"اللي بنى مصر".. حكاية نشأة القاهرة في ألفيتها

تحتفل القاهرة بألفيتها في الثالث والعشرين من يناير (Getty)

تحتفل القاهرة بألفيتها في الثالث والعشرين من هذا الشهر كانون الثاني/ يناير. القاهرة في ألفيتها، تلك المدينة العجوز.. كيف كانت بداياتها؟ ماذا ميز النشأة؟ ما هي الحكايات الأولى عنها وكيف تطورت؟ في هذا التقرير نتعرف أكثر عن القاهرة في ألفيتها.

تسلطت الأضواء على القاهرة أكثر فأكثر منذ الحملة الفرنسية عام 1798، حيث جعلتها في مركز الاهتمامات الغربية مع مطلع القرن التاسع عشر

القاهرة تخطو خطوتها الأولى

وضعت القاهرة تحت مجهر الباحثين منذ تأسيس الفسطاط في القرن الأول الهجري، ولكن الأضواء تسلطت على المدينة أكثر فأكثر منذ الحملة الفرنسية عام 1798، حيث جعلتها في مركز الاهتمامات الغربية منذ مطلع القرن التاسع عشر، حيث نجد الباحثين والمستشرقين يسافرون إليها ليعيشوا بين جنباتها ويرسموا مشاهد تنتمي إليها في حديث الزمان وغابره. وبعيدًا عن الحجر والنهر، فإن أهلها أيضًا كانوا موضع مراقبة وبحث كما ذكر المستشرق إدوارد وليام لاين: "كنت على وشك أن أقذف بنفسي كلية بين غرباء عني، وسط شعب سمعت عنه الكثير من الأخبار المتناقضة".

بعدما فتح المسلمون مصر عام 641 انتقل كرسي المُلك من الإسكندرية، بعدما كانت دار الحكم والإمارة مدة تسعمئة سنة، وصار في الفسطاط، وهي اليوم أقدم ضواحي ما يُسمى بـ"مصر القديمة".

وقد أنشأ الأمير أبو العباس أحمد بن طولون ما يُسمى "القطائع"، فصار أمراء مصر من بعد ذلك ينزلون بالعسكر خارج الفسطاط حتى جاء المعز لدين الله الفاطمي مع كاتبه "جوهر الصقلي" فبنى القاهرة، ونزل فيها بمن معه من العساكر، وبنى فيها قصرًا وصارت دار الخلافة.

و"كايرو"، هو الاسم الذي أطلقه الأوروبيون على العاصمة الحالية لمصر، ما هو إلا تحريف للإسم الأصلي القاهرة. وكان الموقع المختار للمدينة الجديدة على بعد نحو ميل من ضفة النيل، وكان موقع القاهرة المنطقة الرملية الواقعة على الطريق من الفسطاط إلى مبنى يُسمى بقصر الشوق. وهي إحدى الضواحي التي ذكرها نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة.

اقرأ/ي أيضًا: القاهرة.. حرائق فاعلها مجهول!

تعيين موقع القاهرة كان وظيفة المنجمين!

تشاور بناة القاهرة مع منجمين لتحديد أفضل الأوقات للشروع بوضع الأساسات لأسوار المدينة

بعد تعيين موقع دعائم السور، الذي ستبنى المدينة بداخله قام قائد الجند جوهر الصقلي بإرساء دعائم الأسوار، ولأن العرب كانوا يؤمنون بالتنجيم، تشاور جوهر مع خبراء بهذا العلم ، وطلب منهم أن يقرروا أفضل الأوقات للشروع بوضع الأساسات لأسوار المدينة، وبعد أن أجرى المنجمون حساباتهم نصحوا بوضع الأساسات في الليلة التالية، وهي الليلة التي أعقبت وصول جوهر إلى المكان.

في الليلة التالية، كانت الأخشاب التي تمثل الدعائم الأولية مرتبطة بينها وبين بعضها بأجراس، فوقع غراب على أحدها، فصاح المنجمون: "القاهر في الطالع"، وتنبؤوا أن المدينة ستسقط بيد "الأتراك"، وسميت بالقاهرة لهذا السبب مع أن أول اسم قد أطلق عليها كان المنصورية، ولكن المعز أطلق عليها القاهرة أي المنتصرة.

أبواب القاهرة وأسوارها

كان للقاهرة من جهتها الجنوبية بابان متلاصقان يقال عنهما باب زويلة، ومن جهتها الشمالية بابان متباعدان أحدهما باب الفتوح والآخر باب النصر، وكانت لها أبواب أخرى من الشرق مثل باب البرقية وعنده جامع كتخدا (وهو الجامع المعروف بوسط البلد الآن بجامع الكخيا خلف الجامع الأزهر).

وقد بنى مؤسس القاهرة المعز الفاطمي أيضًا قصر الخليفة في المدينة الجديدة، وقام بوضع أسس القصر والأسوار، أطلق عليه القصر الكبير الشرقي تمييزًا عن القصر الذي بناه خليفة المعز والذي يسمى بالقصر الصغير الغربي، وكان الشارع الذي يفصل بينهما يسمى "بين القصرين" وهو الشارع الوارد في ثلاثية نجيب محفوظ أيضًا، وهو شارع المعز لدين الله الفاطمي حاليًا وقد كان الشارع الرئيس للقاهرة الفاطمية.

اقرأ/ي أيضًا: أبواب تونس العتيقة.. حكايات التاريخ والحضارة

الشوارع والحارات والأسواق.. والحكايات الغريبة

كانت شوارع القاهرة الأولى ضيقة، وتصطف على جانبي الطريق فيها مصاطب من الحجر يجلس عليها أصحاب البيوت والمحلات، ولكن استخدام النبلاء من الأتراك خاصة والمترفين للعربات لاحقًا كان سببًا في اتساع الشوارع. وفي عهد محمد علي، أمر بإزالة المصاطب جميعها وصارت الشوارع أكثر اتساعًا لمرور العربات.

كانت الأسواق الرئيسة في القاهرة هي السكرية أو سوق السكر القديم، ويقع في نفس الشارع سوق الغورية وهو سوق تباع فيه الأقمشة وهو قائم حتى الآن وإن تغيرت بضاعته. أما في غرب المدينة فكان يقع سوق الموسكي وهو سوق كان يشغله الإفرنج وكانت تباع فيه السلع الأوروبية، ولكنه الآن سوق شعبي بامتياز وتباع فيه الأقمشة.

أما خان الخليلي فهو أيضًا أحد الأسواق الرئيسة بالقاهرة، وقد سمي على اسم أحد أمراء الخيل التابعين للسلطان المملوك "السلطان برقوق " وهو مقام على أرض كانت في السابق مقابر للخلفاء الفاطميين، وبأمر من الخليلي أُخرجت عظامهم ووضعت في سلال على ظهور الحمير ثم ألقيت بالنفايات "باعتبار أنهم كانوا زنادقة مغتصبين للسلطة"!

كانت شوارع القاهرة الأولى ضيقة لكن استخدام المترفين والأجانب للعربات لاحقًا كان سببًا في توسع الشوارع

ترقيم البيوت: تيه ما قبل الحداثة!

لم تولد القاهرة بمنازلها مرقمة منظمة، كان معظم سكانها من أهل الريف، ولا يزالون يفدون إليها حتى اليوم. أما حكاية ترقيم البيوت، فقد بدأت قبل العام 1847، ويحكيها الكاتب أيمن عثمان في كتابه موسوعة تراث مصر، فيقول "تخيل معي المشهد.. أسرة قادمة من الريف يبحثون عن شخص اسمه محمد الجرجاوي وهو من أقربائهم ومكان سكنه مدينة بولاق، وبولاق جغرافيًا امتداد واسع مكون من مئات الشوارع، وقد يوجد بها المئات اسمهم محمد الجرجاوي، وهو اسم نسبه إلى جرجا وهي مدينة بصعيد مصر، وكان شائعًا جدًا أن يُنسب الشخص إلى موطنه الأصلي.

كانت عملية البحث تمتد ساعات طويلة و قد يتطوع أحد من أولاد الحلال للبحث دون جدوى. حتى أتى عام 1847 حين أحس مجبس منظمة المحروسة بهذه المشكلة، بعد أن زادت معاناة الأهالي، فرفعوا شكاوى إلى والي مصر محمد علي باشا للبت في الأمر مع توصية بضرورة كتابة أسماء للشوارع وترقيمها ، فأصدر محمد علي في العدد 83 من مجلة الوقائع الرسمية أمرًا بكتابة أسماء الشوارع وترقيم المنازل، وجاء فيه: مما يستوجب المنافع العظيمة، ويورث السهولة لمن يقصد شارعًا، أو بيتًا سواء من الأهالي أم من الأجانب".

ومع الوقت بهتت أرقام الشوارع بفعل عوامل الجو، وعادت المشكلة من جديد فأصدر الخديوي عباس حلمي الثاني مرسومًا في 27 من آذار/ مارس عام 1897 بترقيم المنازل على لوحات يتم تثبيتها على المنازل وعُمم المرسوم على كل نواحي البلاد.

كانت هذه نظرة سريعة على ملامح القاهرة في ألفيتها، هذه المدينة العجوز اليوم، التي تخبئ بهاءها في حكاياتها، ولا تحملك سوى على التعاطف معها رغم كل ما أصابها.

 

المصادر:

عادات المصريين المحدثين ـ إدوارد لين

موسوعة تراث مصر ـ أيمن عثمان  

 

اقرأ/ي أيضًا:

شوارع وأحياء مصر.. وراء كل اسم حكاية

الأزهر التاريخيّ في دورانه