المجلس الانتقالي في اليمن.. تصدع على وقع انحسار نفوذه العسكري
11 يناير 2026
لا تتوقف في اليمن ارتدادات التطورات المتسارعة التي تعيد رسم المشهدين السياسي والعسكري مجددًا، والتي كان آخرها تصدع المجلس الانتقالي الجنوبي المنادي بانفصال جنوب البلاد عن شمالها.
وقد شكّل الهجوم الذي شنّه المجلس الانتقالي، مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، على محافظتي حضرموت والمهرة الاستراتيجيتين شرقي البلاد، وسيطرته عليهما، محطة مفصلية استكمل من خلالها بسط نفوذه على المحافظات الجنوبية الثماني، التي كانت تشكل دولة الجنوب قبل عام 1990، ما فجّر تداعيات واسعة على المستويين المحلي والإقليمي.
وبينما شرع الانتقالي فور إحكام قبضته على المحافظات الجنوبية في مساعيه لإعلان انفصال، تغير المشهد سريعًا في اتجاه معاكس، حيث تمكنت القوات الحكومية بدعم سعودي من استعادة السيطرة، في الثالث من الشهر الجاري، على حضرموت المحاذية للمملكة، والمهرة الحدودية مع سلطنة عمان.
وسبق ذلك التطور اتهام رئيس المجلس الرئاسي الإمارات بدعم ما وصفه بـ"تمرد المجلس الانتقالي"، وإصدار قرار يقضي بخروج كافة قوات أبو ظبي من البلاد، في خطوة لاقت تأييدًا سعوديًا.
وعلى وقع انحسار نفوذ الانتقالي في حضرموت والمهرة، تسارع التداعي لتمدد القوات الحكومية مع ترحيب السلطات المحلية في محافظات شبوة وأبين ولحج، ووصول ووحدات منها إلى العاصمة المؤقتة عدن، لتصبح معظم المحافظات الجنوبية والشرقية تحت سيطرة الحكومة.
وفي خضم هذه الوقائع، لا يزال رئيس المجلس عيدروس الزبيدي مختفيًا عن الأنظار منذ إعلان التحالف بقيادة السعودية هروبه من عدن إلى أرض الصومال، وصولًا إلى الإمارات، فيما يقول المتحدث باسم المجلس إن الزبيدي لا يزال في عدن.
انقسام المجلس الانتقالي
وظهرت آخر تجليات الأزمة في الانقسام العلني داخل قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد إعلان مجموعة بارزة منها حل المجلس الذي تشكل عام 2017.
ووسط مجموعة من قيادات المجلس في العاصمة السعودية الرياض، أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن، عبد الرحمن الصبيحي، حل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج.
تراجع نفوذ الانتقالي في حضرموت والمهرة سرّع تمدد القوات الحكومية، التي استعادت بدعم محلي السيطرة على عدن ومعظم الجنوب والشرق
ونفى الصبيحي المشاركة في قرار الهجوم الذي شنته قوات الانتقالي في حضرموت والمهرة، مؤكدًا أن ذلك أضر بالقضية الجنوبية، وتسبب في الإساءة إلى العلاقة مع التحالف بقيادة السعودية.
وأوضح أن قرار الحل يأتي للعمل على تحقيق الهدف الجنوبي العادل، من خلال التهيئة للمؤتمر الجنوبي الشامل تحت رعاية الرياض.
في المقابل، رد المتحدث بالسم المجلس، أنور التميمي، في منشور على صفحته الرسمية على فيسبوك، أن القرارات المتعلقة بالمجلس لا يمكن اتخاذها إلا من قبل المجلس بكامل هيئاته وبرئاسة الرئيس، مشيرًا إلى أن ذلك سيتم فور الإفراج عن وفد المجلس الانتقالي الموجود في الرياض.
وعقد قيادات في المجلس اجتماعًا اليوم في عدن، وأكدت في بيان لها أن إعلان ما يُسمّى "حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي" يُعد باطلًا بطلانًا مطلقًا، ومنعدم الأثر قانونيًا وسياسيًا، متهمة الرياض باحتجاز وفد المجلس بالمملكة.
اللجوء إلى التظاهر
لجأت قيادات الانتقالي المعارضة لحل المجلس إلى دعوة أنصار المجلس إلى التظاهر في عدن، التي شهدت فعالية جماهيرية في ساحة العروض بمديرية خور مكسر، معبرة عن رفضها لقرار الحل واستمرار دعمها للزبيدي.
وجاءت التظاهرة في المدينة التي تعد العاصمة المؤقتة للبلاد، رغم إعلان السلطات المحلية فيها تعليق إقامة أي مظاهرات أو تجمعات أو فعاليات جماهيرية لدواع أمنية، خلال الفترة الحالية.
في حضرموت، أعلنت السلطات أيضًا منع تنظيم أن احتجاجات غير مصرح بها، مهدد باتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين في خطوة جاءت مع مساعي قيادات بالانتقالي تنظيم مظاهرة بمدينة المكلا عاصمة المحافظة.
ترحيب حكومي يمني
ووصف وزير الخارجية اليمني، شائع الزنداني، أن قرار قيادات الانتقالي حل المجلس بـ"الشجاع" الذي يعكس وعيًا بحساسية المرحلة.
وأوضح أن القرار يؤكد أن المصلحة العامة لقضية الجنوب فوق أي اعتبارات أخرى، ويمهد لفرصة تاريخية لحوار مسؤول يضع قضيتهم على طريق الحل العادل والشامل.
من جهته رحب رئيس مجلس النواب اليمني سلطان البركاني، بقرار حل الانتقالي، مؤكدًا أن ذلك يجعل سفينة الوطن تبحر الى برّ الأمان
في السياق، ثمن مجلس الشورى اليمني قرار حل المجلس مؤكدًا أن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تتم عبر مشاريع أحادية، أو أطر مفروضة بقوة السلاح، وإنما من خلال مسار سياسي جامع، يستند إلى المرجعيات الوطنية، ويحترم إرادة المواطنين، ويصون وحدة الصف، ويخدم استقرار اليمن والمنطقة.
ترحيب سعودي
اعتبر وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، قرار قيادات الانتقالي حل المجلس بالشجاع والحريص على مستقبل القضية الجنوبية، وتشجيعًا لمشاركة باقي أبناء الجنوب في مؤتمر الرياض خدمة لقضيتهم.
وأشار على حسبه بمنصة إكس، أن القضية الجنوبية أصبح لها مسار حقيقي ترعاه الرياض ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض، الذي قال إن المملكة تسعى من خلاله لجمع أبناء الجنوب، من أجل إيجاد تصور شامل للحلول العادلة بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم.
وكشف أن الرياض ستشكل لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية للإعداد للمؤتمر، الذي سيشارك فيه شخصيات جنوبية من كافة محافظات الجنوب دون إقصاء أو تمييز، مؤكدًا أن المملكة ستدعم مخرجات المؤتمر ليتم طرحها على طاولة حوار الحل السياسي الشامل في اليمن.
تدابير لتعزيز الأمن
بالتزامن مع هذه المستجدات، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية تنفيذ جملة تدابير قالت إنها تهدف لتعزيز الأمن والاستقرار، والحفاظ على السكينة العامة وتأمين المصالح العامة والمنشآت السيادية، وتأمين الطرق الرئيسية.
وأكدت في بيان لها التزامها بالتصدي لأي محاولات للعبث بأمن وسلامة المواطنين وزعزعة الاستقرار والتزامها بحماية الحقوق والحريات وصون المكتسبات والثوابت
وشددت على أنها لن تتهاون في التعامل الحازم مع أي مخططات تخريبية تسعى إليها أي جماعة، أو عناصر تسول لها نفسها المساس بأمن الوطن والمواطنين.
وأعلنت أنها لن تسمح باستغلال أي حقوق أو مطالب للتخريب والفوضى.
توحيد القرار الأمني
في العاصمة السعودية الرياض، جرت مراسم أدى فيها عبد الرحمن شيخ اليافعي اليمين الدستورية أمام رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، بمناسبة تعيينه وزيرًا للدولة محافظًا لمحافظة عدن.
ووفق وكالة الأنباء اليمنية الرسمية، اجتمع العليمي عقب أداء اليمين مع محافظ عدن الجديد بحضور رئيس الحكومة لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، عقب نجاح عملية استلام المعسكرات، وفي مقدمتها تطبيع الأوضاع، وتثبيت الأمن والاستقرار، وتعزيز سيادة القانون.
وشدد العليمي على أولوية توحيد القرار الأمني، وتعزيز دور اللجنة الأمنية في المحافظة، بما في ذلك احتكار السلاح بيد الدولة وحدها، وتمكين مؤسساتها الوطنية من صلاحياتها الحصرية.
ووجه العليمي محافظ عدن، وقيادة السلطة المحلية، بالعمل مع الحكومة على تحسين الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء، وتهيئة بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، وإزالة المعوقات الإدارية، وتحسين الإيرادات المحلية والسيادية.
تفكك طبيعي
ويرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني، عبد الرقيب الهدياني، في حديثه لموقع "الترا صوت"، أن هناك تفككًا طبيعيًا يضرب المجلس الانتقالي بسبب المتغيرات الكبيرة التي عصفت به وذهبت بعيدًا وتجاوزته.
وذكر أن الانتقالي ألقى بنفسه وسط صراع إقليمي، ووضع مشروعه ضمن الأجندة الإسرائيلية، واصفًا ذلك بالجنون وغياب البصيرة والغباء.
وأشار إلى أن الاستحقاقات الجديدة اليوم والتدخل السعودي القوي والحسم الذي أبدته قيادة الحكومة الشرعية اليمنية، أجبر المكونات والقوى والشخصيات التي تشكل منها الانتقالي إلى القفز من السفينة الغارقة والعودة إلى أصولها وقواعدها التقليدية السابقة.
محاولة إعاقة التغيير
واعتبر الهدياني رفض قيادات في الانتقالي حلّ المجلس ودعوتها للاحتجاجات أمرًا طبيعيًا لوفاة قريبة لمكون كان يستفرد بالساحة لعشر سنوات، ولديه دعم إقليمي كبير وقوات عسكرية وموارد وإمكانات.
وأشار إلى أن ما أسماها البقايا ستحاول رفض التغيير، مؤكدًا أن بياناتها وفعالياتها الرافضة ليس لها أفق سياسي أو مكاسب غير تحقيق الفوضى ومنع استقرار وتطبيع الأوضاع للسلطة الجديدة، ومحاولة إعاقة التغيير المترجم على الأرض.
ولفت إلى أن السنوات العشر الماضية أثبتت فشل المجلس الانتقالي وعبثه وفساده وعدميته، موضحًا أن معقل الانتقالي لا زال يمانع لكن القطار سيمضي في ظل تحركات إقليمية وحليف الحكومة الشرعية السعودية، التي قال إنها أظهرت جدية وفاعلية لإحداث تغيير حقيقي على الأرض.
ويعتقد الهدياني أن هذه الممانعة ستذوب مع الأيام، مضيفًا أن الانتقالي انتهى بعد استنفاد مقوّمات البقاء.
الانتقالي وكيل
يقول رئيس مركز المخا للدراسات، عاتق جارالله، لـ"الترا صوت" ، إن الانتقالي لم يقدم نفسه كمشروع وطني وإنما كوكيل، ظلت تلك الوكالة تنحت من جماهيره الشعبية بشكل كبير خلافًا للمستفيدين منه.
وأشار إلى أن الوكالة تطلبت منه عدم تقديم الخدمات وبناء رؤية استراتيجية، وتحرك بمسؤولية غير ما يطلب منه للتنفيذ ما أضر بمستقبله.
ولفت إلى أنه في الوقت ذاته تضرر النفوذ الإماراتي من خلال البناء على المجلس الانتقالي، باعتباره كيانًا طارئًا وحديثًا ليس له جذور شعبية ولا تجربة سياسية عميقة.
وأضاف "الانتقالي تضرر أيضًا لأنه ينشد ويسعى لاستعادة دولة بالتعاون مع دولة صديقة لا تدعم بناء الدول بل تدعم تفريخ المليشيات".
ويرى أن الإمارات رغبت أن يبقى الانتقالي عبارة عن مليشيا، وشرعنت له الدخول في الشرعية اليمنية لكنها لم تساعده في التقدم بخطوات مسؤولة تجاه المواطنين، وآخرها القرار الخاطئ (في إشارة للهجوم على حضرموت والمهرة) الذي قال إنه ضرب النفوذ الإماراتي ووجود الانتقالي نفسه.
ويعتقد جارالله أن مصلحة المنطقة اليوم تكمن في انتهاء الانتقالي وحقبته، لكي يقفز أبناء هذه المنطقة من قارب التمرد إلى قارب الحوار والدولة والشراكة.
وأضاف: "اليوم بعد ذهاب الزبيدي ودخول السعودية في خط المواجهة وصرامة الشرعية اليمنية معه، أعتقد أن المجلس الانتقالي قد انتهى سواء بشكل حاسم أو تدريجيي".
مستقبل مرهون بعاملين
وحذر جارالله من أن ترك الانتقالي في نصف المرحلة سيشكل عبئًا إضافيًا على المنطقة، لأنه سيعتمد على فكرة التخريب والاستنزاف وليس على المنافسة للمكونات الأخرى.
وخلص إلى أن الأيام أثبتت أن مستقبل اليمن مرهون بعاملين أساسيين، أولها الثقة بين المكونات الوطنية التي يقول إن غيابها خطير جدًا، وأفقد اليمنيين عاصمتهم صنعاء، وجعل الأحزاب السياسية خارج اللعبة، وأطال أمد النزاع مع الحوثيين، وجعل المجلس الانتقالي يتجذر في عدن ويتمدد شرقًا.
ووفق جارالله، فإن العامل الثاني يتمثل في القرار السعودي، الذي إنه كلما ارتفعت حساسيته تجاه الفوضى في اليمن حسم الأمر، وكلما رأى أن ذلك غير مقلق تراخى في تحركه تجاه اليمن.
ودلل على ذلك أن الإمارات كان لها وجود لمدة العشر السنوات الماضية في جنوب اليمن إلا أنها خرجت في ثمان ساعات، عندما التقت الإرادة الوطنية اليمنية الشرعية مع قرار سعودي حاسم.
وأكد أنه لا يمكن للقوى الوطنية اليمنية أن تعمل شيئًا دون إسناد سعودي، كما لا يمكن للإسناد السعودي أن يكون فاعلًا وناجزًا مثل الآن دون شرعية يمنية.
وأضاف أن الإمارات عملت على شرعية القوة، بينما السعودية عملت على قوة الشرعية، حيث ظهر في الفترة الأخيرة أن قوة الشرعية مع إسناد إقليمي أقوى بكثير ويتغلب على شرعية القوة حتى في ظل إسناد إقليمي".
وتابع: "مستقبل اليمن مرهون بقوة الشرعية وقوة الحليف الإقليمي وتخوفه من انتشار الفوضى في محطيه".
ويستبعد جارالله أن تترك الإمارات هذا المسار، متوقعًا أن تشتغل أبو ظبي من خلال خلاياها للعودة إلى اليمن عبر الشباك بعد خروجها من الباب.