المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية: انسحابات وشكاوى وسط هيمنة المال السياسي
11 نوفمبر 2025
لم تحمل المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب المصري، التي جرت يومي 10 و11 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، جديدًا يُذكر في المشهد السياسي؛ إذ بدت أقرب إلى تكرارٍ شبه حرفي لما جرى في انتخابات مجلس الشيوخ في آب/أغسطس الماضي، سواء من حيث الأجواء العامة أو طبيعة التجاوزات أو ضعف الإقبال الشعبي، وحتى في طريقة إدارة العملية الانتخابية وتوزيع المقاعد وفق خرائط التحالفات الحزبية المسبقة.
فمنذ الساعات الأولى للاقتراع، اتضحت ملامح مشهد انتخابي رتيب، غابت عنه المنافسة الحقيقية لصالح قوائم محسومة سلفًا، في ظل حضورٍ محدود للناخبين وتكرار الشكاوى من ضعف التنظيم وتوجيه الأصوات، وكأن الانتخابات تجري وفق سيناريو مكرور، يُعيد إنتاج نفس البنية السياسية التي رُسمت مسبقًا داخل أروقة التحالفات الرسمية.
وشملت المرحلة الأولى 14 محافظة هي: الجيزة، الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، الوادي الجديد، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، البحر الأحمر، الإسكندرية، البحيرة، ومطروح، ومن المقرر أن تنطلق المرحلة الثانية للمصريين في الخارج يومي 21 و22 من الشهر الجاري، على أن تُجرى داخل البلاد يومي 24 و25 من الشهر نفسه، وتشمل محافظات القاهرة، القليوبية، الدقهلية، المنوفية، الغربية، كفر الشيخ، الشرقية، دمياط، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، شمال سيناء وجنوب سيناء.
أما جولة الإعادة فستجري للمصريين في الخارج يومي 15 و16 كانون الأول/ديسمبر، وللداخل يومي 17 و18 من الشهر ذاته.
مفاجأة الديب.. انسحاب مبكر ورسالة احتجاج قاسية
شكّل انسحاب النائبة نشوى الديب من السباق الانتخابي قبل دقائق من فتح صناديق الاقتراع مفاجأة مدوية في المشهد السياسي المصري، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العملية الانتخابية وحدود المنافسة الحقيقية داخلها.
فالديب، التي خاضت غمار البرلمان لدورتين متتاليتين كمستقلة عن دائرة امبابة بالجيزة، لم تكن اسمًا عابرًا في المشهد النيابي، بل إحدى الشخصيات التي اكتسبت حضورًا ميدانيًا وشعبياً واسعًا، ما جعل قرارها بالانسحاب محملًا بدلالات سياسية تتجاوز حدود الدائرة الانتخابية.
شكّل انسحاب النائبة نشوى الديب من السباق الانتخابي قبل دقائق من فتح صناديق الاقتراع مفاجأة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العملية الانتخابية وحدود المنافسة الحقيقية داخلها
في بيانها الذي نشرته عبر صفحتها الرسمية، أكدت الديب أنها دخلت السباق "مؤمنة بروح الجمهورية الجديدة" ومتحلية بروح المنافسة الشريفة، لكنها اصطدمت، على حد وصفها، بـ"مخالفات واضحة وغياب لمعايير النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص"، وهو ما اعتبرته سببًا كافيًا للانسحاب، حفاظًا على ما وصفته بـ"قناعاتها ومبادئها".
وأضافت أن الانتخابات النزيهة هي أساس العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وأن غياب هذه النزاهة يجعل المشاركة "شكلية لا مضمون لها".
وفي موقف بدا أقرب إلى إعلان احتجاج سياسي منه إلى مجرد انسحاب انتخابي، قالت أمام أنصارها: "ما ينفعش ننزل انتخابات محسومة من قبل ما نبتدي"، مشيرة إلى أن الجمعيات في الدائرة تلقّت توجيهات صريحة لدعم مرشحي حزب مستقبل وطن (الموالي للسلطة)، وليد المليجي، وحزب المحافظين، إيهاب الخولي، اللذين تصدّرا قوائم المرشحين في امبابة.
بهذا الموقف، وضعت نشوى الديب إصبعها على جرحٍ أعمق يتعلق بطبيعة "المنافسة المنضبطة" التي باتت سمة الانتخابات المصرية الأخيرة، حيث تُدار العملية الانتخابية وفق معادلات سياسية مغلقة تتيح هامشًا محدودًا للمستقلين والمعارضين.
وجاء انسحابها ليكشف التوتر الكامن بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لـ"الجمهورية الجديدة" القائمة على المشاركة والتعددية، وبين واقعٍ انتخابي يُدار – بحسب وصفها – بآليات تضمن النتائج قبل بدء التصويت.
وبذلك، تحوّل قرار الانسحاب إلى رسالة سياسية صريحة، تُعيد النقاش حول حدود الديمقراطية الشكلية في مصر، ومدى قابلية النظام الانتخابي الحالي لإنتاج تمثيل حقيقي يعكس إرادة الناخبين، لا إرادة القوائم الحزبية المُعدة سلفًا.
المال السياسي.. الضيف الحاضر دائمًا
كشفت تقارير إعلامية محلية، أبرزها ما نشره موقع المنصة، عن خروقات واسعة شابت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب المصري، تمثلت في استخدام المال السياسي وشراء الأصوات بشكل معلن، خصوصًا في لجان العمرانية بالجيزة التي شهدت سباقًا محمومًا بين أربعة مرشحين على مقعدين فرديين.
ووفقًا لشهادات ميدانية جمعها الموقع من ناخبين – فضّلوا عدم ذكر أسمائهم – تراوح سعر الصوت الانتخابي ما بين 200 و250 جنيهًا، يُضاف إليها في بعض الحالات شنط مواد غذائية تُوزع على الناخبين أمام مقار الاقتراع أو عبر وسطاء تابعين للمرشحين.
المرشحون الأربعة الذين احتدم بينهم التنافس – بحسب المصادر – هم: محمود لملوم عن حزب حماة وطن، ومحمد علي عبد الحميد النائب السابق ووكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، الذي يخوض المعركة كمستقل بعد انسحاب حزب مستقبل وطن من المنافسة على المقعدين، إلى جانب المرشحين المستقلين جرجس لاوندي والسيد زغلول.
وأشارت الشهادات إلى أن حملات المرشحين الثلاثة الأولين استخدمت أسلوب الدفع النقدي المباشر للناخبين، بينما قدّمت حملة عبد الحميد حوافز مالية متفاوتة بين الرجال والنساء وصلت إلى 250 جنيهًا مع مواد غذائية في الساعات الأخيرة من التصويت، ما يعكس تصاعدًا حادًا في استخدام المال السياسي لحسم النتيجة.
أما آلية شراء الأصوات، فجاءت بدورها منظمة ومدروسة. إذ خصص كل مرشح أسطولًا من سيارات الأجرة المزينة بصوره وشعاراته، مهمتها نقل الناخبين من منازلهم إلى لجان التصويت، ثم إعادتهم إلى مقار أو جمعيات أهلية تابعة له لتسلّم المقابل المالي.
خروقات بالجملة
أعادت تقارير لجان المتابعة التابعة لعدد من الأحزاب السياسية المصرية تسليط الضوء على حجم الخروقات التي شابت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، كاشفة عن ممارسات انتخابية تتنافى مع معايير النزاهة والشفافية التي تؤكدها الهيئة الوطنية للانتخابات.
فقد أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في بيان رسمي عبر صفحته على "فيسبوك" أنه رصد عمليات توزيع كراتين مواد غذائية من قبل أنصار بعض المرشحين أمام لجان انتخابية بعدة محافظات، أبرزها أسيوط والجيزة وبني سويف.
كما أشار البيان إلى استخدام مكبرات الصوت في محيط اللجان، وتوجيه الناخبين عبر المال السياسي أمام مدارس في محافظات الفيوم والبحيرة، إضافة إلى ملاحظات خطيرة تتعلق بغياب الساتر داخل عدد من اللجان، ما اعتبره الحزب مساساً بحق الناخب في الاقتراع السري وضمان حرية الاختيار.
وطالب الحزب بفتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات التي تمس جوهر العملية الانتخابية، داعيًا الهيئة الوطنية للانتخابات إلى اتخاذ إجراءات فورية تضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين وحماية صوت الناخب من التأثير المادي أو المعنوي.
وأكد الحزب في بيانه التزامه بمتابعة مجريات الانتخابات في جميع محافظات المرحلة الأولى، مشددًا على أن نزاهة الانتخابات ليست مطلبًا حزبيًا فحسب، بل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لا سيما في ظل اتساع الشكوك حول جدوى المشاركة السياسية في بيئة انتخابية تغيب عنها الضمانات الكافية للنزاهة والشفافية.
وفي السياق ذاته، كشفت الحملات الانتخابية لحزب المحافظين عن تعرض مندوبي الحزب والمستقلين في دائرة الجيزة–الدقي–العجوزة للمنع من دخول اللجان الانتخابية، مقابل السماح لمندوبي أحزاب الموالاة، وهو ما وصفه الحزب بأنه "انتهاك صريح لمبدأ تكافؤ الفرص".
وأوضح عمرو الشريف، رئيس لجنة الانتخابات بالحزب، أن الحزب سيتقدم بشكوى رسمية إلى الهيئة الوطنية، مؤكدًا أن ما جرى يهدد نزاهة العملية برمتها، كما أشارت غرفة المتابعة بالحزب إلى ضعف الإقبال الشعبي وعزوف الناخبين عن التصويت في عدة دوائر، بالتوازي مع رصد عمليات شراء أصوات وصلت إلى 500 جنيه للصوت الواحد في بعض مناطق البحيرة، لتؤكد هذه الوقائع – مجتمعة – أن المشهد الانتخابي ما زال يرزح تحت هيمنة المال السياسي والإجراءات الانتقائية، بما يكرّس غياب المنافسة الحقيقية ويُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي.
الإقبال الجماهيري.. تباين في الآراء
في ظل غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة حول نسب المشاركة في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية، اتسم المشهد بتضارب الروايات وتباين القراءات، فبينما تؤكد أحزاب الموالاة أن الإقبال تراوح بين المتوسط والكثيف، مستندة إلى صور ومقاطع مصوّرة تُظهر حشوداً أمام بعض اللجان، يرى منتقدو هذا الطرح أن تلك الصور انتقائية وموجّهة، وتأتي في إطار حملات تعبئة منظمة تم فيها حشد موظفين أو مستفيدين من خدمات الجمعيات التابعة لتلك الأحزاب مقابل امتيازات مادية أو رمزية.
في المقابل، تحدثت تقارير وشهادات ميدانية عن ضعفٍ ملحوظ في الإقبال داخل العديد من اللجان، خصوصًا في المحافظات البعيدة عن مراكز الحشد الحزبي، فبحسب شهود عيان، فإن اللجان التي بدت مزدحمة في الصور كانت في الغالب تلك التي يترشح فيها رجال أعمال يملكون أدوات حشد فعالة داخل مصانعهم أو شبكاتهم الخدمية، وهي ظاهرة متجذّرة في الانتخابات المصرية منذ عقود.
هذا النمط التقليدي من التعبئة يعيد إنتاج علاقة الزبائنية السياسية بين الناخب والمرشح، حيث تتحوّل العملية الانتخابية إلى تبادلٍ للمصالح أكثر منها تعبيرًا عن خيارات سياسية حقيقية.
وتكتسب شهادة زهدي الشامي، رئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي والبرلماني السابق، أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ أكد أنه خلال تصويته في دمنهور وجد لجنة شبه خالية من الناخبين وصندوق اقتراع بلا ستارة، مع غياب استخدام الحبر الفوسفوري، ما اعتبره مؤشراً خطيراً على اهتزاز سلامة الإجراءات وضعف المشاركة.
وبين نفي الموالاة وتأكيد المعارضين، يبقى التقييم الموضوعي أقرب إلى أن المشهد شهد تفاوتًا في نسب الإقبال، حيث ارتبطت الكثافة في بعض الدوائر بشعبية مرشحين محددين – مثل النائب ورجل الأعمال محمد أبو العينين في الجيزة – أكثر من ارتباطها بوعي سياسي جماعي أو حافز ديمقراطي للمشاركة.
تحدثت تقارير وشهادات ميدانية عن ضعفٍ ملحوظ في الإقبال داخل العديد من اللجان، خصوصًا في المحافظات البعيدة عن مراكز الحشد الحزبي
مخاوف سيناريو الشيوخ تتصاعد
رغم أن العملية الانتخابية لم تُختتم بعد، إلا أن مجمل المؤشرات والوقائع الميدانية ترسم ملامح مشهد انتخابي لا يختلف كثيراً عن سابقه، وتشي بأن الارتياب وفقدان الثقة يظلان العنوان الأبرز في علاقة المواطن بالعملية السياسية.
فالمناخ العام الذي أحاط بالمرحلة الأولى – بما شمله من خروقات، واستخدام واسع للمال السياسي، وغياب تنافس حقيقي – يعيد إلى الأذهان أجواء انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، التي انتهت بهيمنة شبه مطلقة لأحزاب الموالاة، مقابل حضور رمزي لمعارضة وُصفت بـ"المستأنسة" أو "المُدارة".
ومع استمرار الحديث الرسمي عن "الجمهورية الجديدة" وضرورة ترسيخ التعددية السياسية، تبدو الممارسة على الأرض ماضية في الاتجاه المعاكس، حيث يتم ضبط حدود المنافسة بدقة، وتُدار العملية الانتخابية وفق هندسة سياسية تضمن استقرار الخريطة القائمة أكثر مما تسعى لتجديدها.
هذا التناقض بين الخطاب والواقع يجعل الثقة العامة في جدوى الانتخابات آخذة في التآكل، ويعمّق القناعة بأن النتائج – وإن لم تُعلن بعد – تكاد تكون محسومة سلفًا ضمن معادلة التوازنات الحزبية الموالية.
من هنا من المتوقع ألا تحمل العملية الانتخابية الراهنة مفاجآت تُذكر، فكل المؤشرات تُنذر بتكرار السيناريو ذاته، برلمانٌ تهيمن عليه أحزاب السلطة، ومعارضة محدودة التأثير، ومشهد سياسي جامد تتبدّل فيه الشعارات أكثر مما تتبدّل البُنى.
وبين التفاؤل الرسمي والتصريحات التي تَعِدُ بإصلاح سياسي متدرّج، يبقى الواقع محكومًا بمنطق السيطرة لا المشاركة، لتظل العملية الانتخابية – برغم اكتمال إجراءاتها الشكلية – فاقدة لروحها الديمقراطية ومضمونها التمثيلي الحقيقي.






