اللامساواة في التعليم.. آثار أخرى للفساد وانعدام الديمقراطية

اللامساواة في التعليم.. آثار أخرى للفساد وانعدام الديمقراطية

للفساد وانعدام الديمقراطية أثر مباشر على منظومة التعليم (Getty)

"يوجد في عالمنا اليوم 264 مليون طفل وشاب لا يذهبون إلى المدرسة، و100 مليون من الشباب لا يستطيعون القراءة"، بهذه الحقيقة تفتتح منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) تقريرها الحديث، الذي يرصد مستوى التعليم خلال السنوات الخمس الأخيرة على مستوى العالم.

ونحن في عام 2018، ثمّة أكثر من ربع مليار طفل وشاب لم يذهبوا إلى المدرسة، و100 مليون شاب لا يعرفون القراءة

وأقرت المنظمة الأممية في تقريرها الأخير، بتخلف العديد من البلدان النامية عن تحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030، نتيجة مجموعة من الأعطاب المتجذرة في نظمها التعليمية، من بينها عدم الإنصاف أو اللامساواة من حيث فرص التعلم بين أبناء النخبة الثرية والمتوسطة وأولاد القاعدة الشعبية الأكثر فقرًا.

اقرأ/ي أيضًا: ثلث المغاربة أميون

يقول تقرير اليونسكو، الذي أعده فريق بحثي متخصص، إن تقييم التعلم لدى طلاب العديد من البلدان، ولا سيّما البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، يتبين أنهم لا يصلون إلى الحد الأدنى من مستويات الكفاءة، فعلى سبيل المثال في تشاد والكويت والجزائر وإندونيسيا، ثلث الطلاب والتلاميذ في المدارس لم يكتسبوا الحد الأدنى من مؤشرات القياس في مادة الرياضيات ومهارة القراءة، على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي.

و تعود هذه النتيجة بشكل أساسي إلى عدم المساواة في اكتساب مهارات القراءة والكتابة والحساب، بحسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي، كظاهرة واسعة النطاق في البلدان النامية، حيث هناك فجوة واسعة في الاستفادة من التعليم الجيد بين أبناء الفقراء والأغنياء، ومن جهة أخرى بين أطفال القرى والمدن.

في هذا الصدد، تفيد البيانات للفترة ما بين 2010 و2015، أن نسبة المراهقين الذين أكملوا المراحل الدنيا من التعليم الثانوي، هي 75 مراهق ريفيًا لكل 100 مراهق حضري. وتزداد الحصيلة سوءًا بالنسبة للفئات الفقيرة، وفقًا لمؤشر التكافؤ، حيث لا يكمل المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في الدول المنخفضة الدخل سوى 14 فردًا من الأوساط الفقيرة، مقابل 100 فرد من الأسر الغنية. وتتحمل الفتيات القرويات المنحدرات من عائلات فقيرة، الحرمان الأكبر من فرص التعليم.

كما تتفاوت فرص الالتحاق بالتعليم قبل المرحلة الابتدائية بالنسبة للأطفال ما بين عمر ثلاث وخمس سنوات، تفاوتًا كبيرًا بين الأوساط الغنية والقاعدة الفقيرة، إذ يلتحق ببرامج التعليم المبكر فقط خمسة أطفال من العائلات الفقيرة، مقابل كل 10 أطفال من أسر غنية، وفي بعض البلدان منخفضة الدخل تصل النسبة لدى المنحدرين لأوساط ثرية إلى ثلاثة أضعاف نظرائهم الفقراء.

تتفاوت نسب فرص التعليم بين أبناء الأغنياء والفقراء بشكل كبير في الدول الأكثر فسادًا (Getty)
تتفاوت نسب فرص التعليم بين أبناء الأغنياء والفقراء بشكل كبير في الدول الأكثر فسادًا (Getty)

وللبيئة تأثير قوي على نمو الطفولة المبكرة، كمرحلة جوهرية، نظرًا لتأثيرها الشديد على مستقبل الطفل التعليمي ومنه مستقبل حياته ككل، حيث يلعب المحيط الأسري دورًا مهمًا في تحفيز مدارك الطفل وتهيئته للمدرسة، من خلال الشجيع على ممارسة مجموعة من الأنشطة، مثل القراءة و ومشاهدة أفلام الأطفال والغناء، وأيضًا العدّ والرسم وغيرها.

يرجع جزء كبير من انعدام المساواة في التعليم، إلى الفساد المستشري في كافة الجوانب التي تنطوي عليها العملية التعليمية 

وبجانب ذلك توفير الأدوات المعرفية لصغار السن، كمجلات الأطفال والألعاب الذكية واللوحات الملونة، وبالتأكيد فالأسر المعيشية الفقيرة هي الأقل رجحانًا من الأسر الغنية لتوفير مثل هذا الجو المشجع على التعلم، وبالتالي فإن أبناء الأغنياء يكونون أكثر استعدادًا للتفوق حتى قبل الدخول إلى المدرسة.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا نهزم الفساد في العالم العربي؟

لا يقتصر هذا الأمر على المراحل الأولية للتعليم فحسب، بل حتى التعليم العالي، فمع ازدياد الطلب، تتجه بعض الحكومات إلى تحميل الأفراد جزء من عبء التكاليف، إما بزيادة الرسوم الدراسية أو بتشجيع الخدمات التعليمية التي يوفرها القطاع الخاص، وهو ما يثقل كاهل الفقراء، ولكن حتى في حالة عدم وجود رسوم دراسية، تبقى التكاليف الدراسية غير مقدور عليها بالنسبة لقطاع كبير من الطلبة، ومن ثمة تصبح الشريحة الغنية هي الأوفر حظًا في الحصول على تعليم أفضل في كل الأحوال.

ووفقًا لتقرير اليونسكو فإن جزءًا كبيرًا من انعدام المساواة في فرص التعليم بالعالم النامي، الذي تندرج تحته الدول العربية بطبيعة الحال، يرجع إلى الفساد المستشري في كافة الجوانب التي تنطوي عليها العملية التعليمية، ابتداءً من التمويل ومرافق المشتريات، وصولًا للشهادات وإدارة المعلمين والامتحانات والمنح الدراسية والبحوث والكتب المدرسية، وقبل كل ذلك المحتوى والمناهج التعليمية.

وبغض النظر عن حجم ونوعية هذا الفساد، فإن التداعيات الناجمة عنه أوسع نطاقًا، حيث تطال الخسائر أجيالًا بكاملها لم تتمتع بفرص إتمام التعليم والحصول على الجودة المطلوبة، ما يؤثر سلبًا على الدولة والمجتمع ككل.

والحكومات، في البلدان الفقرية والغنية على حد سواء، "هي المسؤولة في نهاية المطاف عن التقدم في طريق تحقيق التعليم المطلوب"، باعتبارها هي التي تتحمل مسؤولية الوفاء بالالتزامات في مجال التعليم وخططه وتنفيذه ومخرجاته، فضلًا عن أنه من واجباتها توفير الحق في التعليم الجيد لكل الأفراد بمختلف انتماءاتهم بغض النظر عن أصلهم الاجتماعي والاقتصادي، على نحو متكافئ بين أفراد المجتمع.

وللمضي قدما في هذا المجال، تحث اليونسكو على تقوية ثقافة المساءلة، فغياب المساءلة يعني تقويض التقدم نحو الهدف المنشود، والسماح للممارسات الضارة بالتوغل والتجذر في صميم النظم التعليمية.

ويرتبط غياب خطط تعليمية مصممة بوضوح بغياب المساءلة، فعدم وضوح الخطط التعليمية يؤدي إلى عدم وضوح الأدوار والمسؤوليات، مما يصعب بدوره مهمة المحاسبة في حال الإخفاق، وبالتالي تبقى الوعود الحكومية فارغة الجدوى، ليأتي  بعدها القطاع الخاص بمؤسساته الربحية ليملأ الفراغ بدون ضوابط، فيكرس الأخير التفاوت في التعليم على حساب الفئات المهمشة.

يرتبط غياب خطط تعليمية مصممة بوضوح بغياب المساءلة، فعدم وضوح الخطط التعليمية يؤدي إلى عدم وضوح الأدوار والمسؤوليات

ويمكن للجمهور أن يقوم بدور مساءلة السياسات الحكومية في التعليم، عن طريق الأصوات الانتخابية ووسائل الإعلام والمنظمات المدنية المعنية بالتعليم، بالإضافة إلى أولياء الأمور، إلا أن هذه الوسائل قد تواجه تحديات صعبة في البلدان غير الديمقراطية، ما يعني أن العملية السياسية النزيهة هي جوهر إصلاح التعليم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التعليم.. "المهمش الأكبر" في ميزانية السودان

مشكلة التعليم.. أكبر المخاطر التي تهدد اقتصاد الصين؟