"الكنفانيون": كل الخديعة للجماهير

مقطع من ملصق لحركة الشباب

كل الشخصيات الفلسطينية، المؤثرة في الأجيال على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، حتى الإنساني، يتم ذكرها في مواسم وتواريخ الرحيل أو الميلاد، تلك الأيقونات والهامات هي عنصر أخلاقي صرف يعبر عن ذاته ويحلل المسؤولية ويحتقر المصالح العامة.

ماذا تبقى من الأسئلة التي طرحها غسان كنفاني في كل نتاجه الثقافي والأدبي ومشروعه الوطني وقد بات ذلك المشروع مثار تأفف ولا يغدو أكثر من مناسبة؟

في سنوات طفولتي الأولى في المدرسة الابتدائية أخذتنا المعلمة في مدرسة "زهرة دمشق" إلى سينما"العباسية" 1974 لحضور فيلم "المخدوعون"، فرحنا يومها بأننا سنشاهد فيلمًا، ترك في نفسي آثارًا لا يمكن أن أعبر عنها في ذلك الوقت، لكنها بقيت راسبًا محفزًا في فهم القضية الفلسطينية والمخيم والمكان مع بقية القصص والروايات، وما يحيط بهما، وبقيت فكرة الخديعة التي أتقن أبو الخيزران "عبد الرحمن آل رشي" تجسيدها ملازمة لي في الحذر من كل المدعين "الوطنيين".

اقرأ/ي أيضًا: إلى كنفاني... رحلت خفيفًا قبل أن تكبر الصحراء

بعد أكثر من أربعة عقود على استشهاد غسان كنفاني، وإخراج رائعته "رجال في الشمس"، ماذا تبقى من الأسئلة التي طرحها في كل نتاجه الثقافي والأدبي ومشروعه الوطني؟ وقد بات مشروعه الوطني مثار تأفف ولا يغدو أكثر من مناسبة يجب المرور عليها في رزنامة المناسبات الوطنية كما يفعل رفاق الأمس، احتفالًا في صدور العدد الجديد من "الهدف "لهذه المناسبات، وقد تغير الشعار من "كل الحقيقة للجماهير" إلى كل الخديعة للجماهير، تغير الأمر الذي يجعل الحديث عن مشروع سياسي وثقافي ونضالي، وأصبح أمرًا بالغ الصعوبة في تحولات البنية السياسية والتنظيمية "لوارثي" مشروع غسان فـ"أبو الخيزران" أنجب أولاده، وأحفاده يرتعون ويرعدون على المنابر وفي أروقة السياسة والثقافة، يحتفلون بذكرى رحيله لأن الاحتفال يعني لأبي الخيزران موت الرقيب والضمير، غسان ليس استثناءً فقط، كما جورج حبش وناجي العلي، وأبو علي وأبو ماهر اليماني وجبرا وغيرهم من الذين قرعوا جرس المخاطر التي تحيط باللاجئ وقضيته.

فحرارة الشمس في الصحراء التي قضى المخدوعون تحتها، هي ذاتها  تلاحقنا حتى لو تفيأنا في ظلها، وصهريج حصارنا وقرعنا لجدرانه لا يصل صداه آذان المحتفين بذكرى رحيلك، نصوص الوفاء التي تكتب في كل ذكرى من ذكراك في كتب الخديعة الثقافية والسياسية، ما هي إلا احتماء من ظل عار بقي يلاحق أبا الخيزران فوق المنصة وتحت تراب القبر.

يتجلى التأمل المرير لذكرى رحيل غسان كنفاني، في التفاصيل التي قرع جرسها في قصصه القصيرة المبكرة، والتي عبرت عن ذاكرة جريحة قطرات نزفها تدل على درب اللاجئين كل يوم في اليرموك ودرعا والنيرب وعين الحلوة والبداوي ونهر البارد وشنلر والوحدات وبلاطة والأمعري والعرقوب، والجرح العميق الذي نكأه غسان محذرًا من رمي فلسطين إلى الضياع لم يلتئم، لعنة اللجوء لم تتوقف، هناك من استحدث أدوات الفاجعة وألحق بالمنكوبين واللاجئين ما يبرد قلب " أبو الخيزران" وبتفاخر الدلالات عن فلسطين المخفي فرعها ومسلخها البشري تحت كراريس وكلمات الاحتفاء المنشود كل عام، تغادر النخب الوارثة لشعار "كل الحقيقة للجماهير" إلى تقديم خديعتها للإنسان الذي دار كل فكر وانتاج غسان بكل وضوح حوله.

يمثل شوق غسان كنفاني إلى إنسان "كامل" برهانًا على إنسانية الفلسطيني وجدارته بالحياة والحرية

الإنسان المخذول والمقاتل المخذول ، واللاجئ الذي افترش جوامع المدن والقرى التي لخصها غسان في مقولة: جمالية الانسان المقاتل، والجمالية الإنسانية الرافضة هي جمالية عليا تكثفه في فعل متوال يرفض المساومة والاستسلام، وشوق غسان إلى إنسان "كامل" يبرهن عن إنسانية الفلسطيني وجدارته بالحياة والحرية، هي إنسانية جمعية في عمقها العربي، وعندما تمرد الوعي الجمعي العربي في صورة ما بشر به كنفاني، تنطح مدعي الكنفانية الفلسطينية لتمجيد فلسطين في فرعها الأسدي والمصري واللبناني والعراقي والإيراني والإماراتي والسعودي.

اقرأ/ي أيضًا: ساعة غسان كنفاني

والخديعة كل الخديعة للجماهير، تتصدر ممن يحتفي بقراءة غسان نصًا ويحفظ عن ظهر قلب بكل إيمان ما يقدمه رجل المخابرات الأسدي والمصري واللبناني مغلفًا بشعار فلسطين المنزوعه أجساد أبنائها في مسلخها الدمشقي، ويعلي من شأن سفاح لم يتعلم من أبي الخيزران سوى مراكمة الجثث وحرقها لا بالصهاريج بل بكل أنواع وأسباب الموت، وفي الذاكرة الجريحة لا خزان يقرع بل هدير طائرات دمرت منازل اللاجئين وحرقت كواشين الأرض بفلسطين، أما فرعها المحتضن لفتية وصبايا، وشباب وكهول، لا تزال أسماؤهم وصورهم عند نسل أبي الخيزران المخصي مخبئة حتى لا تتلطخ الحقيقة بالخديعة وكلتاهما دفع الفلسطيني ثمنًا مفجعًا لتعرضه لهما، وهو الثمن الذي دفعه غسان ويحتفي بذكراه المخادعون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غسّان كنفاني.. العودة إلى الدرس الأول

غسان كنفاني.. الإقامة في زمن الاشتباك