الكوميديا الارتجالية الفلسطينية والاشتباك مع السلطة
12 ابريل 2026
في الأيام الأخيرة، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين، نشر الكوميدي الفلسطيني عامر زهر منشورًا عبر حسابه على إنستغرام قال فيه: «إسرائيل أصابها إدمان القتل؛ لا تعرف إلا لغة الدمار والإبادة الجماعية والقصف، ولذلك ستواصل هذا المسار في لبنان وفلسطين وأماكن أخرى. لكن المدمنين، في النهاية، يصلون إلى جرعة زائدة؛ يفعلون أكثر الأشياء جنونًا قبلها، ثم يبلغونها».
ما يرمي إليه زهر في هذا المنشور هو أن هذه الوحشية الصهيونية ستستمر على هذا المنوال، لكن في ذروة هذا التصاعد، ستبدأ بلا شكّ نهايتها. تأتي كلمات زهر في وقت يتواصل فيه استهداف الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين يوميًا على مرأى من العالم من قبل الكيان الصهيوني، فيما تتزايد أعداد الشهداء والجرحى بشكل مستمر. وغالبًا ما تُعرض هذه الأرقام عبر شاشات التلفاز والسوشيال ميديا كما لو كانت مجرد إحصاءات عابرة، بلا وجوه ولا حكايات.
عامر زهر، الفلسطيني من الناصرة، والمقيم حاليًا في مدينة ديربورن الأميركية، لا يقف خارج هذا الواقع، بل يتحدّث من داخله. فعلى الرغم من وجوده خارج فلسطين، برز بصوته الواضح في الدفاع عن القضية الفلسطينية وبنقده المستمر لإسرائيل واللوبي الصهيوني في الغرب. وقد تعرّض للإيقاف والاعتقال في كانون الثاني/ديسمبر 2025 على يد الشرطة الإسرائيلية أثناء تقديم أحد عروضه الكوميدية في الناصرة، كما تمّ تهديده من قبل المحققين الإسرائيليين بزجّه تحت الاعتقال الإداري. ومع ذلك، عاد زهر إلى المسرح واستكمل عروضه بعد الإفراج عنه بساعات، في مشهد يعكس العلاقة المباشرة بين ما يقوله على الخشبة وما يعيشه خارجها.
لا تكتفي كوميديا عامر زهر بتفكيك الخطاب السياسي والإعلامي، بل تفتح مساحة لرؤية الفلسطيني خارج صورة الضحية التي التصقت به منذ النكبة، بل وحتى ما قبلها
لا يمكن فصل حادثة الاعتقال هذه عن طبيعة الكوميديا الساخرة التي يقدّمها زهر، فهي لا تُختزل في كونها مجرد أداة ترفيهية، بل تتحول إلى مساحة سياسية لمساءلة السلطة وكشف آلياتها وتعرية منطقها. في هذا السياق، تبدو الكوميديا الارتجالية في الحالة الفلسطينية أقرب إلى فعل اشتباك، لكنها اشتباك بطريقته الخاصة؛ نكتة تُقال ببساطة، وضحكة تخرج من الجمهور، لكن خلفها واقع كامل يُروى. وبفضل هذا الأسلوب القريب من الناس، تصل الفكرة دون ثقل، وتبقى في الذاكرة، مما يجعلها أكثر قبولًا حتى لدى من لا تستهويهم السياسة على الإطلاق أو لا يميلون إلى مناقشتها.
وراء أدائه، يظهر أيضًا وعي ثقافي يتشكّل بهدوء، وقد لمستُ ذلك عندما حضرت لزهر مجموعة من عروض ستاند آب في الولايات المتحدة، حيث بدا تأثّره بإدوارد سعيد، أحد أبرز مفكري دراسات ما بعد الاستعمار، واضحًا.
لم يكن هذا التأثّر حاضرًا كاقتباس مباشر أو مرجع مُعلن، بل كان ينعكس في طريقته في بناء نكاته على المسرح، وفي انتباهه الدقيق للّغة وما تحمله من معانٍ. فعلى سبيل المثال، في أحد عروضه، تحدّث زهر عن وسائل الإعلام الغربية مثل سي إن إن أو فوكس نيوز، وكيفية تلاعبها باللغة وصياغتها لخطابات إعلامية تُحدّد مسبقًا كيف يُفهم الحدث ومن يستحقّ التعاطف معه، خصوصًا في حالات مثل تدمير كنيس أو هجوم على كنيسة، فقال: «أنا أتابع الأخبار دائمًا، وأعلم تمامًا كيف يصفون المجرمين البيض المنحدرين من أصول أوروبية، يقولون: "كان يعاني من مشاكل نفسية"، "كان مكتئبًا"، "لم يكن على ما يرام"…»، قبل أن يضيف: «أما نحن، فيصفوننا بالإرهابيين».
من خلال هذه العبارات، يكشف زهر هذا التفاوت اللغوي كما يُنتَج داخل وسائل الإعلام الغربية، حيث لا يُقدَّم العنف بالطريقة نفسها، بل يُفسَّر بحسب من يقوم به. فالعنف المرتبط بالعرب يُعرض في الإعلام كأنه امتداد لثقافة كاملة تُوصم بالعنف أو "الإرهاب"، بينما يُفصل عنف البيض عن أي سياق أوسع ويُقدَّم كحالة فردية تُفسَّر نفسيًا. هنا، لا تكون اللغة حيادية، بل جزءًا من خطاب إعلامي يحدّد من يستحق الفهم والتعاطف، ومن يُختزل في صورة الخطر. وهذا ينسجم مع ما يشير إليه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق: «من السمات التي أصبح العالم الإلكتروني يتسم بها في فترة ما بعد الحداثة تدعيم القوالب النمطية التي يُنظَر إلى الشرق من خلالها. ويعمل التلفزيون، مثلما تعمل الأفلام وسائر وسائل الإعلام، على تشكيل المعلومات قسرًا حتى تلائم هذه القوالب…».
كانت من النكات البارزة أيضًا ما قاله في أحد عروضه في مدينة ديربورن، حين تحدّث عن مسألة العِرق وموقع العرب الأميركيين في الإحصاء الرسمي للسكان، فقال: «بالنسبة للحكومة الفيدرالية الأميركية، نحن مُصنَّفون كـ"بيض"… لكننا نحتاج إلى خانة خاصة بنا كعرب أميركيين… نحن لسنا بيضًا. أنا شخصيًا نشأت بجانب الأميركيين البيض، وأعلم أننا مختلفون. نحن نقوم بالأعمال بطريقة مختلفة، أبي كان يُساوِم بطريقة لا يستطيع أحد مجاراتها!».
لم يقصد زهر بسرد تفاصيل عن والده أو عن "مساومة الباعة" أن يشارك حكاية شخصية فقط، بل استخدم هذا المثال البسيط ليكشف التناقض بين التصنيف الذي تفرضه الدولة، حين تُدرج العرب ضمن فئة "البيض"، وبين شعور الناس بأنفسهم وطريقة عيشهم، حيث لا يكون العِرق مجرد خانة تُملأ في استمارة، بل تجربة يومية تُعاش وتُحسّ.
بهذا المعنى، تُظهر النكتة أن هذه التصنيفات تُبسّط الواقع وتخفي تعقيداته، إذ تحاول الدولة وضع الناس ضمن فئات ثابتة لا تعكس تنوّع تجاربهم. وهنا تأتي الكوميديا كأداة ذكية؛ فبدلًا من طرح الفكرة بشكل مباشر، يترك زهر النكتة تقوم بالمهمة، فيضحك الجمهور، لكنه في الوقت نفسه يلتقط هذا التناقض ويبدأ بالتفكير فيه وتحدّيه.
ومن هذا النقاش حول العِرق، تكشف كوميديا زهر أيضًا كيف تُبنى مفاهيم الانتماء والهوية: ما هو الطبيعي وما هو الغريب. ففي إحدى نكاته التي قدّمها في عرض آخر، يقول: «نحن نحب ثقافتنا كثيرًا. عندما يأتي البيض إلى الدول العربية ويمشون في شوارع رام الله، فإننا نسميهم أجانب، ثم ننتقل للعيش في أميركا، ولا نزال نسميهم أجانب».
تبدو هذه النكتة بسيطة، لكنها تفكّك واحدة من أكثر الأفكار ترسّخًا: من هو "الأجنبي"، ومن يملك حق تعريفه؟ ما يفعله زهر هنا هو قلب زاوية النظر؛ إذ ينظر إلى الشخص الأبيض كأجنبي بشكل بديهي، لأنه خارج عن الإطار الاجتماعي والثقافي المحلي العربي. هذا الانزياح البسيط في زاوية الرؤية يكشف أن "الأجنبي" ليس صفة ثابتة، بل علاقة تتشكّل بحسب الموقع والنظرة والسلطة. فما يبدو طبيعيًا في مركز ما، يصبح غريبًا عند النظر إليه من موقع آخر. وهكذا تتحوّل النكتة إلى نقد مباشر لفكرة أن الغرب هو المركز الذي تُقاس عليه بقية العوالم، وأن البياض هو الحالة الافتراضية للانتماء، مذكّرًا بأننا نحن أيضًا نملك مركزنا الخاص ولسنا مجرد هامش في رواية أكبر.
وهكذا، لا بدّ من القول إن ما تكشفه كوميديا زهر يتجاوز بكثير ما يمكن الإحاطة به في صفحات قليلة. فهي لا تكتفي بتفكيك الخطاب السياسي والإعلامي، بل تفتح مساحة لرؤية الفلسطيني خارج صورة الضحية التي التصقت به منذ النكبة، بل وحتى ما قبلها.
وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار الألم والصدمة اللذين نعيشهما جميعًا، واللذين ساهما في ترسيخ هذه الصورة الاختزالية وسط هذا العنف الصهيوني وسياسة الأرض المحروقة التي تُمارَس بحق الفلسطينيين، فإن ما تتيحه الكوميديا هنا مهم؛ إذ تعيد تقديم الفلسطيني كإنسان كامل، يعيش تفاصيل يومه، يفكّر، يلاحظ، ويعيد رواية ما يحدث بطريقته. بهذا، يخرج من موقع المتلقّي السلبي إلى موقع الفاعل الذي يملك صوته وقدرته على الرد.