المجلات الثقافية.. كرامة الأدب المهدورة

المجلات الثقافية.. كرامة الأدب المهدورة

من موقع أرشيف المجلات العربية

هل سجلت المجلات الثقافية غيابًا ملحوظًا لدى الجيل الجديد من القرّاء، الذين وجدوا أنفسهم في عالم الإنترنت دون أن يتسنى لهم المرور في لجج الأوراق؟ ماذا عن الأجيال التي عرفت الانتظار والترقّب في سبيل المجلات، هل لا تزال لديهم المشاعر نفسها؟ أم باتت في عداد المفقودات؟

كانت الثقافة تصنع في المجلة. كانت المجلة تصنع تيارات ومدارس وأذواق. ناهيك أنها كانت قابلة للأرشفة بسهولة في المكتبات الشخصية، لكنّ غيابها الآن يسجل بين كل ما يسجله غياب المرجع والأرشيف.

رمينا هذه الهواجس إلى عدد من الكتّاب العرب، فجاء تفاعلهم في نصوص يعتصرها الحزن والحنين والسؤال.. إلخ.

 

دنى غالي: اعتدنا غياب المجلّات الثقافية

دنى غالي

أكاد أقول وعذرًا: ثمّ ماذا؟ كما اعتدنا غياب المقومات الأساسية التي تؤسِّس لثقافة حقيقية تغطّي كافة مجالات حياتنا، اعتدنا أيضًا غياب المجلّات الثقافية ضمنًا. حيث ما ينقصنا قبل كلّ ذاك هو يوم طبيعي فحسب، يوفّر لك فائض طاقة وهدوء، ويجعلك تتفقّد نفسك وتتحسَّس احتياجاتك. تُفكّر في أن تخطف إلى الكشك أو بائع الكتب، فتسلك الطريق الآمن والنظيف لتشتري العدد الأخير قبل أن ينفذ من مجلة ما مقدور على سعرها، وتعود إلى البيت الذي تكون فيه الكهرباء والماء بمستوى كرامتك، مقتنعًا أنّك كسائر البشر، قد ينقصك أشياء كثيرة. ولكن ليس مهمًّا، همّك ما هو إلّا في توسيع عالمك وتربية ذائقتك وتمرين ذهنك.

العالم عمومًا في تراجع في الجانب الروحي والإنساني، وشأننا أو حصّتنا للأسف مضاعفة في كل شيء. لو نفكّر فقط في دور وتأثير الـ"ذا نيويوركر" والـ"ذا باريس ريفيو" والـ"غرانتا" في الكوّة التي فتحتها على مدى أجيال اعتمدت توجهات فكرية وأدبية جديدة وفكّت التباسات من خلال نقاشات فكرية للمفاهيم المختلفة. مشاريعنا، الجميلة منها بهذا الخصوص تبزغ لتغيب بعد يومين مثل قدر حتمي.

 

زياد خدّاش: المجلّة الورقية تحمي النصّ الأدبي وتصون كرامته

زياد خداش

منذ فترة طويلة وأنا أفكّر في هذا الموضوع. منذ فترة طويلة وأنا أشعر بأنّ هناك مشكلة، ومشكلة كبيرة اسمها "غياب المجلّة الثقافية الفلسطينية الورقية". والموضوع هنا ليس حنينًا للورق ورائحته، ولا لزمنٍ مضى. ولكنّ الموضوع يتعلّق بهيبة النص، وجدّيته وعمقه أيضًا.

لماذا أشعر أنّ تلوّثًا ما يُصيب النص عندما أنشرهُ على صفحة الفيسبوك، أو في أحد المواقع الإلكترونية؟ لماذا أشعرُ أيضًا أنّ قيمة النصّ الفنّية والموضوعية حين أنشرهُ إلكترونيًا، ليست هي ذاتها قيمته حين يُنشر في مجلّة ورقية؟ لماذا أشعرُ بالتميّز والاختلاف عند النشر ورقيًا، بينما أشعر بأنّني عادي ومبتذل حين أنشرُ في الصحف الإلكترونية؟

لماذا أشعرُ أنّ النشر في مجلّة ورقية يشبه الإقامة في جزيرة هادئة لا يستطيع زيارتها إلّا من يمتلك قاربًا قويًّا. بينما يبدو النشر إلكترونيًا في مواقع التواصل كالإقامة في سوق خضار، أو حارة شعبية؟ ما الذي يمنح النشر في مجلّة ورقية ما يشبه الحصانة الأدبية؟ إنّ للقصّة أبعادًا كثيرة: أوّلها هي أنّني شخصيًا أرغبُ تمامًا بالابتعاد عن الثرثرة والضجيج، والتفاهات التي تعجّ بها صفحات مواقع التواصل. فحول المجلّة الورقية سورٌ عالٍ، وأبواب لا يملك مفاتيحها الدخلاء والمتطفّلون. أمّا مواقع التواصل، فإنّها تشبه سوقًا بإمكان أي شخص دخوله في أي وقت.

أتذكّر نصوصي في مجلّة "الكاتب الفلسطينيّ" التي كان يرأس تحريرها الأستاذ أسعد الأسعد. كما أتذكّرها أيضًا في مجلّة "الكرمل" التي كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير محمود درويش. وأتذكّرها في مجلّات عربية عدّة نشرتُ فيها أولى قصصي الأدبية. كنت حينما أرى نصًّا لي، أشعر بفرحٍ غريب لسببين، الأوّل هو اعتزازي بأنّ اسمي يتجاور مع أسماء أدبية محترمة في العالم العربيّ. أمّا السبب الثاني، فهو شعوري بالحماية من تطفّل أدعياء الثقافة والكتابة وتدخّلاتهم المتعجرفة والسطحية التي تأتي تحت عنوان: الحق في التعبير وإبداء الرأي.

الموضوع ليس أنّني ضدّ أن أتلقّى آراء للقرّاء حول نصوصي. فأنا أرحّب دومًا بكلّ الآراء سواء أكانت إيجابية أو سلبية، ولكن شرط أن تكون من أشخاص جدِّيين يقرؤون الكتب، ويحترمون خيارات وأذواق الأدباء.

وبينما تتيح مواقع التواصل للآخرين شتمك ومهاجمتك لأسبابٍ تافهة، تضمن المجلّة الورقية للكاتب، لا حماية كرامته وحسب؛ بل تضمن أيضًا حماية النصّ الأدبي وتصون كرامته. كما أنّ النصوص في المجلّات الورقية تعيش أكثر من تلك التي تتعرّض في مواقع التواصل للتشويه والسرقة.

حديثي هذا ليس ضدّ المواقع الإلكترونية المحترمة، بل ضدّ الابتذال والإساءة التي تحدث في مواقع أخرى. ولهذا الحديث علاقة بميلي إلى العزلة والكتابة البعيدة عن الضجيج. وأعتقد أنّ هناك وجه آخر للقصّة، وهو أنّ تواجد الكاتب المستمر في شبكة الانترنت من خلال نصوصه وصوره، قد يضرُّ بهيبته، كما أظنّ.

لنتخيل معًا محمود درويش كاتبًا فيسبوكيًا ينشر ويتفاعل ويشكر المعجبين. وأيضًا، يكتب تحت صور أصحابه "منوّر" أليس هذا المشهد أقرب إلى الكابوس؟ إذًا، في المجلّة الورقية هناك تواجد للنصوص وهناك غياب لجسد وصورة صاحب هذا النص، ولحياته الشخصية أيضًا ولعلاقاته. لنتخيّل أيضًا نصوصًا تقرأها في مجلّة ورقية تأتيكِ مرّةً في الشهر، هل ستتعامل معها مثل النصوص التي تقرأها يوميًا في مواقع التواصل؟ طبعًا لا. الموضوع يشبه أن تذهب لتفتح صندوق بريدك فتجد رسالة جميلة من صديقك، ألا يختلف الأمر هنا عن الرسائل التي تصلك إلكترونيًا؟

 

لونيس بن علي: المجلّات الإلكترونية هي بدائل صحّية

لونيس بن علي

أنا ابن مدينة عريقة تُسمّى بجاية (240 كلم شرق الجزائر العاصمة). وهي المدينة ذاتها التي أقام فيها العلّامة عبد الرحمن بن خلدون بضعًا من سنوات عمره، وقد ذكرها في مقدّمته الشهيرة، بل إنّ القلعة التي قيل إنّه عاش فيها، ما زالت إلى اليوم تطلُّ بكبرياء مجروح على ميناء المدينة، وقد تحوّلت إلى معلم أثري شبه ميّت. بجاية التي زارها ليوناردو دا فينشي طالبًا لعلومها، هي اليوم بلا مكتبات حقيقة، بل يندر أن تُصادف فيها مكتبة كبيرة لبيع الكتب.

أتذكّر أنّني منذ سنواتٍ كنتُ مواظبًا على اقتناء مجلّة العربيّ الكويتية. وأتذكّر أنّني كنتُ أقطع مسافاتٍ طويلة لأجل الحصول على نسخة منها، لأنّ مكتبة واحدة كانت تبيعها.

كان الحصول على نسخة من مجلة العربي حدثًا خاصًّا، فلا أكاد أصل إلى البيت قبل أن آتي على نصف المجلة داخل الحافلة. استمرَّ هذا التقليد البهيج لبضع سنوات، وجاء اليوم الذي توقّفت المكتبة عن بيع مجلة العربيّ، وحين سألتُ المكتبي عن السبب، قال لي: لا أحد يقتنيها تقريبًا، فأنا أُرجع النسخ كل نهاية شهر، وليس لي مكان كاف لتكديسها. ينبغي أن نتخيّل حجم الحزن الذي أصابني لحظتها، كأنّي فقدتُ عزيزًا إليّ.

للأسف، تتحوّل مدننا بوتيرة سريعة، وتتخلّص مع الوقت من آثارها الثقافية، فالكثير من المكتبات أغلقت أبوابها، أو تحوّلت إلى متاجر لبيع المأكولات السريعة، أو لبيع الأحذية أو الألبسة النسائية. لم تعد الثقافة تدرّ الأرباح.

وأنا أستحضر هذه الذكريات، أشعرُ بفداحة الفراغ الذي خلّفه غياب مجلّة ثقافية كانت المنفذ الوحيد إلى عوالم الثقافة الراقية، خاصّةً وأنّ البدائل، آنذاك، لم تكن متوفرة كما هي اليوم، وأقصد شبكة الإنترنت. لقد اكتشفتُ مع مجلّة العربيّ متعة قراءة المقال الأدبي والنقدي، ولن أخفي سرّا بأنّ قراءة المجلة قد علمتني فنون كتابة المقال.

غياب المجلّات الثقافية هو مؤشّر خطير على تآكل مساحات الوعي بأهمية الكتابة والقراءة في بعديهما الجماهير. فلا ننسى بأنّ المجلّة الثقافية هي مساحة عمومية جدًا لبثّ الثقافة الأدبية والعلمية والفنية في أوسع نطاق جماهيري ممكن، عكس المجلّات المتخصِّصة التي تُصدرها الجامعات أو مراكز الأبحاث، فهي تستهدف أصلًا شريحة من الباحثين الأكاديميين.

صحيح أنّنا اليوم أمام تحوّلات تكنولوجية هائلة، أتاحت لنا بدائلَ جديدة، حيث أصبحنا الآن، وبمجرد نقرة على حاسوب أو لوح إلكتروني أو هاتف ذكي، نتصفح مجلّاتنا المفضّلة، مع خدمات التنزيل في صيغتها الإلكترونية. فأنا شخصيًا أجدُ في هذا التطوّر دافعًا لتطوير الثقافة، وتقريبها من شرائح المجتمع المختلفة، بل وتقديمها في حلّة فنية راقية جدًا. والأهم من كلّ هذا، هو تجربة المجلّات الإلكترونية الجادّة، التي أعتبرها ثمرة ثقافية حقيقية، ليس بسبب سهولة الوصول إليها، بل بالنظر إلى طابعها التفاعلي، فهي تؤسِّس لنمط تفاعلي للثقافة. فالمجلّة الإلكترونية تمنح إمكانية المساهمة بين الكاتب والقارئ في إثارة نقاشات الساعة، والمشاركة في بناء خطاب ثقافي حواري جاد.

إنّها إلى حدٍّ ما، أقصد المجلات الإلكترونية، شكلٌ من أشكال المقاومة في ظل غياب سياسة توزيع حقيقية للمنشورات الثقافية الورقية، سواء أكانت مجلّات أو كتبًا. ثمّ لا يجب أن ننسى بأنّ الثقافة لا تتعارض مع التقنية، ما لم يسأ توظيفها.

 

عمر الجفّال: صارت لنا براعة مرعبة في التعامل مع الخسارات

عمر الجفال

تعويض غياب المجلاّت الورقية ممكن. الإنسان اليوم يتكيّف مع غياب الموطن، والكرامة، والعائلة، والحياة الكريمة، والديمقراطية، ولا بدّ أن يتكيّف مع غياب المجلات أيضًا.

هي خسارة أخرى تضاف إلى لائحة خساراتنا الكبيرة. وهذه الخسارات صارت لنا براعة مرعبة في التعامل معها، وأخشى أن تصبح أمرًا عادياً مع الزمن. لكن تعويض غياب المجلّات يبدو صعبًا أيضًا، إذ إنّ المجلاّت الرصينة كانت توظّف محررين يقومون بفحص المواد بشكل جيّد، ويتثبّتون من المصادر المادة العربيّة، ويراجعون المواد المترجمة ويطابقونها مع الأصل، أمّا اليوم، فنعتمد على المواقع الالكترونية، والتي في غالبها لا تتثبّت من المصادر ولا من جودة الترجمة، وأحيانًا لا يقوم أحد بتحرير المواد، ولذا تجد الكثير من الأخطاء فيها.

بكلّ الأحوال، غالبًا ما أعود إلى أرشيف المجلّات العراقيّة والعربيّة على الإنترنت. هو أرشيف ضخم، وليس من السهل قراءة كلّ مواده، أمّا عن متابعة الجديد، فهناك عدّة مترجمين وكتّاب وشعراء أتابعهم فيما ينشرون في المواقع الكترونية أو ما تبقّى من الصحف التي يداومون على النشر فيها.

وفي الأعوام الأخيرة صرت ميالًا أكثر إلى قراءة الكتب، حتّى تلك التي لا تثير الكثير من اهتمامي. هو أمر شاق وممل أحيانًا، كانت المجلّات، في بعض مفاصلها، تقدّم هذه الخدمة، وأعني تقديمها اختصارًا وافيًا لمدرسّة أدبيّة أو إنسانية، أو حتّى لفكر مفكّر ما، ويكتفي المرء بهذا الاختصار، إذ إنه ليس مستعدًا أو ليس لديه الوقت للاطلاع بشكل كامل على أفكاره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

6 من أبرز المترجمين العرب الشباب

ماذا يقرأ كتّاب "ألترا صوت"؟