المرزوقي تحت طائلة تكميم الإعلام التونسي

المرزوقي تحت طائلة تكميم الإعلام التونسي

الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي (الأناضول)

ضغوطات من رئاسة الجمهورية التونسية وأخرى من أعضاء في الحكومة على قناة التاسعة الخاصّة لمنعها من بثّ حوار مع الرئيس السابق المنصف المرزوقي، هذه ليست مجرّد تخمينات واتهامات بل حقيقة واعترافات أقرّتها إدارة القناة نفسها. لا تزال ارتدادات هذه الحادثة تتالى في تونس بين نفي رئاسة الجمهورية لوجود هذه الضغوطات وتأكيد القناة باحتفاظها بحقّها في بث الحوار في الوقت المناسب، غير إنها قرعت جرس الإنذار بقوّة من مغبّة العودة لزمن تدجين الإعلام وتكميم الأفواه الذي ظنّ التونسيون أنه قد تجاوزوه.

بعد غياب لقرابة سنة كاملة عن وسائل الإعلام الوطنية، وهو غياب يصفه المرزوقي بأنه "تغييب متعمّد"، اتفق فريق الرئيس السابق مع قناة التاسعة الخاصة على تسجيل حوار تلفزي له وهو ما تمّ في الثالث من أيلول/سبتمبر الجاري على أن يتمّ بثه بداية الأسبوع الموالي. وبعد تأجيل متكرّر ووعود بالبثّ، أعلن حزب حراك تونس الإرادة الذي يترأسه المرزوقي مساء 14 من نفس الشهر، بأن القناة أعلمتهم أنها تتعرض لضغوطات حالت دون بثّ الحوار كما تمّ الاتفاق عليه.

ربّما في تونس هناك ضرورة للعودة للفرز على قاعدة حماية مكتسبات الثورة، في بلد لاتزال ديمقراطيته وليدة وهشة

اقرأ/ي أيضًا: نداء تونس.. تفكك مستمر وهواجس انهيار

ما هي فحوى الحوار ليتعرض للضغوطات للمنع من البثّ؟ لم يكشف المرزوقي عن أسرار أو ما قد يخشى غيره كشفه للعموم، بل هو حوار عادي حول الوضع الحالي للبلاد، ذلك وفق ما أكّد عدنان منصر الأمين العام لحزب الحراك. وعلى هذا الأساس، لم تكن الضغوطات إلا رغبة في عدم التشويش على رئاسة الجمهورية والحكومة الحالية خاصة وأن المتحدث هو الرئيس السابق للبلاد، بما يحمله ذلك من وزن اعتباري في الساحة الشعبية أكثر من وزن حزبه المعارض في الساحة السياسية. وقد أشار منصر في ندوة صحفية بأن الضغوطات قد بدأت أثناء تصوير الحوار.

ووفق ما ألمح إليه عدنان منصر وما تداوله ناشطون، فإن مستشار رئيس الجمهورية نورالدين بن تيشة ووزير حقوق الإنسان والعلاقات مع المجتمع المدني مهدي بن غربية هما اللذان مارسا ضغوطات على إدارة القناة. وبذلك فهذه الحادثة ليست سابقة بالنسبة لبن تيشة تجاه المرزوقي، حيث سبق وإن قام المستشار الرئاسي حينما كان يدير موقعًا صحفيًا بفبركة حوار للمرزوقي الذي قدّم ضدّه قضية لازالت جارية وإن أقرّ فيها قاضي التحقيق التهمّ الموجّهة للمستشار. أما بخصوص مهدي بن غربية، فهو عضو جديد في الحكومة التي تم تشكيلها مؤخًرًا، وهو كذلك ابن عمّ مدير عام قناة التاسعة معزّ بن غربية.

من جهتها، أّكدت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وجود ضغوطات لمنع بث حوار المرزوقي، وأشارت في بيان شديد اللهجة على "استعداد الصحفيين الدائم لخوض كل أشكال النضال دفاعًا عن مكاسب الثورة وعلى رأسها حرية التعبير". كما لقيت هذه الحادثة إدانة من أحزاب معارضة على غرار التيار الديمقراطي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. كما أدانها الحزب الجمهوري، المشارك في الحكومة، فيما لم تعلن بعد بقية الأحزاب الحاكمة موقفها.

اقرأ/ي أيضًا: صحفيو تونس.. صراع الحريات والإرهاب

كشف ناشطون وصحفيون عن تعرضهم لمضايقات في شكل تعليمات طيلة الفترة السابقة من رئاسة الجمهورية في التعاطي مع عدد من الملفات

هل يتعلق الأمر فعلًا بتوجه منهجي أم مجرّد تصرفات فردية من المسؤولين في الرئاسة والحكومة؟ تأتي هذه الحادثة عمومًا بالتوازي مع احتجاجات شعبية بمنطقة فرنانة شمال غرب البلاد لتظلّ الخشية من وجود توجه منهجي من السلطة لمنع المعارضين من الظهور في وسائل الإعلام. وبمناسبة هذه الحادثة، كشف ناشطون وصحفيون عن تعرضهم لمضايقات في شكل تعليمات طيلة الفترة السابقة من رئاسة الجمهورية في التعاطي مع عدد من الملفات بما في ذلك ضرورة توصيف الحكومة بأنها "حكومة وحدة وطنية" أو في ملف مشروع قانون المصالحة الاقتصادية. وقد سبق وأن أشارت نقابة الصحفيين لوجود تضييقات وتعليمات غير مهنية من رئاسة الجمهورية على الإعلاميين تهدف لإعاقتهم على القيام بمهامهم.

دائمًا ما يؤكد التونسيون على أن حرية التعبير، ومنها حرية الإعلام، هي المكسب الأساسي للثورة الذي عمّده الشهداء بدمائهم، وبالتالي لا يمثل المساس بها إلا نكوصًا ورغبة في العودة للماضي. إذ تطرح هذه الحادثة سؤال مدى جدية الطبقة السياسية الحاكمة، أو على الأقل المسؤولين الذين يتحركون باسمها، في الالتزام بمقتضيات المناخ الديمقراطي الذي يستلزم عدم المساس تعسفًا من الحقوق والحريات وتحديًدا عدم التضييق على وسائل الإعلام.

تكشف عمومًا حادثة منع الحوار، المنتظر بثه قريبًا وفق ما أكدت القناة بعد افتضاح حقيقة الضغوطات طيلة الفترة الماضية، على وجوب إشعال الضوء الأحمر وربّما ضرورة العودة للفرز على قاعدة حماية مكتسبات الثورة، في بلد لازالت ديمقراطيته وليدة وهشة.

اقرأ/ي أيضًا: 

تونس.. تعددية بدائل التغيير وتكثيفها

"المنظّمة السوداء" في تونس