المركز العربي للأبحاث في باريس يفتتح مؤتمره السنوي الثالث بنقاش عن الشعبوية

المركز العربي للأبحاث في باريس يفتتح مؤتمره السنوي الثالث بنقاش عن الشعبوية

ناقشت الجلسلة الافتتاحية موضوع الشعبوية في العالم العربي وأوروبا (فيسبوك)

الترا صوت – فريق التحرير

افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس، اليوم الجمعة، مؤتمره السنوي الثالث، بحوار افتتاحي حول الشعبوية في أوروبا والعالم العربي، شارك فيه كل من المفكر العربي والمدير العام للمركز، عزمي بشارة، وأستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية بباريس برتران بادي، بالإضافة إلى المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي، والأستاذ في "الكوليج دو فرانس" بيير روزانفالون.

افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس، اليوم الجمعة، مؤتمره السنوي الثالث، بحوار افتتاحي حول الشعبوية في أوروبا والعالم العربي

وناقش المتحدثون الثلاثة إمكانية الوصول إلى تعريف واحد للشعبوية، أو محددات مشتركة في تجارب مختلفة، بدءًا من بداية القرن العشرين وصولًا إلى الموجة الجديدة من الشعبوية.

اقرأ/ي أيضًا: الأمننة والشعبوية.. الخوف كدعاية سياسية

بداية، رأى بيير روزانفالون أن الشعبوية هي كلمة مطاطية، فهناك تعريفات كثيرة للمفردة. لكن بشكل عام يرى أنها ترتبط بحركات سياسية منذ بداية القرن العشرين، قلبت رأسًا على عقب طريقة عمل الأحزاب السياسية، وهي ظاهرة تتخطى الفروق بين اليمين واليسار، وتقترح قطيعة مع الأحزاب التقليدية، وتطالب برحيل الزعماء التقليديين. يمكن من وجهة نظر المتحدث تحديد الشعبوية على أنها أيدولوجية سياسية متسقة وليست مجرد ردود فعل.

حيث تنطوي الشعبوية على تصور محدد حول الديمقراطية وشرعيتها، وتنتقد المؤسسات التي ترتكز على الانتخابات، كما تنتقد القدرة التمثيلية للديمقراطية،  وتتساءل أيضًا حول الخلل في عمل الدميقراطيات، وإذا كانت هذه الديمقراطيات تمثل تطلعات الشعوب.

 

 

أما بالنسبة لبرتران بادي، فليس من السهل تعريف الشعبوية، لأنه لا يوجد توافق في المجتمع الأكاديمي، حيث هناك طيف كبير من الأيدولوجيات. يختلف أستاذ العلاقات الدولية مع طرح روزانفالون، رافضًا فكرة أن هناك أيدولوجيا شعبوية متسقة، حيث يصعب الجمع بين جمال عبد الناصر قديمًا ورجب طيب أردوغان أو مارين لوبان اليوم. ويؤكد أنه لا يوجد سياسة عامة شعبوية، وفي حين أن العلوم الاجتماعية يجب أن تستمر في السعي إلى التعريف، وأن تبحث عن قواسم مشتركة، فإن هذه القواسم المشتركة لا يمكن أن توجد في تحليل السياسات العامة أو الأفكار أو السلوك السياسي، ولكن من خلال تحليل الأوضاع أو الظروف الشعبوية، التي يجب الانطلاق منها.

ورأى بادي أن الشعبوية تتجسد في عدة أزمات. أولا أزمة الثقة بالمؤسسات والحاكم، فعندما تغيب هذه الثقة يضيع الإيمان بالمؤسسات ونجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام الشعبوية. يمكن حسب المتحدث تقسيم هذا الغياب في الثقة إلى عدة مستويات؛ أولًا يرى الشعبوي أن هذه المؤسسات غير متوافقة مع تطلعات الشعب، وهو أمر أساسي لفهم الحالة في العالم العربي. ثانيًا أن هذه المؤسسات تهمش بعض المواطنين، وهو ما يشبه الوضع في فرنسا ويفسر حركة السترات الصفراء. المستوى الثالث يتمثل بإهانة كرامة بعض الفئات كما يحدث في الجزائر ولبنان. أما المستوى الأخير، فهو  أن هذه المؤسسات فشلت في الحماية الاجتماعية والاقتصادية لبعض الفئات، كما حدث بين الحربين العالميتين، وهو أمر شبيه بشعور بعض الفئات في الغرب أنه يتم سحقها بسبب العولمة في هذه الأيام.

كما يوضح أن هناك عدة مراحل للشعبوية، بدءًا من القرن التاسع عشر، وصولًا إلى الضغوط الاقتصادية بين الحربين العالميتين في القرن العشرين، ثم الشعبوية في العالم العربي وأفريقيا نتيجة إخفاف الاستعمار، أما الموجة الرابعة التي نعيشها حاليًا من الشعبوية، فهي التي تتعلق من وجهة نظره بالعولمة، وانعدام فاعلية المؤسسات.

من جهته أعاد عزمي بشارة في المحاضرة التأكيد على أطروحته التي قدمها في كتابه الصادر مؤخرًا بعنوان "في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية"، مبينًا أن هناك أزمة دائمة في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، تنتج عن التناقض بين المشاركة السياسية الشعبية وبين عملية ضبطها من خلال المبادئ الليبرالية.

وأكد أن مصطلح الشعبوية يطلق على تيارات سياسية وليس على أوضاع اجتماعية كما يرى برتران بادي ولا حتى أيدولوجيا كما يرى روزانفالون. بخلاف المتحدثين الأخيرين، يؤكد بشارة أن المشترك هو في الاستراتيجيات والأساليب والخطابات السياسية. بينما يوضح أن تناقض الشعبوية الأساسي هو أن من يتبنى استراتيجياتها هو النخب وليس الشعب الذي يتحدث الشعبويون باسمه، وبالتالي لا يمكن الحديث عن شعب شعبوي، ولكن عن حركات سياسية.

وشرح بشارة كيف تطورت الشعبوية كفهوم داخل الديمقراطيات الليبرالية، وكيف ترسخت هذه الديمقراطيات بعد الحرب العالمية الثانية، مستفيدة من التجارب الشعبوية بين الحربين العالميتين من أجل الوصول إلى دولة الرفاه وإلى نمط من الديمقراطية الاجتماعية، مشيرًا إلى أنه ومنذ السبعينات نشأت أزمة جديدة نتيجة انجرار اليسار الديمقراطي إلى النوليبرالية.

رغم هذه الأزمة، يؤكد بشارة أن الديمقراطية الليبرالية في الغرب راسخة وقادرة على تهميش بعض عناصر من الشعبوية واحتواء أخرى، وهي أسئلة وتحديات حية. على سبيل المثال، فإن الرئيس الأمريكي جو بايدن، لا يستطيع حسب المتحدث أن يتجاهل أن غالبية أصحاب الياقات الزرق من البيض صوتوا لترامب، ولا يمكنه التخلى عن هذه الفئات والاعتماد على الأقليات، وعليه أن ينتج خطابًا جديدًا يفهم السياق الاجتماعي والاقتصادي لها. على نفس المنوال، فإن على القادة الديمقراطيين مواجهة تصاعد سؤال الثقافة في أوساط اجتماعية معينة، وأن يعززوا في سبيل تجاوز هذا التحدي خطاب المواطنة بدلًا من الإثنية. إذ إن أحد ميزات الشعبوية في الغرب بالنسبة للمفكر العربي، أنها تتعرض لنوع من الأثننة، حيث يصبح اصطلاح الشعب ذا دلالة على فئة إثنية بشكل حصري. وهو ما يصبح خطيرًا بالنظر إلى أن الشعبوية غالبًا ما تصف الشعب باعتباره رديفًا للخير المطلق.

على عكس هذه التحديات في تجارب ديمقراطية راسخة، فإن الحالة في دول عربية شهدت انتقالًا ديمقراطيًا مثل تونس، هو أن الشعبوية قد تتجاوز الأزمة الدائمة، التي يمكن احتواؤها أو تهميشها، لتصبح حسب بشارة تهديدًا على الديمقراطية نفسها. ينتج ذلك بسبب وجود انتقال سريع من السلطوية إلى الديمقراطية بدون مرحلة انتقالية طويلة كما حدث في الغرب. وبالتالي فإننا نشهد نتيجة لذلك ديمقراطيات هشة معرضة للشعبوية، لم تتجذر فيها بعد مفاهيم الحقوق المدنية، بل وينشأ ساسة مستعدون لاستخدام الأزمة الاقتصادية – التي هي أزمة لم تجب عليها الديمقراطية الليبرالية إلى الآن -  للتحريض على النخب والأحزاب وحتى البرلمان. على هذا النحو، فإن بشارة يرى أنه في حالة الانتقال الديمقراطي تكون الشعبوية خطرًا لا يجب أن نتسامح معه.

أعاد عزمي بشارة التأكيد على أطروحته التي قدمها في كتابه الصادر مؤخرًا بعنوان "في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية"، مبينًا أن هناك أزمة دائمة في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تنتج الشعبوية

ختامًا، أكد عزمي بشارة ضرورة تفهم الخلفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لنشوء الخطاب الشعبوي، بدون التسامح مع الشعبوية نفسها. واعتبر أن هذا الفصل هو مهمة الديمقراطيين الآن. كما وضح ضرورة التمييز بين النقد الشعبوي لعدم المساواة والاغتراب عن النخبة السياسية، وكل هذا نقد مشروع، وبين نقد المؤسسات باعتبارها مؤسسات، حيث يمثل هذا ناقوس إنذار، وخطرًا حقيقيًا على الديمقراطية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مارتن شولتز.. اللعب مع الشعبويين على قواعدهم