شاطئ بودندي في أستراليا

تسبب الهجوم بمقتل 12 شخصًا وإصابة 10 آخرين جراء إطلاق مسلحين اثنين النار خلال احتفال بعيد الأنوار اليهودي المعروف بـ"الحانوكا"

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd-1.png
مناقشات

الميمز في مصر: بديل معاصر للنكتة أم ثقافة لها جذور فكرية وتاريخية؟

كيف ساهمت الميمات في تخفيف الكآبة بعد انهيار النكتة، وكيف ساعدت في تفنيد القيم القديمة بفيديو راقص؟

المنخفض الجوي
سياق متصل

غزة تنزف تحت الهدنة: إسرائيل تواصل الانتهاكات والكارثة تتعمّق

شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفًا مدفعيًا على أنحاء متفرقة في قطاع غزة كما قامت القوات الإسرائيلية بنسف العديد من المباني السكنية في القطاع ضمن المناطق التي يواصل الجيش احتلالها.