ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

المبادرة الأميركية في ليبيا.. كيف تنظر القاهرة إلى ترتيبات واشنطن؟

2 يوليو 2026
حفتر وبولس
لقاء سابق جمع صدام حفتر مع مستشار ترامب، مسعد بولس، في بنغازي (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

تتابع القاهرة بقدر كبير من الترقب تطورات المشهد الليبي في ظل الانخراط الأميركي المكثف الرامي إلى تحريك مسار التسوية السياسية وحلحلة الأزمة الممتدة منذ سنوات، وقد برز هذا الانخراط بوضوح في اللقاء الذي جمع، في واشنطن في 29 حزيران/يونيو الماضي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ونائب القائد العام لـما يعرف باسم "الجيش الوطني الليبي" صدام حفتر، ومستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

وجاء هذا اللقاء بعد نحو أسبوع من استقبال واشنطن وفدًا يمثل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، برئاسة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، حيث جرت مباحثات مع بولس ونائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، تناولت عددًا من الملفات المرتبطة بتفكيك تعقيدات الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المسارات الأمنية والعسكرية، وتوحيد المؤسسات، وتهيئة الأرضية السياسية لأي تسوية محتملة.

وتشير هذه اللقاءات المتوازية مع أطراف رئيسية من المعسكرين الشرقي والغربي إلى أن الرؤية الأميركية تجاه الملف الليبي بدأت تكتسب ملامح أكثر وضوحًا، وأن المبادرة المطروحة لم تعد حبيسة التصريحات الإعلامية أو البيانات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى مستوى التحرك العملي المباشر مع القوى المؤثرة على الأرض.

غير أن هذا الانخراط الأميركي، بهذه الكثافة وفي هذا التوقيت تحديدًا، لا يمكن أن يمر دون أن ينعكس على حسابات القاهرة، التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها أكثر من مجرد دولة جوار حدودي، فليبيا تمثل بالنسبة لمصر عمقًا أمنيًا وسياسيًا ولوجستيًا واقتصاديًا بالغ الحساسية، وأي إعادة ترتيب لموازين القوة داخلها تمس بصورة مباشرة الأمن القومي المصري وحدوده الغربية. ومن هنا يبرز السؤال: كيف تنظر القاهرة إلى هذا الحراك الأميركي المتسارع على حدودها الغربية؟

تفاصيل المبادرة الأميركية

حتى الآن، لم تعلن واشنطن رسميًا عن وثيقة متكاملة لما يُعرف بـ"المبادرة الأميركية" لحل الأزمة الليبية، إذ يبدو المطروح أقرب إلى رؤية دبلوماسية أو خارطة طريق تتكشف ملامحها تدريجيًا عبر تصريحات المسؤولين الأميركيين والتسريبات الإعلامية.

 الانخراط الأميركي، بهذه الكثافة وفي هذا التوقيت تحديدًا، لا يمكن أن يمر دون أن ينعكس على حسابات القاهرة، التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها أكثر من مجرد دولة جوار حدودي

ووفق المعطيات المتداولة، تقوم المبادرة على هدف معلن يتمثل في توحيد المؤسسات الليبية العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتهيئة الظروف لقيام حكومة منتخبة ديمقراطيًا، غير أن الجديد في المقاربة الأميركية لا يكمن في هذه الأهداف، التي سبق أن تبنتها المسارات الأممية والدولية، بل في محاولة واشنطن التعامل مباشرة مع مراكز القوة الفعلية في الشرق والغرب، بما في ذلك الدفع نحو ترتيب سياسي قد يقوم، بحسب ما نقلته "فايننشال تايمز"، على إبقاء عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل منح صدام حفتر موقعًا متقدمًا داخل بنية رئاسية أو مجلس تنفيذي.

وتضع المبادرة، في جوهرها، المسارين الأمني والاقتصادي في قلب أي تسوية محتملة؛ فواشنطن ترى أن أي انتخابات أو حكومة موحدة ستبقى هشة ما لم تتم معالجة انقسام السلاح والمؤسسات العسكرية بين الشرق والغرب، بالتوازي مع توحيد الإنفاق العام والميزانية باعتبار الانقسام المالي أحد محركات الصراع السياسي والعسكري، ومن هنا جاء توقيع أول ميزانية موحدة منذ عام 2013، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، كإشارة إلى أن توحيد الموارد قد يكون مدخلًا لتوحيد السلطة.

ورغم تقديم المبادرة الأميركية باعتبارها مكمّلة للمسار الأممي لا بديلًا عنه، فإن المخاوف لا تزال قائمة من أن تتحول إلى مسار موازٍ يسبق الانتخابات بصفقة بين القوى النافذة، ثم يعيد تأجيل الاستحقاق الانتخابي تحت شعار تثبيت الاستقرار.

مقاربة القاهرة إزاء ليبيا

تنطلق القاهرة في مقاربتها للملف الليبي من أولوية مركزية تتمثل في فرض الاستقرار، وضمان ألا تتحول ليبيا إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي المصري، خصوصًا في ظل سنوات من التوتر والتباين بين الأجندتين المصرية والتركية داخل الساحة الليبية، ومن ثم، فإن التحرك المصري لا ينفصل عن حسابات الحدود الغربية، وموازين القوى بين الشرق والغرب، ومحاولة منع أي ترتيبات إقليمية أو دولية قد تعيد تشكيل المشهد الليبي بعيدًا عن المصالح المصرية.

وفي هذا السياق، بدأت القاهرة في تكثيف انخراطها عبر مسارين متوازيين، الأول سياسي، يقوم على الانخراط في ترتيبات إقليمية ودولية تضم مصر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة، مع التأكيد على ضرورة توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية في ليبيا، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لإجراء انتخابات وطنية شاملة وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.

أما المسار الثاني، فهو أمني بالأساس، ويسير بالتوازي مع المسار السياسي، وقد تجسد في زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى طرابلس ولقائه عبد الحميد الدبيبة، وهي زيارة لافتة تعكس انفتاحًا مصريًا أكثر وضوحًا على حكومة طرابلس، المعترف بها دوليًا، بعد سنوات ظل فيها الثقل المصري متمركزًا بصورة أكبر في الشرق.

الموقف المصري من المبادرة الأميركية

بدايةً، ثمة تنسيق واضح بين القاهرة وواشنطن في عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف الليبي بطبيعة الحال، ومن هذا المنطلق، لا تبدو مصر في موقع الرافض للمبادرة الأميركية، لكنها تسعى في المقابل إلى احتوائها وتوجيه مسارها قدر الإمكان، بما يضمن أن تكون القاهرة طرفًا حاضرًا في أي ترتيبات جديدة تخص المشهد الليبي، لا مجرد مراقب لتفاهمات تُصاغ على حدودها الغربية.

وينطلق الموقف المصري من المبادرة الأميركية من مجموعة مرتكزات أساسية، أبرزها الحفاظ على وحدة ليبيا، وتوحيد مؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية، ومنع أي سيناريو يقود إلى التقسيم أو تكريس الانقسام القائم.

كما تؤكد القاهرة أهمية الوصول إلى انتخابات تعكس إرادة الشارع الليبي، وتمنح المؤسسات شرعية سياسية واضحة، وحتى في ما يتعلق بتشكيل سلطة تنفيذية تضم ممثلين عن طرفي الصراع في الشرق والغرب، فإن القاهرة قد لا تبدي ممانعة مبدئية، لكنها تنظر إلى هذا المسار بقدر كبير من الحذر والترقب.

وتتحرك مصر في تعاملها مع تلك المبادرة من زاوية دقيقة تقوم على تجنب خسارة أي من طرفي المعادلة الليبية، فهي لا تريد التفريط في ورقة الشرق الليبي بقيادة حفتر، بعد سنوات من التنسيق الأمني والسياسي، وفي الوقت نفسه لا ترغب في إعادة توتير علاقتها مع الغرب الليبي، خصوصًا بعد مؤشرات الانفتاح والتحسن التي ظهرت مؤخرًا.

لذلك يمكن القول إن القاهرة لا ترفض المبادرة الأميركية، لكنها تتعامل معها بمنطق الدعم المشروط والحذر، بما يضمن حماية مصالحها وأمنها القومي وعدم تهميش دورها في أي تسوية مقبلة.

ما الذي يقلق المصريين؟

رغم أن المقاربة الأميركية تُقدَّم، في ظاهرها، بوصفها محاولة لحلحلة الأزمة الليبية عبر توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسامين السياسي والعسكري، وهي أهداف تتقاطع إلى حد كبير مع الرؤية المصرية، فإن الوجه الآخر لهذه المبادرة قد يثير قدرًا من القلق لدى القاهرة. فالتخوف الأساسي يتمثل في أن تتحول المبادرة من مسار لتسوية الأزمة إلى آلية لإعادة إنتاجها بصيغة أكثر تنظيمًا، بحيث لا تفتح الطريق أمام انتقال سياسي حقيقي وانتخابات شاملة، بل تنتهي إلى تكريس نفوذ العائلات المتنافسة داخل بنية السلطة الليبية.

وقد عبّر الباحث في معهد تشاتام هاوس البريطاني، تيم إيتون، عن هذا التخوف في مقاله المنشور بمجلة "فورين بوليسي"، إذ اعتبر أن استقبال واشنطن لصدام حفتر ولقاءه وزير الخارجية الأميركي يمثل تطورًا سياسيًا لافتًا، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه عمليًا نحو إضفاء شرعية دولية على تقاسم السلطة بين عائلتي حفتر والدبيبة. فبينما تؤكد إدارة ترامب أن هدفها هو إقامة "حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات"، فإن الصيغة المتداولة، بحسب التحليل، تبدو أقرب إلى منح الدبيبة موقع رئاسة الحكومة، مقابل تمكين عائلة حفتر من موقع متقدم في المجلس الرئاسي أو البنية التنفيذية المقبلة، بما قد يرسخ نفوذ الطرفين بدلًا من تجاوزه.

وتحذر "فورين بوليسي" من أن هذا الترتيب، وإن جرى تقديمه بوصفه مرحلة انتقالية داعمة لخريطة الطريق الأممية، قد يتحول إلى صيغة دائمة إذا سعى الدبيبة وحفتر إلى تثبيت موقعيهما داخل السلطة. ومن ثم، فإن المبادرة، وفق ما يتداول بشأنها حتى الآن، قد تنجح في إنهاء الانقسام شكليًا، لكنها في المقابل قد تعيد إنتاجه داخل مؤسسات الدولة نفسها، وهو سيناريو لا يخدم بالضرورة هدف الاستقرار المستدام الذي تسعى إليه القاهرة في جوارها الغربي.

من هنا، ترى القاهرة أن أي ترتيب يختزل التسوية في توزيع المناصب بين حفتر والدبيبة قد ينجح في تهدئة المشهد مؤقتًا واحتواء التصعيد، لكنه لن يكون كافيًا لمعالجة جذور الأزمة الليبية، فالمشهد أكثر تعقيدًا من ثنائية الشرق والغرب، إذ توجد قوى قبلية وازنة في الوسط والجنوب، ومجموعات مسلحة مؤثرة في الغرب، فضلًا عن شبكات مصالح اقتصادية وأمنية داخلية وخارجية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية جادة.

وبالتالي، فإن أي مقاربة أميركية لا تستوعب هذه الخريطة المعقدة للقوى الفاعلة، أو تتجاهل الدور المصري في ترتيبات المرحلة المقبلة، قد تنتهي إلى إنتاج تسوية هشة، تبدو مستقرة في ظاهرها لكنها قابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.

ومن ثم، فإن القاهرة تنظر إلى المبادرة الأميركية بعين الحذر، ليس رفضًا لمبدأ التسوية، بل خشية من صيغة تختزل الأزمة في تفاهمات فوقية بين مراكز القوة، من دون معالجة حقيقية لمصادر الصراع على الأرض، مما يضع الأمن القومي والمصالح المصرية في مرمى الاستهداف.

كلمات مفتاحية
دبابة تابعة للقوات العراقية

جرف الصخر تعود إلى الواجهة.. هل تنجح الحكومة العراقية في إعادة النازحين؟

يعود ملف جرف الصخر إلى الواجهة مع تحرك حكومي لإعادة النازحين واستعادة مؤسسات الدولة السيطرة على المنطقة

تحتفل حكومة طالبان بمرور خمس سنوات على حكمها لأفغانستان

خمس سنوات على حكم طالبان لأفغانستان.. كيف تبدو البلاد اليوم؟

بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان تشهد البلاد تحسنًا نسبيًا في الأمن مقابل قيود واسعة على النساء والفتيات

بلدة أنصار

إسرائيل تصعّد جنوب لبنان.. شهداء وغارات وتقدم ميداني

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ ساعات فجر السبت، اعتداءاته على جنوب لبنان

نساء يبحثن بين أنقاض قرية دمرها زلزال المغرب
علوم

من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي

العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع

كرة القدم
رياضة

حملات محفورة في الذاكرة: أفضل الحملات الإعلانية في كرة القدم

تسعى هذه الحملات إلى جمع عشاق كرة القدم حول العلامة التجارية نفسها، لا حول منتج واحد بعينه

زلزال هايتي
الترا لايت

أعنف 10 زلازل في أميركا اللاتينية.. كوارث حصدت مئات الآلاف

تكتسب هذه القائمة أهمية إضافية مع تعرض المنطقة في 2026 لهزات مدمرة، بينها الزلازل التي ضربت فنزويلا وكولومبيا

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

واشنطن تضغط على حلفائها للاختيار بينها وبين بكين في سباق الذكاء الاصطناعي

تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع اقتصادي واعد، إذ يمكن لقدراته المتسارعة أن تؤثر في الأمن القومي والتفوق العسكري والاقتصادي