اللاجئون السوريون في البازار اللبناني

اللاجئون السوريون في البازار اللبناني

سوريون في صيدا بالجنوب اللبناني (Getty)

تناولت الصحف العالمية منذ أسبوعين، إثر زيارة رئيس الوزراء البريطاني إلى مخيمات الللاجئين في لبنان، خبرًا مفاده أن وزيرًا لبنانيًا قد أسرّ إلى كاميرون بأنه "بين كل مائة مهاجر، هناك على الأقل 2 من جهاديي داعش". 

هذه المعلومة "الشيّقة" الّتي خصّ بها أحد السّاسة اللبنانيين رئيس وزراء إحدى "الدول المانحة" بناءً على حدسه الخاص، لن تُفهم إلّا في سياق تحريض الأوروبيين على المهاجرين والتوجّس منهم. وهو أمر ليس بحاجة للكثير من الجهود لتحقيقه، إذ إنّ المجتمع الأوروبي أبدى فتورًا واضحًا في استقبال لاجئي سوريا. فما هو غرض بو صعب وزير التربية والتعليم العالي؟

حاول متلقّو الخبر فهم هكذا "نذالة"، إذا صحّ التّعبير. لمَ يقول أحدٌ هكذا أمر بحق آلاف اللاجئين الهاربين من الموت الآملين في حياة أكثر آدميّة، الهاربين من دولة هذا السياسي بالذات. الّتي ضيّقت الخناق على كل اللاجئين على اعتبار أنهم عبءٌ لا يطاق. ونفّرتهم من البلاد؟ لم قد يتفوّه أحدهم بهكذا أمر؟ من أين له كلّ هذا الاهتمام، فيا لصاحب القلب "الحنون". فإن صحّ ما يقول، فقد آثر على نفسه بقاء الداعشيين في لبنان عوضًا عن "تهجيرهم" إلى أوروبا. 

فبحسب الوزير، "داعش، لن يتوقف عند حدود لبنان، فسرعان ما سنجده على حدود أوروبا". يسهب الوزير بالحديث ليؤكّد بأن ليس لديه أية معلومات أكيدة عن الموضوع ولكنّه إحساسه، "إحساسه الغريزي الخالص" على حد تعبيره هو ما أنبأه بهذا الأمر، فـ"إحساسه" قد استغرب التنظيم الممنهج للمهاجرين على الحدود. واعتبر بأن داعش تعقد الصّفقات مع المهرّبين فهي تقوم بتجنيد الصغار في المدارس وفي مخيمات المدارس وفي مخيمات اللجوء لتساعد في تهريبهم فيم بعد، عبر حدود تركيّا واليونان.  

هذا سياسي لبناني برتبة وزير، وزارة التعليم. قرّر أن يحذّر بريطانيا، الممثلة برئيس وزرائها، من الإرهابيين الهاربين المقنّعين بصفة "لاجئ". إذا ما عدنا بالتاريخ قليلًا، سنجد بأن الوزير نفسه الّذي ابتزّ الدول المانحة منذ عام بالضبط، عندما جمّد تسجيل التلامذة السوريين في المدارس الرسمية اللبنانية، متذرّعًا بعدم قدرة المدارس على استيعاب هذه الأعداد الهائلة. وبالفعل نجح في استدرار مئات ملايين الدولارات من الدول المانحة وعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي.

واليوم وبعد مشاركته بريطانيا والعالم "إحساسه/حدسه" هذا، لم ينسَ الوزير من التعقيب قائلًا: "إذا ما أردنا مساعدة النازحين فعلًا، علينا بتأمين الطبابة الجيدة، والتعليم الجيد والطعام الجيد". وعليه نستنتج أنّ جّل ما أراده الوزير من تصريحه "النذل" هذا، هو إبقاء اللاجئين في مكانهم، أي في هذه البلاد إذ لحظ كم أدرّت قضية اللاجئين، والتلامذة منهم خصوصًا عليه وعلى وزارته من الأموال.

فما بدر عن بوصعب ما هو إلّا دليل آخر على استفادة لبنان من الأزمة السورية، ووجود اللاجئين على أراضيه. أي نعم هناك تبعات سلبية، لكن هذا واقع الحروب بنهاية المطاف. ومع أن الحكومة اللبنانية، تشدّقت على مدى الأعوام المنصرمة بالعبء المترتّب على وجود النازحين السوريين. وتخبّطت مرارًا بين تسميتهم لاجئين وغير لاجئين لتبحث عن عذر لترحيلهم وإغلاق حدودها بوجههم. وتذمّرت كثيرًا من تواجدهم والتبعات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المترتّبة على ذلك. إلّا أنّه، مما لا شك فيه بأن الدولة اللبنانية عرفت كيف تستفيد من "العبء السوري". وكيف تبتز المجتمع الدولي من حين لآخر ليغدق منحه بحجة اللاجئين، الّذين بالكاد يحصلون على جزء يسير ممّا خُصّص لهم.

وعلى صعيد آخر، وفي إطار دراسة حديثة قام بها البنك الدولي، يؤكد فيها من خلال تحليل اقتصادي تفصيلي، استفادة لبنان اقتصاديًا، وتجاريًا على وجه الخصوص. إذ أنّ ارتفاع عدد اللاجئين أدّى إلى تزايد الطلب على الخدمات في السوق اللبناني، مما انعكس إفادة حتمية على التجار وقطاع الخدمات اللبناي بشكل عام. ومن جهة أخرى، فإنّ تضرر الإنتاج الزراعي السوري بفعل الحرب، أدى في المقابل إلى ارتفاع الصادرات الزراعية اللبنانية إلى سوريا ودول الجوار بم يفوق عشرة أضعاف معدّله الطبيعي بعد الأزمة السورية. هذا دون أن يغفل نشاط مرفأ بيروت الّذي ازدهر بشكل ملحوظ على أثر إغلاق الحدود السوريّة.

أمّا الآن، فهذه البلاد على موعد مع رئيس آخر، وهذه المرّة مع هولّاند، الرئيس الفرنسي الّذي أعلن عن زيارة قريبة إلى لبنان لتفقد أوضاع اللاجئين السوريين. وعليه، نحن في انتظار قنبلة جديدة يفجّرها أحد جهابذة هذا البلد. من يدري قد ينبئنا إحساس أحدهم بأنه بين كل عشرة لاجئين سوريين هناك 5 يعانون من وباء خطير ومعدٍّ. وعليه، سيشكّلون خطر على المجتمع الأوروبّي لذا، يجب إبقاؤهم في هذه البلاد وإعطاؤهم العلاج المناسب، والدعم المادي السّخي لتحقيق ذلك!