المرأة والعدالة على الطريقة السورية

المرأة والعدالة على الطريقة السورية

جزيرة كوس اليونانية (Getty)

ما تزال العبارة القائلة إن المرأة نصف المجتمع خيالية وأقرب إلى التنظير منها إلى الحقيقة، ولا يأخذها المنادون بها على محمل الجد، فهي ليست أكثر من شعار يطلق في المناسبات أو ذريعة يستند قائلها إليها في الأحاديث العامة ليثبت تقدمه ويوجه الانتقاد إلى الجهلة الذين يضطهدونها، إلا في الحالات الإحصائية طبعًا. لكننا إذا نزعنا إلى مقاربة الواقع، فالحقيقة ليست كذلك على الإطلاق. ربما كان أمل النساء في الثورة كبيرًا، خاصة أولئك اللاتي عملن من أجلها وقدمن لها، وعلى الأرجح فإن الخيبة التي تعانين منها ليست واحدة تتجلى بالحال الذي آلت وانتهت إليه سياسيًا وإنسانيًا.

لطالما حلمت النساء بواقع مغاير يستطعن فيه أن يصبحن إنسانًا كاملًا بحقوقه وواجباته دون أن يتم الانتقاص من أهليته وقدراته، واقع يحقق لهن العدالة الاجتماعية من خلال قانون غير ذكوري، بعيدًا عن الأصوات النسوية التي لا تعرف رأسها من قدميها وتستعرض مفهوم الحرية بشكل أقرب إلى الكارثة.

لا تحتاج القضايا العادلة إلى مبررات، ولا يمكن أن نقبل رفضها أو الالتفاف عليها لدواع اجتماعية أو دينية أو سياسية مرحلية. القضايا شأنها شأن الأوطان لا بد من ثورات لصنعها ومنحها أحقيتها، والثورات غير الكاملة تأخذ ولا تمنح.

القضايا شأنها شأن الأوطان لا بد من ثورات لصنعها ومنحها أحقيتها

 وإذا نظرنا إلى واقع المرأة في الثورة لرأينا خرابًا يصعب توصيفه بدقة، لا واقعًا ثوريًا. هذا الخراب ليس من صنع النظام فقط، بل امتدت أيد لا تعد ولا تحصى إليه لتعمل على تأسسيه وتأثيثه. أيد سورية وغير سورية، ذكورية وأنثوية، صنعت من المرأة سلعة يتم تداولها أو تتداول نفسها لتحقيق أهداف مشروعة أو غير مشروعة في ظل اختلافنا على ما هو مشروع ومحق، وفي أحسن الأحوال جعلت منها ضحية ظرف اجتماعي أو سياسي حيث لا قانون يمكن أن يضع الأمور في نصابها ويحكم سلوك البشر، ولا أخلاق علنية تحاكمهم منطقيًا، وتحولت قضية جوهرية كهذه إلى مجرد ثرثرة لا طائل منها. وفي أحيان كثيرة كانت المرأة فاعلًا مهمًا في سقوطها من مرتبة الإنسان الكامل إلى مرتبة الجارية أو المحكوم في مجتمع ثوري يشكل جزء من مجتمع عام يحكمه الجنس وتسيره غرائزه.

الجميع يقوم بطرح القضايا المتعلقة بالمرأة على أنها شائكة ومعقدة وتحتاج المزيد من الوقت ليتم حلها اجتماعيًا وما إلى ذلك. قيود كثيرة يتم وضعها أمام حل وضع المرأة مذ ما قبل قيام الثورة وحتى الآن متذرعين في الغالب بالشريعة الإسلامية، مع أن أي قارئ للشريعة أو مطلع على تفاصيلها سيعرف تماماً أن القانون المدني الوضعي لم يأخذ من الشريعة سوى ما يلزمه ليبقي المرأة مخلوقًا ثانويًا وجد بأحسن الأحوال ليحقق حاجات الرجل ورغباته، والمطلع على القانون سيدرك حتمًا أن جزء كبيرًا منه وضع مراعيًا للعرف الاجتماعي الذي يراعي مصلحة الذكر في النهاية.

فمن حالات الاغتصاب وجرائم الشرف وضرب المرأة وتعدد الزوجات وعقود "النكاح" التي تمنح المرأة فيها مقابلًا ماديًا، والطلاق التعسفي إلى تجارة الجسد وزواج القاصرات بعقود قانونية أو غير قانونية، أي بيعهن أحيانًا مقابل المال أو الكفالة. كل هذه أشياء كانت تحدث في عهد النظام لأن النظام "العلماني المدني" لم يستطع أن يجابه شيوخ الدين ويغير قانون الأحوال الشخصية بشكل يتناسب مع العصر، وهذا مفهوم مسبقاً! لكن الذي لا يمكن فهمه هو ازدياد نسبة حدوث ما أشرنا إليه أعلاه في عهد الثورة، وعجز المعنيين بالأمر لا عن وضع حد له فقط، بل عن طرحه ومناقشته أيضاً، متجاهلين أو ناسين أن هذه الثورة قام جزء كبير منها على أكتاف النساء اللواتي عملن وما زلن يعملن من أجل الحياة في ظل غياب تناسق اجتماعي والعيش تحت سطوة أمر واقع عانى منه جميع السوريين، وغاضين أبصارهم عن العدالة الاجتماعية في هذا الشأن.

ثورة قبلت أن تدخل النساء في حربها لتكون ثورة شعب لا يصح أن تقبل حرمانهن من قانون يشكل لهن حالة أمان في ظل كل ما يمارس عليهن علنًا دون خجل. لا ينتهي الحديث هنا بالطبع، لكن إلى متى سنبقى في إطار التجارة بالكلام وإلقاء الخطب؟ سؤال برسم المعنيين والمتنفذين المكتفين بوضع أيديهم في جيوبهم سراً والتبجح بالقضايا علنًا.