الله يرحم أيام

الله يرحم أيام "البنقو"..

البشير يؤكد اهتمام الدولة بمكافحة المخدرات(صورة أرشيفية 2013/أشرف شاذلي/أ.ف.ب)

الصياد الذي تقمص هيئة الأب المشفق كان يراقب السفينة وهي ترسو في ميناء السودان الرئيسي، وعلى متنها خمس حاويات مخدرات. قال الصياد بصوت حزين: "الله يرحم أيام البنقو"! لم تكن تلك العبارة محض "نوستالجيا"، كانت على ما يبدو محاولة للمقارنة بين حاويات "الهيروين" التي تفتك بالشباب، و"البنقو" الذي كان خطره محدوداً في السابق، ولا يحظى بالرواج الواسع للمخدرات هذه الأيام.

يقول الخبر الذي احتفت به صحف الخرطوم إن السلطات السودانية ضبطت حاوية ثانية بداخلها 645 كيلو جرامًا من "الحشيش" المركز، وتقدر قيمتها بحوالي 20 مليون دولار. ولو عدنا بالذاكرة للوراء قليلاً، ففي فبراير/شباط من العام الماضي، أفرغت إحدى البواخر شحنة كبيرة من المخدرات في ميناء "بورت سودان"، وكانت المخدرات معبأة في خمس حاويات من الأصناف المختلفة، أي ما يفوق 13 مليون حبة من مادة "الكبتاجون" المعروفة محلياً بـ "أبو هلالين"، وتم إلقاء القبض على 7 متهمين انعقدت لهم محاكمة بالطبع، وبرأتهم فيما بعد لعدم كفاية الأدلة، إذاً ثمة متهم مجهول في الشحنة الأولى والثانية، أو بالأحرى لا تزال طليقة تلك العصابة التي تريد أن تجعل من السودان سوقاً كبيراً للمخدرات.

المثير في الأمر أن مفعول الخبر انتهى مثل فقاعة الصابون، فلا اهتز له الضمير الوطني، ولا عقد البرلمان جلسة خاصة، ولا حتى المساجد، التي تنفجر عادة في وجوه الشباب، فلم يغض مضجعها هذا الغزو "الهيرويني" بل تجاهلته تماماً وحسبته قضاءً وقدرًا، كأنه حادث سير. أما الجهات الرسمية، فقد اعتبرت حجز الحاويات والإعلان عنها إنجازًا يحسب لشرطة الجمارك، والأخيرة كانت الصحف قد نشرت قبل أيام أرقامًا مليارية عن فسادها، مما يوحي، بأن الضجة كلها مقصود بها منسح آثار فساد الجمارك، بحادثة أخرى، تغطي على الخيبات الصغيرة.

من فرط التصالح مع كون السودان يمتص كل هذه الكميات مع الهيروين، يخيل لك أن الإدمان أصبح حالة عامة

من فرط التصالح مع كون السودان يمتص كل هذه الكميات مع الهيروين، يخيل لك أن الإدمان أصبح حالة عامة، وأن الاستثناء أن ترفع صوتك وتصرخ "لا للمخدرات"، فالعاصمة الخرطوم تستهلك وحدها 65 في المئة من إجمالي المخدرات التى تدخل البلاد، وتشتهر أنواع مختلفة من المخدرات في الشارع السوداني، منها "البنقو والحشيش والقات والشاشمندي" بجانب أنواع حديثة، هي الكوكايين والهيروين، والخرشة، وهي أشد خطرًا، وأضحت تمثل عبئاً نفسياً، وهاجسًا يدمر الصحة العقلية للشباب، ومع ذلك تنتشر النكت التي تحتفي "بالمساطيل"، أصحاب الخيال الواسع والحياة المخملية، في زمن طارد ومؤلم ومحفز للهروب.

دون شك، فقد تطورت الحياة بشكل ملحوظ، وأنتقل الإدمان من البيوت الفقيرة إلى بيوت الأثرياء، ومن سوق صغير في الأحياء النائية إلى عصابات عابرة للحدود، تحظى برعاية رجال بربطات عنق فاخرة، يعرفون كيف يدخلون بضائعهم بسهولة، ويحطمون الحواجز الأمنية، ويلاعبون الكبار في الدولة، وما هو أبشع من ذلك أن ثمة مصانع للخمور والمخدرات بالداخل، تعمل تحت أيادي أجنبية، كما تسميها الشرطة. تلك المصانع بالضرورة لها امتدادات مجهولة، وتشير إلى أن السودان انتقل من مرحلة الإستيراد إلى التصنيع، وربما يصل بعيد الاكتفاء وإغراق الأسواق المحلية إلى التصدير، مما يفرض واقعاً جديداً بالضرورة، يحتاج إلى فطنة أكبر للتعامل معه.   

ثمة أسئلة عطشى في الخاطر، وهي كيف يتأتى لشركة مستوردة أن تفكر في إدخال حاويات ممتلئة بـ"الهيروين" عبر الميناء الرئيسي، ومن أين لها هذه الجرأة ومن يقف خلفها؟ بالطبع لا توجد إجابة متاحة إذ أن المجرم لا يزال طليقاً. ولكن من يفكر صراحة في إدخال شحنة مخدرات ويعرف حجم الإجراءات المتبعة، لا بد أن يكون متعودًا على ذلك، أو أن أياد تعينه بمقابل، فإذ لم يكن مطمئنًا، لا يستطيع أن يستسهل أجهزة الفحص وحشود الموظفين وضباط الجمارك.

ويمكن أن نستنتج أيضًا أن شحنات مخدرات أخرى عبرت بسلام، من ذات العصابة المستوردة، أو من شركة أخرى، والمضحك أكثر أن الحكومة تردد بين يدي كل غزوة مخدرات، أن السودان ليس سوقًا للتوزيع، ولكنه فقط منطقة عبور وتخزين، وهنا يصبح للفجيعة طعم ولون آخر.

انتقل السودان من مرحلة استيراد المخدرات إلى التصنيع

المريب في الأمر هو وجود شركة في الخرطوم تسمى "الحلول المتكاملة"، رشح أنها مسؤولة عن الحاويات الأولى، وتم إدخال الحاوية الأخيرة عبر خط نقل شركة الملاحة العربية المتحدة، كما أن الشحنة الأخيرة مخبأة داخل ثلاجات "من نوع ديب فريزر"، مما يوحي بأيادي، متعودة دائماً، تحاول ممارسة الخداع، ويمتد الخوف أكثر من ذلك في ظل تنامي الصمت الرسمي.

ولربما نستفيق ذات يوم إزاء هذا التعايش والتصالح مع الإدمان، ونتفاجؤ بإعلان تلفزيوني يروج للمخدرات، فتاة تنتصب على حافة "الحاوية" فارعة الطول والبهاء، تنسحب الحاوية من فوق ظهر موجة إلى الضفة المالحة في البحر، "التشيلو" يصدر صوتاً مشوباً بالخدر، تتقدم الفتاة نحو جموع الصفوف وتذوّب "الهيروين" في أنوفهم كأنه دم المسيح، هنا يصيح المخرج بنشوى عارمة "إقطع".

اقرأ/ي أيضًا:

أهلاً بكم في.. متحف المخدرات!

"التمباك".. هاوية سودانية آخرى

أمراء المخدرات..مقارنة لبنانية مغربية