اللبنانيون من إكراهات الطوائف إلى فضاء الشعب

اللبنانيون من إكراهات الطوائف إلى فضاء الشعب

مظاهرة في بيروت (Getty)

جزء كبير من غضب اللبنانيين اليوم موجّه ضد النخبة السياسية، على وقاحة تلك النخبة بالذات، التي أوصلها شعورها العارم بفائض قوتها إلى الإقدام على مغامرة نهب جيوب مواطنيها، من مطرح غير قابل للنهب أصلًا: فرض رسوم على الواتساب، لأنه في معظم دول العالم يقدم لمشتركي الإنترنت على نحو مجاني، إلا في لبنان الذي لم تبالِ نخبته بضرب أوليات التفكير السليم عند اللبنانيين، ولا بهدر بكرامتهم، عبر تعمدها لفرض رسوم يعرفون مسبقًا أنه سيتم نهبها من قبل النخبة الحاكمة بطرق ملتوية.

في لبنان، البذاءة وسيلة من وسائل النقد الهابط التي تعلن القطيعة مع النخبة السياسية

في الإطار العام لغضب اللبنانيين، بدا من الطريف حقًا أن يتوحدوا في انتفاضتهم على الموقف من الواتساب والبذاءة؛ على الواتساب من حيث كونه الوسيلة التي كشفت دناءة النخبة السياسية ووقاحتها في الذهاب بعيدًا حتى في الإثراء عبر حكي الناس ودردشاتهم الحميمة، وعلى البذاءة من حيث كونها وسيلة من وسائل النقد الهابط التي تعلن القطيعة مع تلك النخبة التي لا تحسن سوى إدامة مثلث بؤسهم بذراه الثلاث: النهب والبطالة والجوع.

اقرأ/ي أيضًا: التظاهرات اللبنانية.. احتجاج بالفكاهة

المضيء في حراك اللبنانيين اليوم هو خروجهم من زواريب الجماعات والطوائف السياسية إلى مقام الشعب، الشعب الذي صار بمقدوره أن يرتقي إلى مستوى النضج السياسي، عبر المطالبة بإسقاط حكومته الطائفية، واستبدالها بحكومة تكنوقراط مصغرة تضع على عاتقها مهمة إدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية، يتم في أثنائها العمل على إعداد قانون انتخابي يليق بدولة مدنية يجعل من لبنان دائرة انتخابية واحدة، ومن كل فرد من أفراده مواطنًا كامل الأهلية السياسية من حيث الحقوق، حيث لا رقيب على إرادته الحرة أو صوته الانتخابي سوى ضميره الوطني الذي يملي عليه اختيار من يرغب لتمثيل مصالحه وإدارة شؤونه العامة.

مما لا شك فيه أن الحراك الجماهيري ضد سياسات النهب الحكومية قد فاجأ زعماء الطوائف على اختلاف تياراتهم، ليس لجهة حجم المشاركة الواسعة فيه واتساع رقعته المكانية وحسب، بل لجهة خروج أنصارهم ومحازبيهم أنفسهم عليهم، وإصرارهم على مخاطبتهم كطبقة سياسية فاسدة "كِلّن يعني كِلّن"، ما كان لها أن تواصل سلوكها السلطوي الفاضح بالنهب والإفقار، لولا إتكاؤها على نظام سياسي فاسد يسمح لها بالاستمرار في السلطة وتوريثها من الآباء إلى الأبناء، كما توظيفها على نحو نفعي فاضح.

في مواجهة آل السلطة لغضب الشارع واتهاماته لهم بالفساد وسوء الإدارة كما خيانة الأمانة، حاول البعض استثمار مفاعيل هذا الغضب لإضعاف خصومه السياسين، الأمر الذي نجده جليًا في ثنايا خطاب الحريري، في معرض تقديمه لخطة الإصلاح الاقتصادي الذي باهى بأنه لم يكن لينجح بإقرارها على هذا النحو العاجل لولا انتفاضة الناس ضد آل الحكم، الذين هو واحد منهم، دون أن يشرح لنا الأسباب التي قد تدفع برجل مثله للبقاء على رأس حكومة، عاجزة عن إقرار خطته الاقتصادية التي يدعي قدرتها على تجنيب البلاد الخراب الاقتصادي، لولا رغبته المسبقة في البقاء في السلطة بأي ثمن، يعرف مسبقًا أنه قادر على تجييرها لمصلحته الشخصية.

في موقفه من الحراك الشعبي، أظهر جنبلاط تمسكًا بالزعامة الطائفية بأي ثمن

في موقفه من الحراك الشعبي، أظهر جنبلاط تمسكًا بالزعامة الطائفية بأي ثمن، بدليل أنه لم يُقدم على خطوة سحب وزرائه من الحكومة رغم إيحائه بذلك قبل انعقاد جلستها، ربما لمعرفته أن الزعيم خارج السلطة هو زعيم بلا منافع ولا غنائم، وإلاّ كيف نفسر تركيز هجومه على جبران باسيل، رجل حزب الله القوي في الحكومة، مع علمه المسبق باستحالة تمرير هذا المطلب، سوى رغبته بتسجيل النقاط على جبران وحلفائه في حزب الله.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: انتفاضة لبنان.. أسبابها وتداعياتها

لا شك أن جرأة القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع فاقت الجميع عبر اتخاذه قرار انسحاب وزرائه من الحكومة، إلا أن تلك المحاولة لم تكن برئية بالمطلق، بقدر ما كانت رغبة ماكرة بالاستثمار في إسقاط حكومة لا يحظى فيها إلا بعدد قليل من الوزارات، على أمل حصوله على عدد أكثر من الحقائب الوزارية في الحكومة القادمة.

في إطلالة باسيل عبر قصر بعبدا، حضر وجه السلطة القبيح وغاب رئيس القصر (والد زوجته)، كما لو كانت المصاهرة بين الرجلين تسمح للوزير للحلول في مقام الرئاسة والتحدث بلسانها، تارة ليلقي اللوم على الآخرين "إن ما حصل تراكم إزمات وإخفاقات ماضية"، مع العلم أنه يدير 11 وزيرًا في الحكومة ولديه موقف متصلب من تمرير أية حلول لا تناسب هواه في موضوع الكهرباء أو غيره، وتارة ليذر الرماد في العيون عبر استعداده لرفع السرية المصرفية عن حسابات وزرائه في "تكتل لبنان القوي"، متناسيًا رفضه التصويت لصالح مشروع قانون "استعادة الأموال المنهوبة" عنده طرحه للتصويت في مجلس النواب.

في خطبته بمناسبة أربعينية الحسين، بدا زعيم الطائفة الشيعية حسن نصر الله مستهزئًا بحراك الشارع "تضيعون وقتكم وأنتم لا تستطيعون إسقاطه"، ثم نراه غاضبًا متوعدًا باستحالة تحقيق مطالب المحتجين (إسقاط الحكومة، والعهد، والذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة)، وهو أمر لا يمكن فهمه إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار دوره السيادي في تشكيل الوزرات وتوزيع الحقائب، وصولًا إلى قولبة أفكار الطامحين بمنصب رئيس الجمهورية بما يناسب هواه، ومن ثم دوره المقرر في وضع الخطوط العامة للسياسة الخارجية التي يديرها باسيل حاليًا، والقرارت الاقتصادية الكبرى التي يستحيل تمريرها دون أخذ موافقة حزبه، الأمر الذي يعني فيما يعنيه أن كل مطالبة بإسقاط الحكومة هي إسقاط لهيبته كصاحب يد عليا في هندسة وإقرار كل ما يتعلق بمصير اللبنانيين وحياتهم اليومية.

تدهورت مكانة حسن نصر الله المقدسة كزعيم فوق الشبهات، لينزل إلى مستوى المكانة الدنيوية للزعماء الآخرين

ظهر حسن نصر الله واثقًا حازمًا كعادته، كيف لا وهو لم يتوقف عن إشهار أصبع سبابته اليمنى في وجه كل الذين غامروا في تحدي سلطته المطلقة كحاكم فعلي للبنان، غير أن الشيء الذي لم يحسب له حساب، هو سقوط هيبته وتدهور مكانته المقدسة كزعيم فوق الشبهات إلى مستوى المكانة الدنيوية لزعيم يجوز عليه ما يجوز على غيره من الزعماء الآخرين من شتم وتحقير، وتحميلهم وزر مشاركتهم في تجويع الناس ونهب أموالهم "كلن يعن كلن..نصر الله واحد منن".

اقرأ/ي أيضًا: ميادين لبنان ترفض ورقة الحريري

كل ذلك ليس على ألسنة أنصار الطوائف اللبنانية الأخرى، بل على ألسنة أبناء طائفته الشيعية الذي شاركوا بكثافة لإنجاح إحتجاجات بيروت بشهادة السوشيال ميديا اللبنانية. وهو أمر لن تستطيع ترميمه عبر أية محاولات للتمترس وراء التغني بأمجاد المقاومة وأشرف الناس، ولا عبر الطاقة التشبيحية لأصحاب القمصان السود الذين اجتاحوا بيروت عام 2018 وفرضوا سطوتهم على معارضيهم كما يرغبون.

في انتفاضتهم ضد نخبتهم السياسية يفتتح اللبنانيون في تاريخهم المعاصرة كوة أمل في تحولهم إلى شعب، بعد أن عاشوا طويلًا في إقطاعيات زعماء الطوائف وإكراهاتها، كما لو كانوا عبيدًا لهم بالولادة، وإذ يفعلون ذلك فإنهم يعلنون الثورة من أوسع أبوابها، إلا أنهم في مغامرتهم تلك يجازفون في فتح معركة وجودية شرسة مع سلطة سياسية ترفض الاعتراف بانتهاء صلاحيتها، كما ترفض التخلي عن امتيازاتها التي توفرها لها السلطة، لذا تراها لن تستسلم وتسلم لقوى التغيير بسهولة، إلا عبر موجات من طوفان الحشود البشرية التي تصر على صناعة مستقبلها بإرادتها الحرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

#لبنان_ينتفض ضد المجموعة الحاكمة.. تطورات الشارع على السوشيال ميديا

استمرار التظاهرات في لبنان ومسلحو الأحزاب يقمعون المحتجين