اللاجئون.. سلاح آخر في الحروب

اللاجئون.. سلاح آخر في الحروب

لاجئون سوريون على الحدود مع تركيا (Getty)

المقال التالي هو ترجمة لمقال لـ"كيلي جرينهيل" في "الفورين أفيرز" عن كيف تستخدم الأطراف المتورطة في الحروب، النازحين، كسلاح ضد أعدائها أو كورقة ضغط على دول أخرى لمساعدتها. 


في الأسابيع الأخيرة، جادل العديد من المرشحين الرئاسيين الأمريكيين المتصدرين للسباق الجمهوري لصالح إغلاق الحدود الأمريكية انتقائيًا في وجه السوريين وآخرين. يرى هؤلاء المرشحون أن تلك الخطوة -بجانب إنهاء أي برامج لإعادة توطين اللاجئين السوريين- سوف تجعل الولايات المتحدة آمنة من الهجمات الإرهابية. مثل تلك الاقتراحات الخيالية وغير المطلعة ليس فقط غير واقعية، ولكنها أيضًا تشتت الانتباه عن طرقٍ حقيقية للغاية وذات عواقب يتم بها استغلال اللاجئين والمهاجرين كأسلحةٍ سياسية وعسكرية.

استخدام النازحين كسلاح لا يقتصر فقط على مناطق الصراعات؛ يمكن أيضا استخدام المهاجرين واللاجئين من أجل النفوذ في مناطق بعيدة عن ساحة القتال

مهجِّري بشر

ارتكبت جميع الأطراف في الحرب الأهلية السورية، بدرجةٍ أو بأخرى، تحريكًا واسع النطاق للمدنيين من وإلى مناطق سيطرتهم. في بعض الأحيان مثّل التهجير وإعادة التوطين المنهجي كمحاولاتٍ للحصول على تفوقٍ عسكري تكتيكي. على سبيل المثال، أوردت منظمة العفو الدولية في أوائل أكتوبر أن حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو تنظيم سوري متمرد، قام بهدم منازل وتهجير قرىً كاملة من أجل "تجفيف البحر (المدنيين) الذي يسبح فيه السمك (العدو)"، كما صاغ ماو الأمر. حزب الاتحاد الديمقراطي ليس الوحيد. ظل ذلك النوع من التهجير المنهجي طويلًا أداةً للحرب، حيث أن بإمكان غير المحاربين توفير الأمن والمساعدة والدعم والعمل كمصدرٍ للمقاتلين.

وفي المقابل، يمكن أيضا منع المدنيين من الفرار من المناطق التي يسيطر عليها المسلحون، من أجل حماية الجنود ومناصريهم من هجومٍ عسكري. أوردت منظمة هيومان رايتس ووتش في أوائل نوفمبر، على سبيل المثال، أن تنظيم جيش الإسلام المعارض أبقى على مدنيين رهائن في شمال سوريا من أجل ردع الهجمات من قِبل قوات الحكومة. 

في حالاتٍ أخرى، تبدو مثل تلك المخططات لإعادة الهندسة محاولات للحفاظ على أو تأمين سيطرة تعقب الحرب على أجزاءٍ من الأراضي السورية، من خلال استراتيجية أسميتها "هجرة مصممة للسلب"، يندرج تحتها التطهير العرقي. تورد تقارير، على سبيل المثال، أن القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد قامت بتهجير الأحياء التي تخضع لسيطرتها على نحو انتقائي وأعادت توطينها بحلفاء للنظام، بعضهم نازحون من مناطق أخرى في سوريا. بالمثل، وكما أورد موقع وور أون ذا روكس الأسبوع الماضي، أن تنظيم ما يدعى بالدولة الإسلامية (المعروف أيضا باسم داعش) قد استخدم العنف على نحوٍ روتيني لتشجيع "الكفار" على الفرار من أراضيهم ثم وفر ممتلكاتهم للداعمين القادمين. لاستراتيجية المصادرة والتوزيع من خلال التهجير القسري تلك، أيضا، تاريخٌ طويل وقذر. 

لكن استخدام النازحين كسلاح لا يقتصر فقط على مناطق الصراعات؛ يمكن أيضا استخدام المهاجرين واللاجئين من أجل النفوذ في مناطق بعيدة عن ساحة القتال. على سبيل المثال، وخلال الأسبوع الأول من نوفمبر، أعلن جمال زوبيا، المتحدث باسم حكومة الإنقاذ الوطني -إحدى الحكومتين المتصارعتين في ليبيا- تهديدًا غير مبطن للغاية للاتحاد الأوروبي، إذا لم تحصل حكومته على الاعتراف الدبلوماسي والمساعدة المالية، فإنها يمكن أن تساعد على نحوٍ فعّال المهاجرين وطالبي اللجوء في محاولتهم للوصول إلى أوروبا. في مقابلةٍ مع صحيفة التليجراف، أكد زوبيا على أنه رغم أن فصيله المتمركز في طرابلس لا يخطط لتنفيذ تهديده على الفور، فإنه يمكن أن يفعل ذلك في المستقبل: "نحن نحمي بوابات أوروبا، رغم ذلك فإن أوروبا لا تعترف بنا ولا تريد الاعتراف بنا. إذن لماذا يجب أن نوقف المهاجرين هنا؟ . . . إنه تهديدٌ استراتيجي، نعم، لكنني لن أستبعد أن نقوم بتنفيذه يومًا ما".

يأتي التهديد الليبي في أعقاب تهديداتٍ مماثلة تورد تقارير أن تركيا صرحت بها في سبتمبر وأكتوبر (وربما في وقتٍ سابق). حسب صحيفة وول ستريت جورنال ورويترز ومصادر أخرى فإن المطالب التركية لأوروبا تضمنت دعمًا ماليًا لتخفيف عبء استضافة أكثر من مليوني سوري، ورفع قيود التأشيرة على المسافرين الأتراك، وتنشيط محاولة تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي. حسب بعض الروايات، جددت تركيا أيضا طلبًا سابقًا بإقامة "منطقة آمنة" على طول الحدود السورية.

ارتكبت جميع الأطراف في الحرب الأهلية السورية، بدرجةٍ أو بأخرى، تحريكًا واسع النطاق للمدنيين، وهو ما يوصف بالتهجير القسري

في كلا الحالتين الليبية والتركية كانت الرسالة الأساسية واضحة: استجيبوا لمطالبنا أو واجهوا عواقب (ربما تكون شديدة) مرتبطة بالهجرة. رغم أن التهديد الليبي يظل كامنًا حتى الآن، فإنه قد تم الموافقة على عددٍ من المطالب التركية، وشمل ذلك مساعداتٍ بقيمة ثلاثة مليارات يورو كدفعة مبدئية وإحياء مفاوضات عضوية أنقرة بالاتحاد الأوروبي، حسب صحيفة نيويورك تايمز وبي بي سي ومصادر أخرى.

استخدام الهجرة كأداة للإكراه بين الدول ليس شيئًا جديدًا. منذ أن دخلت اتفاقية اللاجئين لعام 1951 حيز التنفيذ، كان هناك على الأقل خمسة وسبعين محاولة من قِبل دول وفاعلين دون مستوى الدولة لاستخدام النازحين كوسائل لتحقيق غايات سياسية واقتصادية وعسكرية. تراوحت مطالب المُكرهين من مجرد توفير مساعداتٍ مالية إلى مطالب بحرب شاملة والمساعدة في تغيير النظام. كانت تلك هي الحالة عندما استخدم الرئيس الهايتي جان برتران التهديد بفيضان من الهايتيين القادمين على متن قوارب إلى الولايات المتحدة لإقناع إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالإطاحة بالحكومة العسكرية وإعادته إلى السلطة في سبتمبر 1994.

بالمثل وعد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي بـ"جعل أوروبا سوداء" على نحوٍ درامي إذا فشل الاتحاد الأوروبي في الاستجابة لمطالبه. ورغم أن أهدافه تفاوتت بشدة مع الوقت -وتراوحت من رفع العقوبات إلى توفير مليارات الدولارات كمساعدات إلى إيقاف دعم المحتجين في الأيام الأولى لما أصبحت الانتفاضة الليبية- استخدم القذافي تلك الأداة بدرجاتٍ متفاوتة من النجاح في أعوام 2004 و2008 و2010، قبل أن يخرج الأمر عن نطاق سيطرته في 2011. 

فيما يقارب ثلاثة أرباع الحالات التاريخية، حقق الُمكرِهون بعض أهدافهم على الأقل. وفيما يزيد عن نصف الحالات الموثقة، حصلوا على جميع أو تقريبًا جميع ما أرادوه، الأمر الذي يجعل ذلك التكتيك أكثر فعالية، رغم أنه أصعب في الإدارة والسيطرة، من كلٍّ من العقوبات الاقتصادية أو الدبلوماسية التقليدية المدعومة عسكريًا.

الأمر الأكثر إدهاشًا هو أن بعض التهديدات باستخدام اللاجئين والمهاجرين كأسلحة قد تم تنفيذها بالفعل. في ربيع عام 1999، هدد الرئيس اليوجوسلافي آنذاك سلودوبان ميلوسوفيتش ثم قام بطرد مئات الآلاف من اللاجئين في محاولةٍ أولًا لردع الناتو من القيام بحملة قصف خلال حرب كوسوفو ثم لإجبار الحلف على إيقافها. اعترف وزير الخارجية الألماني الأسبق جوشكا فيشر لاحقًا بأنه نادم على عدم أخد ميلوسوفيتش بجدية عندما هدد بأنه "يستطيع إفراغ كوسوفو في أسبوع".

استخدم الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو أيضًا الهجرة كسلاح ضد الولايات المتحدة في ثلاث مناسبات على الأقل: عام 1965، وعام 1994، وخلال هروب ماريل الجماعي عام 1980، وهو أكثرهم شهرة. كما القذافي، تفاوتت أهداف ومطالب كاسترو بمرور الوقت لكنها تضمنت، من بين أشياء أخرى، تغيرًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه القراصنة الكوبيين وتنظيم الهجرة الأمريكية الكوبية.

كيفية الرد

رغم انتشاره، فإن ذلك النوع من الإكراه قليلًا ما ظهر للعلن تاريخيًا. أحد الأسباب، هو أن تهديدات الإكراه تصدر غالبًا سرًا وبين طرفين؛ في حالاتٍ كثيرة، لا يكون لدى المكرِهين أو أهدافهم محفزاتٍ لكشف الابتزاز السياسي. السبب الآخر، هو أن ذلك النوع من الإكراه يتشابك عادةً مع اعتباراتٍ سياسية أخرى. على سبيل المثال، طرد الزعيم الأوغندي عيدي أمين أغلب الآسيويين من بلاده عام 1972، فيما أصبح يتم تفسيره لاحقا على أنه استيلاء صريح على الممتلكات، حيث أن الآسيويين كانوا يمتلكون أغلب المشاريع الكبيرة في أوغندا في ذلك الوقت. الحقيقة التي لم يتم ملاحظتها إلا على نطاقٍ أقل بكثير هي أن حوالي خمسين ألفًا من هؤلاء الذين تم طردهم يحملون جوازات سفر بريطانية وأن حوادث الطرد تلك حدثت في نفس الوقت الذي كان يطالب فيه أمين البريطانيين بأن يوقف البريطانيون تخفيضًا مخططًا له للمساعدات العسكرية لبلاده. حتى أن أمين أعلن عن نياته بدس خمسين ألف لاجئ على بريطانيا، بفترة سماح ملائمة تبلغ تسعين يومًا للبلاد لإعادة التفكير في قرارهم بشأن المعونة العسكرية.

كما في الحالة الأوغندية، فإن الأغلبية العظمى من المستهدفين المعروفين لذلك النوع من الإكراه كانت ديمقراطيات ليبرالية (أكثر من 70%)؛ كانت 11% أخرى تنظيمات أو مجموعات من الدول تضمنت ديمقراطيات ليبرالية. تلك ليست مصادفة. تكون الديمقراطيات الغربية أكثر تعرضًا لأنها تجد نفسها محاصرة بين التزاماتٍ متعارضة. من ناحية، ألزمت تلك الدول نفسها بالتزامات معيارية وقانونية بحماية هؤلاء الهاربين من العنف والاضطهاد. ومن ناحيةٍ أخرى، كما توضح الأحداث الأخيرة في أوروبا والولايات المتحدة، بعض القطاعات من كياناتٍ ديمقراطية معارضة بشدة لاستقبال نازحين، إما لأسبابٍ اقتصادية أو سياسية أو ثقافية منطقية، أو لأسبابٍ غير منطقية معادية للأجانب. ولأنه لا يمكن للمستهدفين اختيار مجموعة معينة من المهاجرين ورفضها على نحوٍ متزامن ، فإن حوافز الاستجابة للمطالب وجعل المشكلة تختفي قد تكون قهرية.

الخسائر طويلة المدى للفلسفة والهوية الليبرالية قد تكون أكبر بكثير من أي تكاليف إنسانية قصيرة المدى مرتبطة باستيعاب اللاجئين

 إذن ما هي الخيارات المتاحة أمام المستهدفين المحتملين للإكراه باستخدام الهجرة؟ هناك عدة خيارات، لكن أيًا منها ليست حلًا حاسمًا؛ كل منها لها مزايا ومساوئ. يمكن للمستهدفين أن يستجيبوا، لكن ذلك يحمل خطر أن المُكرِهين قد يكررون ويصعدون مطالبهم، كما فعل القذافي في العقد الماضي. في المقابل، يمكن أن يقوم المستهدفون بعملٍ عسكري لتغيير الأوضاع على الأرض في بلدان المنشأ. لكن الحروب مكلفة ونتائجها غير مضمونة. مرة أخرى، مثال القذافي مفيد لاستخلاص الدروس: لم يختفِ تهديد الإكراه الليبي عندما اختفي القذافي، ولا يوحي عدم الاستقرار الذي أعقب اختفاءه في البلاد وفي المنطقة بشأن خيار تغيير النظام.

بدلًا من ذاك، قد تناشد الحكومات سكانها بالترحيب بالنازحين، مؤكدةً على المناقب الاقتصادية طويلة المدى للهجرة، خاصةً بالنسبة لدول تعاني من انخفاض معدلات الموالية وقاعدية ضريبية تنكمش باستمرار. إذا نجحت تلك الاستراتيجية، يصبح الإكراه مستحيلًا لأن التهديدات بـ"الإغراق" سوف تقابل، نظريًا، باستهانة. لكن ذلك النوع من تغير المواقف يكون أكثر نتيجة لحملة طويلة المدى. تلك الاستراتيجة غير فعالة عامةً في ذروة حالة هجرة طارئة جارية. وسوف تكون صعبة على نحوٍ خاص في أعقاب الهجمات في باريس، في ضوء حقيقة أن واحدًا على الأقل من المهاجمين الموالين لداعش قد سافر إلى أوروبا وسط سيلٍ للنازحين. 

أخيرًا، وبدلًا من كل ما سبق، قد تبطل الدول المستهدفة التزاماتها وتغلق حدودها وأبوابها. ذلك أيضًا يجعل الإكراه الناجح باستخدام الهجرة صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا. لكن، مثل ذلك الموقف عادةً ما يشجع الآخرين على اتباعه وسوف يمثل تخليًا عن مكونٍ رئيسي لقيم الديمقراطيات الليبرالية. في النهاية، الخسائر طويلة المدى للمعنويات والفلسفة والهوية الليبرالية قد تكون أكبر بكثير من أي تكاليف إنسانية قصيرة المدى، تأتي من قبول المهاجرين واللاجئين، الضحايا الحقيقيين لذلك النوع من الإكراه. من غير المرجح أيضًا أن تحل مثل تلك المقاربة المخاوف الأمنية المرتبطة بالهجرة. بالفعل، إغلاق الحدود في وجه المهاجرين واللاجئين قد يساعد، للمفارقة، في تغذية السردية الجهادية، والتي بدورها قد تزرع بذور نوعٍ مختلف من من استخدام النازحين كسلاح.

المصدر: Demographic Bombing

___

اقرأ/ي أيضًا: 

تشاك هاجل..كنا سنضرب الأسد!

سجن العقرب..ماذا يحدث في جونتانامو مصر؟