اللاجئون السوريون يقودون أردوغان إلى النصر

اللاجئون السوريون يقودون أردوغان إلى النصر

ميركل وأردوغان في قصر يلدز في أسطنبول 18 تشرين الأول/أكتوبر (Getty)

نعم فاز الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية، على خصومه، واستعاد حزبه أغلبيته المطلقة بعد فوز ساحق حققه في الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت الأحد الماضي. لكن كيف تحقّق له ذلك وهو الذي دفع قبل شهور ضريبة الديمقراطية التي أوشكت أن تعلن نهاية حكم الحزب الأردوغاني الواحد؟ ثم لماذا ماطل أردوغان في تشكيل الحكومة "الديمقراطية" بعد انتخابات ولدت ميتة، وهو الذي كان عليه أن ينجحها بأي ثمن طالما أنه يتغنى بديمقراطيته دائمًا؟

لم يكن انتصار أردوغان على قادة الاتحاد الأوروبي ليتحقق لولا إدارته الذكية لملف اللاجئين السوريين

عندما نتذكر أن شيئًا لم يتغير دراماتيكًا في تركيا منذ حزيران/يونيو الماضي إلى اليوم إلا الانتصار المبهر الذي حققه أردوغان على قادة الاتحاد الأوروبي في زيارته الأخيرة إلى بروكسل، فإن ذلك يجعلنا نقول إن مجريات تلك الأحداث تشي بأن نصر أردوغان الأخير لم يكن ليحققه إلا بفضل إدارته الذكية لملف اللاجئين السوريين أمام قادة أوروبا، سيما أن التصعيد الخطير في ملف حزب العمال الكردستاني كان في يده بالدرجة الأولى، إذ شهد الملف هدوءًا واستقرارًا على مدى سنوات سابقة، قرّر خلالها أردوغان أن يفرضه من باب المؤسسة السياسة والديبلوماسية، وليس كما هو الحال اليوم؛ من باب المؤسسة الأمنية العسكرية.

لنتذكر أيضًا أنه في انتخابات حزيران/يونيو الماضي تعرض حزب "العدالة والتنمية" لنكسة قوية أربكته وأعاقته عن تشكيل حكومة يتفرد من خلالها بحكم البلاد كعادته، وبدأت المفاوضات مع الأحزاب التركية لتشكيل الحكومة يتشاركون فيها في حكم البلاد، لكن لم يكتب لهذه الشراكة أن تتم وفشل حزب أردوغان في تشكيل الحكومة، أو ربما أفشل هو تشكيلها وأدار لعبة مماطلة تشكلها ريثما يعيد الحزب تجميع قوته لكسب ثقة الأتراك بملف يسيل لهم لعابهم ويغويهم، مثل حرية التنقل في أوروبا بدون تأشيرة، وهذا الذي كان على الأرجح.

استفاد أردوغان من تعنت قادة المعارضة وفجر في وجههم ملفات تثير حفيظة الشعب التركي، لا سيما حزب العمال الكردستاني الذين يثير الرعب بين الأتراك، فقرّر خوض حرب على الحزب ضرب فيها أكثر من عصفور، كان أهمها توجيه ضربة قاضية للأحزاب القوية التي تنافسه، وهو ما تمكن من حصد ثماره في الانتخابات الأخيرة.

لكن ذلك ليس السبب الأساسي، فهناك ملف آخر يدغدغ حلم الأتراك، وهم الذين يعيشون على عتبات قارة أوروبا، وينتظرون بفارغ الصبر حصاد ثمار الازدهار التركي بانضمام بلادهم إلى قارة "الرفاهية والرخاء"، القارة التي تعيش أغلب شعوبها في بحبوحة الحضارة البشرية، لكن ألمانيا ميركل طالما عارضت هذا الحلم ووقفت سدًا منيعًا على مدى سنوات في وجه الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. هنا أتى الاستثمار الأردوغاني الذكي في ملف اللاجئين السوريين، وغير السوريين، الحالمين كالأتراك بالعبور إلى قارة "الأحلام" رغم أن لكل منهم أسبابه في وضع قدمه على عتباتها.

كانت زيارة أردوغان إلى بروكسل مطلع الشهر الماضي، ومفاوضاته التي تمكن خلالها من ترويض جموح ميركل، بعد موجة لجوء لم يعرفها تاريخ اللجوء في أوروبا تدافع خلالها مئات آلاف اللاجئين في غضون شهور قليلة، فما كان من "ماما ميركل"، كما ظنها اللاجئون في الأسابيع الأولى لموجة اللجوء الأخيرة، إلا أن تُظهر الوجه الحقيقي لأي سياسي يبحث عن المصالح قبل أي شيء آخر، لنجدها تعاجل بزيارة تركيا بعد أيام من انتهاء اجتماعات أردوغان في بروكسل، وكان تصريحها المثير قبيل الزيارة التي تمت الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2015: "أوروبا لا يمكنها حماية حدودها الخارجية وحدها، إذا لم نتمكن من إبرام اتفاق مع تركيا بهذا الشأن".

هكذا فإن أردوغان فرض "سياسة الأمر الواقع" على أوروبا، إما أن نكون بوابة "لزحف" اللاجئين الهاربين من الموت إلى أراضيكم، أو أن تفتحوا أبوابكم أمام شعبي لأسجّل انتصاري على خصومي، وترتفع أسهمي في الانتخابات التي أحضر لها على مهل، وكان له ما أراد.

يقدّر جهاز حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي جيش مهربي البشر في تركيا بنحو 30 ألف مهرب

الادارة الحازمة لورقة حزب العمل الكردستاني على الصعيد الداخلي، أتاحت لأردوغان فرصة ذهبية أيضًا بضبط تحركات أحزاب المعارضة ونشاطاتهم الدعائية بشكل أو آخر، دون أن يعبأ طبعا بكل الانتقادات التي وجهها له الأوروبيون لأن الأمر يتعلق بأمن البلاد القومي حسب زعمه، ومن الجهة الأخرى كانت الإدارة الحازمة لورقة اللاجئين على الصعيد الخارجي هي التي أكسبت أردوغان قوة كاسحة في وجه خصومه، كيف لا وهو المسلح بجيش من مهربي البشر، يقدر عددهم جهاز حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي "Frontex" بنحو 30 ألف مهرب في تركيا، كما ذكرت صحيفة "فرانكفورتر الغيماينه سونتاغسزايتونغ" الألمانية.

لعب أردوغان جيدًا بملف اللاجئين في أوروبا واستطاع أن يجلب على أكتافهم مزايا للأتراك من مساعدات وعبور بلا فيزا، وفتح ملف انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي. هي ليست مذمة بكل تأكيد، فمن حقه أن يشتغل لبلده ولرفاه شعبه، إنما هي تنبيه للسوريين عبدة الأشخاص، الأردوغانيين أكثر من الأترك، لا بل أكثر من أردوغان نفسه؛ بأن الشعب التركي لم يختر أردوغان لسواد عينيه أو إنسانيته كما تعتقدون، أو لأنه إسلامي، لا أبدًا بل لأنه يخدم مصالح شعبه ويراعي تنوعهم واختلاف مشاربهم؛ وهو بالنهاية كأي طالب سلطة يتعامل مع الناس، ومنهم السوريين، كأوراق يلعب بها وفق مصالحه.

مبروك لأردوغان هذا النصر المؤزر.. ولكن عليه أن يشكر اللاجئين السوريين قبل ناخبيه.

اقرأ/ي أيضاً:

الأسد وبوتين وترجمة "غوغل"

الأسد.. مصيرٌ تصنعه تحالفات روسيا