اللجنة الدستورية.. مأزق النظام في مواجهة راعيه

اللجنة الدستورية.. مأزق النظام في مواجهة راعيه

اللجنة الدستورية السورية في جنيف، تشرين الأول/أكتوبر 2019 (AP)

إذا كان لاجتماعات اللجنة الدستورية، بشقيها الموسعة أو المصغرة، أن تشكف لنا طبيعة الموقف النفسي المحرج الذي وجد النظام السوري نفسه فيه، جراء إجباره من قبل رعاته الروس على الجلوس وجهًا لوجه مع خصوم سياسين لا يزال حتى اللحظة يرفض الاعتراف بوجودهم الإنساني، ولا يراهم إلا خونةً آبقين، كما يرفض الاعتراف بوجودهم السياسي إلا كوكلاء لعميل أجنبي (تركيا)، فإن نتائج الجولة الأولى من اجتماعات اللجنة المصغرة تكشف لنا الاستراتيجة التي سيلجأ إليها لإبطال أي مفاعيل عملية قد تصيب نظامه السياسي في مقتل.

يطمح النظام السوري لإقناع الجميع بعدم وجود طرف سياسي يصلح لمحاورته، من خلال سياسة الإنكار لوجود خصوم سياسين ذوي أجندات وطنية

الإنكار والمماطلة هما استراتجيَّتا النظام للخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وجد نفسه فيها، فمن خلال الإنكار، إنكاره لوجود خصوم سياسين ذوي أجندات وطنية، يطمح لإقناع الجميع بعدم وجود طرف سياسي يصلح لمحاورته، ومن ثم يوفر الذريعة المناسبة لانسحابه من عضوية اللجنة الدستورية في أول فرصة سانحة، كما يطمح لأن يقوم خصومه السياسين ذاتهم بإنكار أنفسهم من خلال إقرارهم الطوعي بأنهم جزء من حملة الإرهاب الكونية، التي تعرضت له دولته الوطنية على مدار الثماني سنوات الماضية، الأمر الذي يسحب منهم كل شرعية سياسية كأطراف في خصومة سياسية مع نظام مستبد يسيء إدارة الشؤون العامة لشعبه لصالحه الشخصي.

اقرأ/ي أيضًا: أفول المثل السوري

المماطلة في عرف النظام واحدة من الاستراتيجيات الفعالة لتحصين نفسه ضد جميع الضغوط السياسية، التي يمكن أن تفرض عليه سواء من قبل الحلفاء أو الخصوم، ذلك أنها تراهن على إرهاق الخصم أو سحق عزيمته عبر الزمن، أو تراهن على تبني الحليف وجهة نظره الخاصة أو ميله لها. في طريقته لتحقيق المماطلة يعمل النظام على استغلال الشروط الإجرائية الوردة في مدونة السلوك التفاوضي، والقاضية بمنع أي طرف من أطراف اللجنة الدستورية (المعارضة، النظام،المجتمع المدني) من مناقشة أي بند خارج جدول الأعمال ما لم يحصل على موافقة جميع الأطراف على إقراره، الأمر الذي يجعل من مطلب المعارضة بمناقشة القضايا الخاصة بإعداد دستور جديد أمرًا مستحيلًا، كونه يتعارض مع رغبة النظام بمناقشة أي شيء يتعلق بعمل اللجنة الدستورية، لشعوره العميق بأن أي نقاش جدي حول الدستور سيجره إلى الاشتباك حول مواد دستور ديمقراطي لا يتوافق مع رغبة بشار الأسد بالسيطرة المطلقة على كل شيء.

المماطلة في عرف النظام واحدة من الاستراتيجيات الفعالة لتحصين نفسه ضد جميع الضغوط السياسية

كان يمكن لجملة الأساليب المتحذلقة التي يتبعها النظام لنسف عمل اللجنة الدستورية من الداخل، سواء عبر الصيغة التمثيلية الملتبسة لوفده المفاوض، أو تعطيل انطلاق عمل اللجنة عبر التحكم بجدول أعمالها، أن تؤتي ثمارها لو كان وحده من يتمتع بلعب دور اللاعب الأقوى والمهيمن في معادلة إخراج اللجنة الدستورية للنور وتقرير مآلاتها. إلا أن واقع الحال لوضعيته الدونية كتابع لراعيه الروسي يجعله لا يدرك أنه لا يتذاكى على المعارضة السورية المهيضة الجناح، بقدر ما يذهب للتذاكي على راعيه الروسي نفسه الذي لولاه لما كانت هناك لجنة دستورية ولا انطلاق لإعمالها تحت مظلة الأمم المتحدة، الذي اضطره لأن يرد له الصاع صاعين على نحو علني وفاضح. تارة عبر وكالة تاس الحكومية التي اتهمت نظام الأسد بعرقلته المتعمدة لأعمال اللجنة الدستورية، كي يمنع إجراء انتخابات حرة بإشراف أممي، وتارة أخرى عبر قناة "روسيا اليوم" التي ذهبت في التعريض به وبشرعيته المفتعلة حدًّا جعلها تمضي في إيراد مقال لأحد محرري جريدة "زافترا" الروسية جاء فيه: "أن النظام لا يحظى على تأييد  سوى 20 % من مجمل السكان، وفيما يبدو الـ 30 % غير مبالين سوى بتحصيل قوتهم اليومي، فإن نسبة الـ50 % يطالبون بتغيير جذري في منظومة الحكم الحالية".

اقرأ/ي أيضًا: الصورة والسختورة وحافظ الأسد

لقد أثبت الأسد في استراتيجيته التفاوضية القائمة على الإنكار والمماطلة أنه لا يتحدى رغبة المعارضة بالتوصل لدستور ديمقراطي يطيح بأركان حكمه الاستبداي، بل رغبة راعيه الروسي في الظهور بمظهر رجل السلام الذي ما أن يضع يديه في قضية حتى يجد لها حلًّا مرضيًا لجميع الأطراف المتصارعة. فهل يستطيع الأسد الخروج من مأزق اللجنة الدستورية التي وضعه فيه الروس، أم يثبت للجميع أنه فوق قوانين السياسة القائمة على التسوية والحلول الوسط والإقصاء والتهميش؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

إنهم يكتبون دستورنا!