المرتزقة الكولومبيون يعودون إلى واجهة المشهد من بوابة الصراع في السودان
7 أغسطس 2025
برز اسم المرتزقة الكولومبيين عام 2021، عندما ارتبطوا بعملية اغتيال الرئيس الهايتي السابق جوفينيل مويز في مقر إقامته الرئاسي بالعاصمة "بورت أوبرنس". غير أن نشاطهم يعود إلى فترات أقدم بكثير، حيث شاركوا في العديد من مناطق النزاع، من بينها أفغانستان وبعض مناطق أوروبا الشرقية، قبل أن يتركز حضورهم تدريجيًا في الشرق الأوسط وإفريقيا، خاصة في اليمن وليبيا والسودان وعدد من دول غرب إفريقيا.
ويُعزى الاعتماد المتزايد على هؤلاء المرتزقة إلى عدة عوامل، في مقدمتها انخفاض التكلفة، والخبرة القتالية الكبيرة التي راكموها على مدى عقود من الصراع الداخلي في بلادهم.
وبفضل العوائد المالية الضخمة التي يوفرها مجال الارتزاق للشركات والمنظمات التي تتولى التجنيد، تحولت كولومبيا إلى "منجم لا ينضب" من الجنود المرتزقة، بحسب تقرير سابق لوكالة "فرانس برس".
وقد عاد المرتزقة الكولومبيون إلى واجهة الأحداث مؤخرًا، بعد إعلان الجيش السوداني، يوم الخميس، تنفيذه "ضربة جوية نوعية" استهدفت "طائرة إماراتية" كانت لحظة هبوطها في مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، وعلى متنها عشرات المرتزقة الكولومبيين.
وعلّق الرئيس الكولومبي غوستافو بيدرو على الحادث قائلًا إنه أوعز إلى سفيرة بلاده في القاهرة بالتحقق من عدد القتلى الكولومبيين، كما دعا، في رسالة عاجلة، إلى سن قانون في كولومبيا يَحظر الارتزاق.
أسفرت الغارة الجوية التي نفذها الجيش السوداني في مطار نيالا عن مقتل نحو 40 مرتزقًا كولومبيًا كانوا على متن طائرة إماراتية
طائرة المرتزقة الكولومبيين
قال التلفزيون السوداني الرسمي إن القوات الجوية السودانية نفذت، يوم الأربعاء، ضربة جوية استهدفت طائرة إماراتية كانت تقلّ عشرات المرتزقة الكولومبيين لحظة هبوطها في مطار نيالا.
وأسفرت الغارة، وفق مصادر رسمية سودانية، عن مقتل نحو 40 مرتزقًا كولومبيًا كانوا على متن الطائرة، إضافةً إلى تدمير شحنات من الأسلحة والعتاد كانت موجهة لدعم مليشيات آل دقلو، في إشارة إلى قوات الدعم السريع.
وأوضح بيان صادر عن الحكومة السودانية أن "العملية جاءت بعد متابعة دقيقة من الاستخبارات العسكرية، التي نجحت في تتبّع مسار الطائرة منذ إقلاعها من إحدى القواعد الجوية، وتحديد توقيت وموقع هبوطها بدقة."
ووصف البيان العملية بأنها "رسالة صارخة للداخل والخارج بأن السيادة السودانية خط أحمر"، مؤكدًا أنها تهدف إلى "مواجهة التدخلات الخارجية ومشاريع الارتزاق والتمزيق التي تدعمها جهات إقليمية"، لم يُسمِّها البيان.
وكان الجيش السوداني قد نشر في الأيام الماضية مقاطع فيديو قال إنها تُظهر مرتزقة كولومبيين يتجولون في مطار نيالا، وآخرين في مخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر، التي تحاصرها قوات الدعم السريع منذ أكثر من عام.
وتحدّثت تقارير سودانية عن وجود مرتزقة كولومبيين في إقليم دارفور منذ نهاية العام الماضي، وهو ما أكدته لاحقًا مصادر في الأمم المتحدة.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، نشرت وزارة الخارجية الكولومبية بيانًا أعلنت فيه أنها بصدد اتخاذ خطوات "لإعادة المواطنين الكولومبيين الذين تعرّضوا للخداع في السودان"، بحسب تعبيرها.
وكانت الحكومة السودانية قد اتهمت، الأسبوع الماضي، دولة الإمارات بـ"تجنيد وتمويل مرتزقة من كولومبيا للقتال في صفوف قوات الدعم السريع"، مشيرة إلى أنها تمتلك وثائق تثبت تورط الإمارات في تلك العمليات.
من جانبها، نفت الحكومة الإماراتية في بيان صدر الثلاثاء الماضي، هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "مزاعم باطلة ومناورات إعلامية هزيلة".
نشاط المرتزقة الكولومبيين
سلّطت تقارير عديدة الضوء على أنشطة المرتزقة الكولومبيين، مشيرة إلى أنهم ينشطون في مناطق عدة من الشرق الأوسط (اليمن والعراق)، وإفريقيا (ليبيا، السودان، مالي، والكونغو الديمقراطية)، وأميركا اللاتينية (المكسيك وكولومبيا)، إلى جانب أماكن متفرقة من أوروبا الشرقية. وتتراوح مهامهم بين "التدريب الأمني، وحماية المنشآت، والمشاركة في الأعمال القتالية".
تحدّثت تقارير سودانية عن وجود مرتزقة كولومبيين في إقليم دارفور منذ نهاية العام الماضي
ويشير الباحث الكولومبي خورخي مانيا، في حديثه لوكالة "فرانس برس"، إلى أنّه في كولومبيا "توجد خبرة كبيرة في مجال الحروب غير التقليدية"، مضيفًا أن "الجندي الكولومبي مدرّب، ولديه خبرة قتالية، كما أنه يُعَدّ يدًا عاملة منخفضة الكلفة".
وأوضح مانيا أنّ "آلاف الجنود النظاميين يغادرون الجيش الكولومبي سنويًا، إما لتعذّر حصولهم على ترقية أو زيادة في الراتب، أو بسبب استبعادهم نتيجة سوء السلوك، أو لانتهاء خدمتهم بعد إتمام 20 عامًا في الجيش". وغالبًا ما يلتحق هؤلاء المرتزقة بشبكات ومنظمات متخصصة في تجنيدهم.
وفي مقابلة مع إذاعة "دبليو راديو" الكولومبية، أفاد الكولونيل جون مارولاندا، رئيس الجمعية الكولومبية للضباط المتقاعدين من القوات المسلحة، بأنّ أعداد الجنود والضباط الذين يغادرون الجيش سنويًا تتراوح بين 10 و15 ألفًا.
وتعرض الشبكات التي تجنّد المرتزقة في كولومبيا رواتب شهرية تتراوح بين 2700 و4000 دولار، وهو مبلغ يُعتبر كبيرًا مقارنةً برواتب ومعاشات الجنود والضباط المتقاعدين.