اللغة كأداة للقهر في الخطاب السياسي المغربي

اللغة كأداة للقهر في الخطاب السياسي المغربي

يتحدث السياسيون المغاربة بطريقة تجريدية بعيدة عن الجمهور (Getty)

"زارني دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، في بيتي وأكد لي أن الوضع في المغرب أفضل من فرنسا"، هذه ليست مزحة وإنما تصريح رسمي قاله رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، بملامح جدية ونبرة هادئة توحي بالصدق. إنها لغة الخشب التي غدت تغرق الخطاب السياسي اليوم بالمغرب إلى حد كبير.

اللغة الخشبية هي لغة بعيدة عن الهم الجمعي ونبض المتلقي، تستخدم كلمات غامضة، أو كلمات مجردة، أو رنانة، من أجل صرف انتباه الجمهور عن القضايا المهمة

بعد أن عانى المغاربة الأمرين مع الخطابات الشعبوية العشوائية، الغارقة في التهريج والمشاحنات الشخصية، خلال سنوات من العمل الحكومي، عاد الخطاب السياسي المغربي إلى بوصلته العتيقة من جديد، مع حكومة سعد الدين العثماني، التي يبدو أنها أكثرت من التخشب في خرجاتها العلنية هذه الأيام، حتى باتت تصريحاتها محط سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

واللغة الخشبية هي لغة بعيدة عن الهم الجمعي ونبض المتلقي، تستخدم كلمات غامضة، أو كلمات مجردة، أو رنانة، من أجل صرف انتباه الجمهور عن القضايا المهمة، إنها "نوع من الكذب المغلف بالمدح والإطراء بغرض المناورة والإغراء" لقيادة الرأي العام، بتعبير الباحثة الفرنسية فرونسواز توم.

كان الكاتب الأمريكي جورج أوريل، صاحب رواية "1984" الشهيرة، من أوائل الذين فطنوا إلى تورط اللغة في بقاء الاستبداد وخداع الجماهير. يعتقد أورويل أن اللغة المستخدمة في الخطابات السياسية "هي بالضرورة غامضة، ولا معنى لها، صُمّمت لجعل الأكاذيب تبدو صادقة، لكنها في الحقيقة قاتلة بطريقة محترمة، لأنها تهدف إلى إخفاء الحقيقة بدلًا من التعبير عنها". وذهب بعيدًا إلى حيث أن تعرض الجماهير بشكل مستمر للخطابات السياسية الخشبية، من شأنه أن يبدد قوتهم العقلية والحسية، لأنها تلقنهم الوهم والحقائق المشوهة. 

اقرأ/ي أيضًا: 3 أسئلة تجيب عن كل ما يتعلق بقانون التجنيد الإجباري المغربي

وفي وقت يتخبط فيه المجتمع المغربي في أزمات اجتماعية واقتصادية تهدد مستقبل البلاد، يجتهد السياسيون المغاربة في إعطاء خطابات خشبية رنانة، مستخدمين مجموعة من الأساليب اللغوية القاتلة، بدل الحرص على الوضوح في المعنى واعتماد لغة مفهومة. وفي الآتي أبرز هذه الأساليب:

الكليشيهات الميتة: "المغرب يسير في طريق النمو"، "بلدنا بلد الاستقرار"، "كل البلدان تعاني مشاكل".. مثل هذه العبارات وغيرها من التعابير القديمة والميتة يسمعها المغاربة كثيرًا من أفواه وزراء الحكومة ونشرات الأخبار، والتي تبدو أنها تقدم إجابة ما وبطريقة حاسمة، بينما هي في الحقيقة عبارات فارغة المعنى، توهم الجمهور بأنها تقدم وصفًا ملائمًا للمشكلة في حين لا تتجاوز السطح.

استخدام العبارات المبهمة والرنانة: ويعد مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، رجل التخشب الأول في استعمال هذا الأسلوب في خطاباته الإعلامية، حيث لا يتردد في استخدام لغة مبهمة وغارقة في الإطناب، ومليئة بالعبارات الرنانة من قبيل "الجهوية المتقدمة" و"الديمقراطية وحقوق الإنسان"، و"رهان التنمية المستدامة". وهكذا يضيع نقاش الموضوع وسط متاهة من الغموض المبهرج.

توظيف المبني للمجهول: حتى حينما يضطر مسؤولو الحكومة إلى الاعتراف بمشكلة ما على أرض الواقع، فإنهم لا يشيرون إلى مسؤوليتهم وتقصيرهم أو إلى المتسببين في تلك المشكلة، بل يعمدون إلى استخدام صياغات المبني للمجهول في جملهم، بحيث لا يظهر للناس الفاعل أو المسؤول عن هذه الأزمة، بل تبدو وكأنها نتجت بطريقة قدرية أو جراء الصدفة.

استخدام لغة ضيقة الجمهور: يميل كوادر الحكومة في البلاد إلى استخدام لغة نخبوية للغاية، لا يفهمها إلا قلة من الناس، فحتى عندما تكون تصريحاتهم باللغة العربية الفصحى، والتي لا يفهمها %32 من المغاربة الأميين، يستعملون فصحى مليئة بالعبارات الرنانة والغارقة في التنظير، تُفقد المعنى وجوهر الموضوع في سمع المتلقي. أكثر من ذلك، يعمد بعض الوزراء والمسؤولين الكبار إلى التحدث باللغة الفرنسية، رغم أن %80 من المغاربة لا يتقنونها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هكذا خذلت النقابات عمّال المغرب!

هل يحتاج المغرب إلى ضرائب جديدة أم إلى إصلاح ضريبي؟