الكتب التي لا تعلّمنا

الكتب التي لا تعلّمنا

مشهد من جزيرة القيامة

في كتابها "بلدي المُخترَع"، تتحدث إيزابيل الليندي عن بلدها تشيلي الذي غادرته نهائيًا عام 1973 إلى فنزويلا أول الأمر، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية إثر الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال بينوشيه، وتطلق صفات على التشيليين تبدو وكأنها جوهرانية، ونهائية، لولا أنها قالت: "أختار ذكرياتي، أغيّر بعض الأحداث، أبالغ وأتجاهل أخرى، أشذّب عواطفي... وهكذا رحت أشيد شيئًا فشيئًا هذا البلد المُخترَع".

 ثمة الكثير من القراء يعتقدون أنهم بقراءة الرواية مثلًا وكتب المذكرات يعرفون بلدانًا وشعوبًا أخرى

الكتاب مذكرات، مكتوب بصيغة أدبية، وبمجرد أن نعرف أنه أدبي الطابع فذلك يعفيه، ضمن تعاريف موحدة للأدب في العالم، من محاكمة الصدق والحقيقة والوثيقة، حتى لكأن الأدبي يسكن فقط في الخيال. كقرّاء نثق بإيزابيل الليندي، سنأخذ أقوالها في شعبها التشيلي، بوصفها حقائق، وسنعرّف التشيليين بتعريفاتها هي كما تحدث الأمور عادة، إذ إننا نعرف العالم عبر الكتب، والأفلام... وليس عبر العيش فيها. لكن هذه الكتب، غالبًا، تعفي نفسها من أن يتم النظر إليها على أنها "حقيقية وواقعية" انطلاقًا من تعريفها لنفسها على أنها فنية، وأدبية، وبالتالي هي تخييلية!

اقرأ/ي أيضًا: استشراقُ إدوارد سعيد.. بوصلة فقدت اتجاهاتها

عندما سألت أحد المخرجين السينمائيين السوريين عن أحد أفلامه التي روت أحداثًا وقعت في مدينة حلب، عن حلب ذاتها في الفيلم، وقلت له إنني لم أرَ حلبًا في الفيلم... قال: هذه سينما، فن، لا تقدم الأشياء كما هي، ما يعني أنها تخييلية.

المفارقة في الأمر أن الكثير من الكتاب والفنانين والسينمائيين يطالبوننا كقراء ومتفرجين أن ننظر إلى الحدث بوصفه واقعيًا وحقيقيًا، وبالوقت ذاته يطالبوننا أن ننظر إلى الكتاب والفيلم بوصفهما مجرد تخييل! وعلى نحو ما اعتدنا كقراء ومتلقين على تقسيم العمل ذاته: كتابًا وفيلمًا إلى قسمين: واقعي من حيث هو حدث، وتخييلي من حيث هو إطار يجري فيه الحدث! كان عملنا، هنا، في هذه المساحة من تقسيم العمل إلى قسمين، شاقًا وصعبًا وينطوي على خدمات كبيرة نقدمها للكتاب وللفيلم وللفن، وينطوي على اقتناع بما قالوه عن أعمالهم... لكن ذلك لم يغير من مستوانا في التلقي وفي الوعي، فقد بقينا مثل أطفال جاهلين يتوجب على الفيلم والكتاب والفن أن يزيد من نسبة وعيهم وثقافتهم وتلقّيهم! عندما قال المخرج إن فيلمه مجرد فن، وتخييل، افترضت أن الحدث كذلك، فقال: لا، الحدث واقعي!

لا ألوم لا الكاتبة التشيلية التي أقرؤها باستمرار، ولا للمخرج السوري الذي أواظب على رؤية أفلامه،  فهما يمتلكان حقًا معترفًا به عالميًا، وأجوبة متفقًا عليها كذلك ومدعومة برأينا نحن القراء والمتفرجين والمتلقين. لكن ثمة ما يثير التساؤل في كل هذا، ثمة ما يدعو للاستغراب أيضًا، إذ، كيف نعرف ونتعرّف إلى البلدان والشعوب؟ عندما وصلت إلى ألمانيا قلت لصديقي المندهش إنني أعرف ألمانيا جيدًا، فقد قرأت كثيرًا عن عمل الرأسمالية والنظام الرأسمالي، وأعرفها جيدًا إذ أنني قرأت الكثير من مذكرات كتاب وفنانين ألمان، وأعرفها جيدًا من حيث أن، كما أحببت دائمًا أن أقول عن نفسي، نصف ثقافتي ألمانية ابتداء بكارل ماركس وليس انتهاء بغوته وتوماس مان وغونتر غراس وهابرماس وسواهم الكثير.. لكن ما حدث عندما عشت في ألمانيا أنني رأيت بلدًا جديدًا بالمطلق عليّ وعلى معرفتي وثقافتي، بلدًا كأنني لم أسمع به حتى،  فضلًا عن أنني كما لو كنت لم أقرأ عنه شيئًا! حدث الأمر، بطبيعة الحال هذه، مع العديد من أصدقائي في بلدان الشتات الكثيرة والمختلفة التي لجؤوا إليها. نحن لم نعرف رأي التشيليين بما قالته الليندي عنهم، ولا رأي الألمان بما قاله كتابهم وفنانوهم عنهم. نحن نثق بالكتابة وبالكتاب والأفلام... لكن، مع هذا، كيف نتعرف إلى البلدان والشعوب؟ نجيب محفوظ كتب عن مصر وعن القاهرة تحديدًا، لكن محفوظ، عرّفنا بالقاهرة وأحيائها ومجتمعها، وقد اقتنعنا بمحفوظ ليس لأننا نحبه فقط، فنحن نحب الكثير من الكتاب، وليس لأننا معجبين به فقط، فنحن معجبون بالكثير من الكتاب، لكننا اقتنعنا به عندما عرفنا أن المصريين والقاهريين يؤكدون أن المكان المحفوظي (نسبة إلى محفوظ) والمجتمع المحفوظي هو ذاته المكان المصري والقاهري والمجتمع المصري والقاهري، مع أن محفوظ كتب أدبًا أيضًا!

لم نعرف رأي التشيليين بما قالته الليندي عنهم، ولا رأي الألمان بما قاله كتابهم وفنانوهم عنهم

بالتأكيد ثمة طرق أخرى لمعرفة الشعوب والبلدان، لكن أيضًا ثمة الكثير من القراء يعتقدون أنهم بقراءة الرواية مثلًا وكتب المذكرات يعرفون بلدانًا وشعوبًا أخرى. نحن نبحث عن إجابات لهؤلاء، ونرمم جزءًا من الخديعة التي تعرضوا لها، إذ إنهم لن يتعرّفوا على بلدان وشعوب عبر تلك القراءات!

اقرأ/ي أيضًا: إنهم يكتبون دستورنا!

الكتّاب والفنانون في أنحاء العالم، غالبًا، يعيشون منعزلين عن مجتمعاتهم، ما يعني أنهم لا يعرفونها، وبالتالي يقدمون صورة عنها كما هي في أذهانهم، وليست كما هي حقيقة. إذا كان ذلك يحمل تبريرًا ما، فإننا أيضًا نبرّر تشكّكنا بهؤلاء الكتّاب!

لا أقول إن على الكتابة كلها أن تنطوي على حقائق اجتماعية ومكانية، لكن مع هذا أقول إنه يجب على الكتابة ألا تبقى كذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرئيس الذي لا يمرض

فيلم سوري بدون مخرج