"المثقف" وترسيخ الشرخ الكبير

الثورة السورية ساحة امتحان كبير وأخير

شتتت الثورة السورية المتفجرة منذ أعوام ثمانية، مع مقتلة السوريين الآخذة بالاتساع والعمق، الكتاب والمثقفين العرب والسوريين، ضمن تكتلات منقسمة على شاكلة وضع الجغرافيا السورية، فقامت تحالفات واصطفافات متناقضة، حملت في طياتها انتماء مذهبيًا وطائفياً من جانب، واصطفافًا آخر يعبر عن حنينه وعشقه لبساطير عسكر النظام في دمشق، وجزءًا ثالثًا أفرز نفسه ضمن شرنقة من شعارات عنكبوتية، وقد أدت هذه التناقضات المتبعثرة إلى شل عموم الحركة الثقافية، واقتصار ثقافة الثورة ومفرزاتها على ما طفا من سطحها كحركة فاعلة وجاذبة، رغم حالة الحصار والاستهداف المباشر للمثقف السوري، والعربي المساند لتطلعات الشعب السوري.

كانت الثورة السورية وستبقى، ساحة الامتحان الكبير والأخير للمثقف السوري العربي والإنساني

انكفأ رواد الثقافة الذين مثلوا بالأمس عناوين عريضة، ورفعوا راية الشوارع والميادين، وبشروا بالطليعة الجماهيرية والثورية، تخلوا طوعاً أو غصباً عن الادعاء بالمثل والأخلاق، وبقيت أسماء البعض تظهر بخجل في بعض الدوريات الصفراء والمواقع الإلكترونية التي يتخفى خلفها ذباب الشتم والتطبيع المزدوج مع الطاغية والمحتل، أو الشاشات التي تؤمن تشبيحاً لا يصلح البوح به إلا من صومعة هؤلاء، وحدها همجية الأسد أظهرت "إيجابية" انهيار قناع المثقف، مع ما أسهمت به الثورة السورية في توسيع دائرة مأساة السوري "بالمثقف" وبترسيخ الشرخ الكبير، والاستفادة من إظهار ثقافة يسعى جميع المدعين باسمها لطمسها وإجهاض ولادتها الجديدة على اعتبار أنها بادرة تكنس ما سبقها.

دارت نقاشات وتحليلات، وكتابات لم تزل مستمرة، صب معظمها في النقمة على الشعب السوري وعلى فعلته في الثورة، وعلى ما اقترفه وعي السوريين "المُقزم" من الاقتراب من حدود الطاغية، تُرك الشعب السوري وحيداً يواجه آلة البطش والهمجية غير المسبوقة، وفي الرد على تسخيف مأساته، مع الفارق الشاسع والكبير، بين إمكانيات حلف مثقفي الأسد المسنود من اتحادات ثقافية وبرلمانية وشعبية وثورية، على امتداد انتشار النظام الرسمي العربي، إذ أعلن المتنافسون للدفاع عن همجية الأسد، خشيتهم من السوريين المنتفضين والثائرين، وتداعت أصوات وأقلام كثيرة لا تحصى ترجو إعادة السوريين لعنق زجاجة الأسد.

اقرأ/ي أيضًا: غرامشي والثقافة الشعبية.. الدرس الغائب عن "المثقف" العربي

لم تظهر كتابات وأصوات مثقفي الأسد، على اختلاف فروعها المحلية والعربية المساندة له، من موقع الدفاع الأخلاقي والإنساني والقيمي، وعما تشدقت به نتاجاتهم وطروحاتهم الأكاديمية والفكرية والسياسية، بل من باب الرجاء والتمني، بإخضاع السوري وهزيمته للأبد، حتى يتاح لها إعادة مضغ ما فقدته من نزيف الأخلاق بعد فوات الأوان، فلما كان المثقف الحق معبرًا عن ضمير الشعب وحافظاً لذاكرته، بات المثقف في عهد الطاغية الأسدي داعياً لصياغة كل منتوجه في لحظة يتقرر فيها مصير السوريين وسوريا في تدابير لا تقل عن الإعجاب بـ بساطير عسكر الأسد وعفيشته، أو الإعجاب ببراميله وابتسامته، وفي مديح عصاباته من موسكو وطهران وبغداد الى آخر صومعة يتلحف فيها المثقف بالتفكير عن ضياع الأوطان إن أفُل نجم القاتل في دمشق.

شرخ كبير أصاب المثقفين، بينهم وبين من يزاحمونهم اليوم في ترجمة كل حروف الثورة لا بل في ترجمة كل معاني الثقافة والإبداع، في التعبير عن التخلص من الطاغية ونيل الحرية وممارسة المواطنة، بطريقة بسيطة بعيدة عن التكلف والتفلسف، وبتعبير قوي للجم إرادة الأبد في سوريا، التي استهترت بمختلف الشرائع والقوانين والقيم التي أرستها الإنسانية في مراحل تطورها ودمرتها الأسدية عن بكرة أبيها في عموم سوريا.

لم تظهر كتابات وأصوات مثقفي الأسد إلا من باب الرجاء والتمني بإخضاع السوري وهزيمته للأبد!

كانت الثورة السورية وستبقى، ساحة الامتحان الكبير والأخير للمثقف السوري العربي والإنساني، فمن هذا الحائط البشري المتكوم جثثًا فوق بعضها في أقبية التعذيب، وتحت حطام المدن والقرى، ومن تأرجح المواقف المنافقة للسوريين على حبال السراب، تنبثق ثقافة ومثقف ينتميان للإنسان الأسطوري في حلب وإدلب وحمص ودرعا و دير الزور والرقة، فهناك دون السوري فاتحة التاريخ، الذي تلعثم عند عتباته مثقفو الأسد وماسحو إجرامه بعقول  وأقلام مرتجفة لن تمنع أملًا لا محال هو آت بمنطق الهاربين منه والمزورين له.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الجيش الأسدي بوصفه جيش احتلال

بسام كوسا يساجل النقيب زهير رمضان بالمطرقة