المجلات الثقافية في مصر.. بين التراجع ومحاولات استعادة الريادة
25 نوفمبر 2025
هل هي النوستالجيا، كما يرى البعض، ما يجعلنا نبكي على واقع متراجع للمطبوعات الثقافية المصرية، أم أن بالفعل ذلك التراجع ملموس وحقيقي؟ أظن أن الكثيرين يتفقون على أن الواقع الحالي متراجع سياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا، مما يجعل خروجَ إصداراتٍ رفيعة المستوى أمرًا صعبًا، كما نأمل ونرى أنه يليق بمصر. يعزينا أن الكثير من العقول المصرية ما زالت قادرة على تقديم مخرج ثقافي مميز، وأن هناك محاولات دائمة للاستمرار برغم ضعف الإمكانات، خاصة فيما يخص المطبوعات التي تصدرها مؤسسات مملوكة للشعب.
عن تجربته كآخر رئيس تحرير لمجلة "الشعر"، التي كانت تصدر عن وزارة الإعلام، يعطينا الدكتور فارس خضر نظرة صادمة بعض الشيء. فيصف خضر واقعًا محبطًا ساهم في الانحدار الذي تشهده: "لا ينتظر أن تصنع الصحف الثقافية الرسمية حراكًا ثقافيًا. هي بالكاد ترصد الواقع الأدبي. فتنشر نصوصًا لأدباء، يرون أن لهم في الإصدار الأدبي الرسمي حقًا مكتسبًا، وأن عليهم أن يحصلوا على حصتهم في النشر، حسب نظرية المحاصصة. بينما الحراك الحقيقي تصنعه الصحف الثقافية المستقلة - جرائد ومجلات - ذات الانحيازات الواضحة لمجموعة من القيم الفنية، وذات الأهداف المحددة في تدشين هذه القيم والدفاع عنها وتقديم الأدباء البارزين والمعبرين، في نصوصهم، عن هذه الانحيازات. وقتها تختفي نظرية المحاصصة، ويكون الهدف واضحًا، وهو أمر يحتاج إلى مناخ اجتماعي واقتصادي على درجة من السواء، ويحتاج إلى وعي من القراء أيضًا بطبيعة الدور الثقافي لهذه الصحف".
ويضيف خضر: "مجلة الشعر كغيرها من المجلات الرسمية، بدأت في كانون الثاني/يناير 1964 برئاسة الدكتور عبد القادر القط وأغلقت في 2017. وكان سبب توقفها عن الصدور عبثيًا، كأشياء كثيرة في حياتنا. ففي المرحلة التي تلت ثورة كانون الثاني/يناير 2011، ابتلينا بمسؤولين، كانوا يظنون أن جواز بقائهم في مواقعهم مرهونٌ بتقليص حجم الإنفاق إلى أدنى درجة، حتى لو أغلقوا مجلة متخصصة، تعتبر الوحيدة في الوطن العربي، وكانت تكلفة طباعتها لا تتجاوز الخمسة آلاف جنيه!".
ويؤكد أنه كانت هنالك محاولات لاستمرار المجلة، منها سعي الدكتور هيثم الحاج علي الرئيس الأسبق للهيئة المصرية للكتاب إلى إصدار مجلة الشعر عن هيئة الكتاب: "بعد شهور من المداولات تم تحرير العقد وتوقيعه من رئيس الهيئة الوطنية للإعلام وتسليمه إلى هيئة الكتاب." لكن ما يذكره الدكتور فارس خضر عما حدث بعد ذلك هو ما يستوجب تحقيقًا بشأنه، إذا توفرت رغبة حقيقية في إجلاء الأمور والنهوض بالوضع الثقافي الذي كان أحد ركائز تأثير مصر الثقافي لعقود. ما حدث ببساطة أن "العقد اختفى. كيف حدث هذا ولماذا؟ لا أعرف." يقول خضر.
ويستدرك: "أذكر بنوع من الفخر أن مجلة الشعر قدمت ملفًا كاملًا عن الشاعر أحمد فؤاد نجم في عصر مبارك بينما كانت قصيدة نجم الساخرة في الريس المخلوع تهز المشهد الشعري. وأن المجلة أيضا قدمت ثلاثة ملفات عن أدباء معتقلين خلال فترة اعتقالهم وليس بعدها وهم: يارا رفعت سلام وعمر حاذق وأشرف فياض".
أما الشاعر والصحفي أحمد الشهاوي والذي تولى مؤخرًا رئاسة تحرير مجلة إبداع، التي تأسست عام 1983، خلفًا للشاعر والصحفي أيضًا إبراهيم داوود، فيرى أن: "مصر لم تفقد دورها الثقافي، لكنها فقط تحتاج إلى من ينفض الغبار عن ذاكرتها، ويعيد الاعتبار إلى أدواتها".
ويحدثنا الشهاوي عن طموحه للمجلة قائلًا:
"حين كُلِّفتُ برئاسة تحرير مجلة إبداع، وكان يرأس تحريرها الناقد الدكتور عبد القادر القط، شعرت أنني لا أتولى فقط مسؤولية إصدار ثقافي، بل أتحمل جزءًا من حلم ثقافي مصري أوسع، وهو أن تستعيد مصر دورها الرائد في المشهد الثقافي العربي، وأن تستعيد الكلمة وزنها، والمجلة تأثيرها، والمبدع مكانته. لقد جاءت مجلة "إبداع" إلى الحياة في أوائل الثمانينيات، بوصفها منبرًا للتجديد والانفتاح والاختلاف. واليوم، بعد ما يقرب من أربعة عقود، أجدني مطالبًا بأن أضع المجلة في قلب المعادلة الثقافية من جديد، لا لتكون فقط "إصدارًا دوريًّا"، بل لكي تصبح مساحة حقيقية للحرية ومختبرًا حيًّا للإبداع العربي والمصري على حدٍ سواء. وأنا لا أراهن على الشكل، بل على الجوهر فمنذ اللحظة الأولى، كان قراري واضحًا لا تجميل من دون مضمون أجمل وأعمق، ولا تطوير من دون محتوى يليق بالقارئ والمبدع معًا".
ويضيف: "رؤيتي تنطلق من أن المجلة يجب أن تعود إلى جمهورها القديم، وتفتح أبوابها لأجيال جديدة، من دون أن تتنازل عن المعايير الجمالية والفكرية التي تأسست عليها. ولن أسمح أن تكون المجلة ممرًا لأي نصّ لا يحمل حدًّا أدنى من الجِدَّة والعُمق، لكنني في الوقت ذاته لا أضع شروطًا أيديولوجية أو سياسية على الإبداع. فالإبداع الحقّ حر، والرقابة تقتل الخيال. نحن نحتاج إلى أن نسمع كل الأصوات، ما دمنا نملك أدوات التقييم الحقيقي. وأدرك تمامًا أن المشهد الثقافي اليوم يمتلئ بالإصدارات. فهناك الكثير من المواقع، والمجلات الإلكترونية، والمطبوعات، ومنصات السوشيال ميديا. لكن هل صنعت كل هذه الأدوات أثرًا حقيقيًّا؟ لا أظن".
ويؤمن الشهاوي "أن الطريق إلى استعادة الريادة لا يكون بتعدد العناوين، بل بجودة المحتوى، وبتركيز الجهود على إصداراتٍ قادرة على التأثير. وأفضّل أن يكون لدينا خمس مجلات قوية على أن ننتج خمسين مطبوعة لا تُقرأ. مجلة "إبداع"، كما أراها، يجب أن تكون في طليعة هذه الإصدارات القليلة المنتقاة. مجلة تُراهن على الجِدَّة، وتحترم القارئ، وتمنح المبدع مساحته الحقيقية. فالمجلات الثقافية، ومنها "إبداع"، ليست مجرد أوراق، بل ذاكرة أمّة وقوة ناعمة ومنصة حوار".
ويعد الشهاوي: "سأبذل جهدي، وأتعاون مع كل مَن يملك الرغبة والقدرة، كي تستعيد "إبداع" مكانتها، لا بوصفها مجلة شهرية، بل باعتبارها "بيتًا كبيرًا" للأدب والفكر والفن. بيتًا يليق باسم مصر، وتاريخها، ومبدعيها. ونحن لا نبدأ من الصفر، بل نُعيد الروح إلى الجذور."
رئيس التحرير السابق لمجلة الهلال وكتاب الهلال، سعد القرش، وهو واحد من الصحفيين الثقافيين القلائل الذين استعانت بهم وكالة "رويترز" لفترة طويلة. على عكس الشهاوي، لا يرى القرش الوضع بكثير من التفاؤل: "ما نتخلى عنه يؤدي إلى فراغ يملأه غيرنا. نصرّ على أن نصغر ونكتفي بالفخر الزائف: كان أبي".
يوضح القرش أن "التحدي الأول والأهم هو الوعي. غياب العقل الكبير للبلد، وافتقاد القدرة على التمييز بين الدعائي والثقافي، بين الدور المسؤول بدون إلحاح على أننا نعطي وندعم وبين استسهال مجاراة مطبوعات يهمها إرضاء رأس النظام. الصحف والمجلات الحكومية تعنى بالتسويغ والمديح ويفترض أن الهلال تحديدًا تعني بإزعاج أي سلطة سياسية ودينية واجتماعية، بمعنى مراجعة السلوك والأنشطة في ضوء العقل، ومراعاة للمستقبل. لهذا كله يفترض أن تكون المطبوعة الثقافية استثناء من توزيع العطايا والأنصبة على القريبين من دوائر الأمن، مكافأة لهم على خدمات، أو إخراس ألسنة مطبوعات مهمتها ألا تصمت، وبإطفائها يبدأ الاستقرار البليد".
البيروقراطية وغياب العقل المسؤول بعد إعداد منتج لا يصل إلى الذين أسهموا فيه (الكتاب) ولا إلى مستهلكيه (القراء العرب)
ويضيف: "كنت أقول دائمًا إن دور الهلال لا يقل عن دور وزارة الخارجية، ولمست هذا من استجابة المثقفين العرب الذين رحبوا بالكتابة المجانية باعتبارهم يسهمون في "استعادة الهلال" التي تربوا عليها. كان 60 في المئة من مادة الهلال بأقلام عربية، وكذلك روايات الهلال وكتاب الهلال. عندما يعي الرأس الكبير أهمية الثقافة، يستعين بخبرات الكبار، وزراء ومسؤولين عن قطاعات الثقافة والفنون: فتحي رضون، ثروت عكاشة، يحيى حقي، لويس عوض، كامل زهيري. أما عندما يصغر العقل نخترع سخافة اسمها: القوة الناعمة" ونظل نمضغها حتى تبتذل وتنفد طاقتها وتصير مدعاة للسخرية".
ويرى القرش وجود مشكلة أخرى، هي "البيروقراطية وغياب العقل المسؤول بعد إعداد منتج لا يصل إلى الذين أسهموا فيه (الكتاب) ولا إلى مستهلكيه (القراء العرب). في كل عدد كنا نقدم ملفًا عن الإبداع في دولة عربية، فضلا عن كتب وروايات من هذه الدول. لكن في نهاية الأمر، لا توزع المجلة هناك، ولا تصل للقراء لأن المؤسسة مرهونة ببيروقراطية شركة حكومية، هي الشركة القومية للتوزيع. في حين تصل المطبوعات الخاصة من دور النشر إلى كل المعارض. حاولت مع التوزيع أن تصل المطبوعات (ومنها إصدارات المؤسسة كأعمال بنت الشاطئ وجمال حمدان وغيرهما) إلى مكتبات وسط البلد المعنية بالتوزيع، ولكن مسؤولي التوزيع لم يهتموا لأنهم مع رأس المؤسسة مجرد موظفين، والموظف يهمه ألا يخطئ ولو لم يعمل".
وكإجابة على سؤالي عن رأيه في طرح للأديب والصحفي الراحل علاء الديب، في حوار أخير أجريته معه ونشرته قبل وفاته بفترة وجيزة جريدة أخبار الأدب، إذ رأى أن على مصر أن تكتفي بمطبوعة واحدة تدخر لها كل الإمكانات لتليق باسم مصر، أجاب القرش: "عنده حق. تكفي الهلال، فقد كانت رسالة مصر إلى العرب. أما ما صدر بعدها، سواء المستمر أو المتوقف، فيتسم بالمحلية إلى حد بعيد".
كان مهمًا لي أن أتقرب من رؤية الشاعر سمير درويش، ذلك أنه جمع بين تجربتي العمل كرئيس تحرير لمطبوعة تصدر عن هيئة حكومية، هي مجلة الثقافة الجديدة التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم في تجربة لاحقة لرئاسة تحرير إصدار ثقافي مستقل، عن دار ميريت للنشر، وهو مجلة "ميريت" الثقافية. وقد أحدثت ميريت، وهي مجلة ديجيتال، مثلها مثل إصدارات أخرى كحرف التي تصدر عن الدستور والمرايا التي تصدر عن دار المرايا للنشر، أحدثت حراكًا ثقافيًا ربما لتحررها من بيروقراطية المؤسسات الحكومية. يروي درويش تجربته:
"حين كنت رئيسًا لتحرير مجلة "الثقافة الجديدة" الحكومية، لسنوات أربع، لم يتصل بي مسؤول بشكل مباشر ليطلب مني نشر مادة وعدم نشر أخرى، لكن المضايقات الصغيرة أدت إلى تقديمي استقالة فورية حين وصلني خطاب يطلب اطلاعهم على المجلة (لمدة أسبوع) قبل نشرها، متكئين إلى خطأ إلكتروني أدى إلى نشر عنوان مقال على الغلاف تم تأجيله من العدد في اللحظات الأخيرة. هذه المضايقات استندت إلى أمرين: الأول أنني لست الشخص الذي يتودد ويماين، والثاني أنني رئيس تحرير وموظف إداري في الهيئة التي تُصدر المجلة، وثمة تعارض بين استقلالية رئيس التحرير وتبعية الموظف، وهو ما تحررت منه حين أصدرت "ميريت الثقافية".
أما عن تجربة ميريت: "ميريت" أخذت اسم دار النشر المعروفة، لكنها كانت مستقلة تمامًا، لا يتدخل صاحب الدار في أي تفصيلة مهما كانت صغيرة، وكنت أنفق عليها من أموالي الخاصة، لذلك تقدَّمتْ عشر خطوات للأمام عن تجربة "الثقافة الجديدة"، وفي ظني أنها قدَّمت مثالًا "محترمًا" - بإمكانيات صفرية - عن إمكانية صنع مجلة ثقافية ثقيلة ومهنية، تتشابك مع الواقع الثقافي، وتثير موضوعات مهمة، وتستقطب كُتَّابًا مهمِّين.. سقف الحرية كان أعلى كثيرًا يتجلى في مثال محدد، ضمن أمثلة لا حصر لها بالتأكيد.
في "الثقافة الجديدة" فكرنا في إعداد ملف عن الأزهر كمؤسسة مصرية تابعة للدولة لها مهام محددة، ضمن مؤسسات أخرى، فلاقى معارضات كبيرة من بعض أعضاء مجلس التحرير، وفي النهاية خرج بشكل "لطيف" و"طيب"، لا يقلق أحدًا، حتى إن الهيئة كانت تعتبره تكريمًا للأزهر، في حين كنا نستهدف مناقشة حادة ليست في صالح المؤسسة. وفي "ميريت الثقافية" نشرنا ملفًّا عن "النزال" الشهير بين الشيخ ورئيس جامعة القاهرة، حين قال له لو لم تكن متيقِّنًا لا تكتب، وهي مقولة سطحية ضد الفلسفة والدين والكتابة والمنطق، قلنا كل هذا وأكثر بشكل علمي، دون أن نشخصن الأمر أو نسيء لأحد. هذا هو الفرق".
عن سؤال الريادة المصرية المفقودة، يقول درويش: "أنا أتصور أن مصر ليس فيها مجلة ثقافية "قيّمة" ثقيلة، ولا كل الدول العربية بالمناسبة، لأن الذين يعيِّنون هيئات التحرير لا يعرفون الفرق بين الشاعر المهم ورئيس التحرير المهني، فليس كل كاتب عظيم صانع مجلات جيد، كما أن صناعة الثقافة تحتاج إلى قدر من الحرية لا نمتلكه".
وفي جملة ختامية نهائية جدلية، يقول درويش: "أنا لست من مهاويس الماضي الذين يعتقدون أن المجلات القديمة لا يمكن استعادتها، فتصفح مجلات مثل الكاتب والرسالة والثقافة، بدقة، سيكشف أنها ليست أفضل ما نتمناه، نحن نستطيع إن أعطينا العيش لخبَّازه".
الواقع أن أجيال أصغر من المهتمين بالأدب والثقافة قد يتعاملون مع المتاح الآن على شبكة الانترنت ولا يهتمون بالتباكي على ماضٍ أرفع، إذا كان ذلك حقيقيًا، لم يروه بأعينهم. فنحن إذًا أمام ضرورة لتوسعة المصطلح ليشمل إصدارات - لا مطبوعات فقط - ثقافية. وربما كذلك الأفق لندرك أن الإصدارات الورقية، بالرغم أنها تحفظ الأرشيف الثقافي، إلا أن الكثير من القراء لا يلجأون إليه حاليًا.







