اللقاء المحتمل بين الشرع ونتنياهو.. اختراق دبلوماسي أم تطبيع في زمن الحرب؟
25 أغسطس 2025
وسط التحولات العاصفة في الشرق الأوسط، وبعد تداعيات حرب غزة، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن لقاءً محتملاً قد يجمع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بالرئيس السوري أحمد الشرع، برعاية أميركية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وفي هذا السياق، أكد مصدر حكومي سوري لوكالة "الصحافة الفرنسية" أن الشرع سيشارك في قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الثمانين. في حين لم يصدر من دمشق أي تأكيد أو نفي رسمي بشأن لقاء نتنياهو.
ويرى مراقبون أن لقاءً كهذا – إن حصل – لن يكون مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل أول لقاء علني من نوعه بين قيادتين من إسرائيل وسوريا في القرن الحادي والعشرين، بما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي، ومكانة القضية الفلسطينية، وحدود إعادة تموضع سوريا الجديدة في خارطة الإقليم.
سابقة بعد حرب دامية
الجدير بالذكر أن آخر لقاء علني جمع نتنياهو بزعيم عربي كان في 24 كانون الثاني/يناير 2023، عندما زار الأردن والتقى بالملك عبد الله الثاني. غير أن الحديث اليوم عن اجتماع محتمل مع الشرع يكتسب بعدًا استثنائيًا، إذ يرى مراقبون أنه سيكون سابقة لكونه أول لقاء مباشر بين رئيس وزراء إسرائيلي ورئيس سوري. وتكمن دلالته أيضًا في التوقيت الحساس، فهو – إن تحقق – سيكون أول لقاء عربي–إسرائيلي بهذا المستوى بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب مدمرة في غزة.
يرى مراقبون أن اللقاء – إن تم – سيكون الأول علنًا بين قيادتي إسرائيل وسوريا في القرن الحادي والعشرين، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي ومكانة القضية الفلسطينية ودور سوريا إقليميًا
لا تزال فصول تلك الحرب مستمرة، مع ما صاحبها من صور مروعة لمجازر ودمار وحصار. هذه الخلفية تجعل أي تقارب عربي–إسرائيلي في الظرف الراهن بمثابة تحدٍّ كبير للرأي العام العربي والإسلامي. فالشارع العربي لا يزال يعيش صدمة مشاهد غزة الدامية، وأي لقاء في هذا التوقيت يُقرأ من قبل الكثيرين كأنه صفعة سياسية وأخلاقية لمشاعر الشعوب. ويثير ذلك تساؤلات حادة حول مكانة القضية الفلسطينية في أجندات بعض الأنظمة العربية إذا ما أقدمت على مثل هكذا خطوة تطبيعية في خضم حرب الإبادة على غزة.
أشار محللون ونشطاء إلى أن عقد لقاء عربي–إسرائيلي رفيع المستوى في وقت تستعر فيه حرب توصف بـ"الإبادة الجماعية" في غزة، وفي ظل إعلان الأمم المتحدة رسميًا وقوع مجاعة هناك في سابقة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، ومع استمرار عمليات القتل والانتهاكات الإسرائيلية لسيادة كل من لبنان وسوريا، يُعد استفزازًا صارخًا لمشاعر الجماهير.
في المقابل، نفت وزارة الخارجية السورية الأنباء المتداولة عن توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل في أيلول/سبتمبر المقبل، وفق ما صرح به مصدر في الوزارة لـ"التلفزيون العربي"، مؤكدة أن هذه الأنباء "عارية عن الصحة".
بينما الرئيس الشرع قال في لقاء مع مدراء مؤسسات إعلامية عربية إن المحادثات بين بلاده وإسرائيل دخلت مراحل متقدمة بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، استنادًا إلى خط وقف إطلاق النار لعام 1974. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الظروف الراهنة لا تسمح بتوقيع اتفاق سلام شامل بين دمشق وتل أبيب.
من باريس إلى نيويورك
لم يأتِ الحديث عن لقاء نيويورك من فراغ، فقد سبقته مؤشرات تمهيدية. في 19 آب/أغسطس 2025، اجتمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس بحضور المبعوث الأميركي توماس باراك. هذا اللقاء الذي أعلن عنه رسميًا عبر وكالة الأنباء السورية (سانا) شكّل أول تأكيد علني على اتصالات مباشرة بين دمشق وتل أبيب منذ أكثر من ربع قرن – وتحديدًا منذ مفاوضات وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك أواخر التسعينيات.
ووفق "سانا"، جاء اجتماع باريس لمناقشة ترتيبات أمنية على الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، بما يشمل مراقبة وقف إطلاق النار في جنوب سوريا وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وقد كشفت التقارير أن اللقاءات لم تكن وليدة اللحظة؛ إذ سبقتها جولات سرّية أبرزها اجتماع في العاصمة باكو أواخر تموز/يوليو 2025، ثم لقاء باريس الأول في أواخر نفس الشهر الذي مهّد الطريق لاجتماع آب/أغسطس الماضي.
وبحسب الخبير في الشؤون الاستراتيجية د. محمد عباس – في حديث لموقع "الترا صوت" – قد يشكل اجتماع باريس مقدمةً أو خطوة أولى نحو اجتماع نيويورك المرتقب. ويرجّح أن ملامح تفاهم أمني مشترك بين سوريا وإسرائيل وُضعت في باريس، ما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الأمنية بين الجانبين.
وأوضح عباس أن سوريا اليوم تفتقد القدرات العسكرية القتالية، وبالتالي لا تستطيع فرض شروطها التفاوضية، بل تسعى إلى صيغة تفاهمات أمنية جديدة تستند إلى اتفاق فضّ الاشتباك وفصل القوات الموقّع عام 1974، وتضمن أمن الحدود وتنظيم العلاقات بين البلدين. وأضاف أن القضية الفلسطينية تراجعت إلى المرتبة الثانية في أولويات دمشق، التي تركّز حاليًا على إعادة ترميم ما دمرته الحرب، مؤكّدًا أن المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة فرضت مفاهيم جديدة على الساحتين السورية والإقليمية.
الموقف العربي والمبادرة العالقة
على المستوى العربي العام، ما تزال "مبادرة السلام العربية" التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 هي الإطار النظري للموقف العربي من الصراع. تقترح المبادرة تطبيعًا شاملًا للعلاقات مع إسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 1967، بما فيها الجولان، مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين.
هذه المبادرة ظلت رسميًا معروضة على الطاولة منذ عقدين، لكنها عمليًا مجمَّدة ولم تلق قبولًا إسرائيليًا. بل أكد نتنياهو صراحة في أكثر من مناسبة رفضه لبنود المبادرة الأصلية، خاصة ما يتعلق بانسحاب إسرائيل إلى خطوط 1967 وقضية اللاجئين.
ويشير مراقبون إلى أن إسرائيل غير مستعدة أصلًا للقبول بشروط المبادرة العربية، إذ يعتبرها نتنياهو تنازلًا يمس "أمن إسرائيل ومصالحها الحيوية". وقد صرّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مؤخرًا بأن هضبة الجولان ستبقى جزءًا من إسرائيل في أي اتفاق مستقبلي، ما يعني ضمنًا رفض مبدأ إعادة الجولان المحتل، وهو أحد ركائز المبادرة العربية.
في ضوء ذلك، يتساءل البعض: هل لا تزال مرجعية مبادرة بيروت 2002 واقعية اليوم؟ خاصة وأن التطبيع الفردي تجاوزها فعليًا عبر اتفاقيات أبراهام (2020) وغيرها، حيث أقامت دول عربية علاقات مع إسرائيل دون ارتباط مباشر بحل القضية الفلسطينية.
في هذا الإطار، لفت عباس إلى أن المبادرة العربية لعام 2002 ما زالت تمثل المرجعية الأساسية، إذ تشترط إقامة دولة فلسطينية على أساس حل الدولتين، وعودة اللاجئين، وأن تكون القدس عاصمتها، مؤكدًا أن سوريا ستؤيد هذه المبادرة وتتحرك في إطارها. لكن يبقى التساؤل: هل إسرائيل مستعدة فعلًا للقبول بهذه المبادرة وشروطها؟ مضيفًا أن العرب أبدوا استعدادًا لتقديم تنازلات كثيرة، في حين يسعى المشروع الإسرائيلي إلى صياغة "شرق أوسط جديد"، وفقًا لرؤية نتنياهو.
ومن زاوية أخرى، تدرك العواصم العربية أن توقيع دمشق لاتفاق منفرد مع إسرائيل (إن حدث) سيكون تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في التوازن الإقليمي. فالجامعة العربية تبنّت تاريخيًا موقف "الأرض مقابل السلام" كأساس للتسوية. لكننا شهدنا مؤخرًا تصدّعًا في الإجماع العربي، حيث انخرطت بعض الدول باتفاقات سلام منفصلة. لذا يستبعد محللون أن تتخذ جامعة الدول العربية موقفًا موحدًا صارمًا ضد دمشق إذا مضت نحو تفاهم مع إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته ستجد حرجًا في مباركة خطوة كهذه علنًا دون تقدم على المسار الفلسطيني. ربما يلتزم الموقف العربي الرسمي بالعموميات، كإعادة التأكيد أن السلام الشامل والعادل لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس – وذلك حفاظًا على المبدأ – حتى لو كانت الرياح تسير باتجاه آخر في الخفاء.
لم يأتِ الحديث عن لقاء نيويورك من فراغ، فقد سبقته مؤشرات تمهيدية. في 19 آب/أغسطس 2025، اجتمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس بحضور المبعوث الأميركي توماس باراك
أثمان وتنازلات مطروحة
يدرك الجميع أن أي مسار تفاوضي سوري–إسرائيلي لن يكون سهلًا، وستكون كلفته السياسية عالية بالنسبة لسوريا خصوصًا. فبعد أكثر من نصف قرن على احتلال الجولان السوري عام 1967، أعلنت إسرائيل ضم الهضبة رسميًا (1981) وترفض كليًا بحث مسألة الانسحاب منها.
في المقابل، تؤكد دمشق - حتى وهي في أضعف حالاتها - أن عودة الجولان بشكل كامل حق سيادي غير قابل للمساومة. هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات حول شكل التسوية الممكنة بين طرفين متمسكين بمواقف متناقضة: كيف سيتحقق التقارب إذن؟
أشار عباس إلى أن الأثمان التي ستدفعها سوريا لن تكون قليلة، موضحًا أن هناك سيناريوهات قد تُطرح مثل التخلي عن الجولان كليًا أو إيجاد بدائل، منها تأجير مناطق لفترة زمنية معينة أو جعلها مناطق منزوعة السلاح. واعتبر أن أي صيغة لعلاقة سورية-إسرائيلية يجب أن تقوم على تنازلات متكافئة ومتوازنة، وإلا فإنها ستؤثر سلبًا على السيادة الوطنية.
على طاولة النقاش الإقليمي اليوم تطرح كل هذه المعطيات الثقيلة، ويبقى السؤال الأبرز معلقًا: هل سنشهد حقًا لقاءً تاريخيًا بين الشرع نتنياهو في نيويورك، أم أن ما نُشر لا يعدو كونه تسريبات غير دقيقة أو بالونات اختبار؟ لا شك أن مجرد انتشار خبر التخطيط لهكذا اجتماع أثار زوبعة من الردود المتباينة. وإذا ما تم اللقاء فعلًا فسيكون سابقة سياسية مدوّية قد تغيّر ملامح المشهد في الشرق الأوسط، مع ما يرافق ذلك من مخاطر داخلية وضغوط شعبية على دمشق.
أما إذا تراجعت الأطراف تحت وطأة الرفض والحرج، فسيبقى الأمر عند حدود رسائل مبطنة وجسّ نبض بين الخصوم. في كل الأحوال، دخلت سوريا مرحلة جديدة منذ إسقاط نظام الأسد، مرحلة تحاول فيها إعادة التموضع ورسم سياساتها الخارجية وفق موازين القوى المستجدة. وسيثبت المستقبل القريب ما إذا كانت دمشق ستنجح في الموازنة بين ضرورات البقاء ومبادئ القضية.






