الكاتب العربي.. الخروج من دائرة الإبداع إلى ترويج شبكات التواصل
13 نوفمبر 2025
"علاقة الكاتب بالكتاب تنتهي بمجرد توقيع العقد". هذه العبارة التي يتم تداولها باعتبارها قاعدة في عالم النشر وسوق الكتاب إلى أي مدى تبدو سليمة وصادقة؟
لفتراتٍ طويلة، اعتاد أغلب الكُتّاب أن يسمعوا مثل هذه العبارات سواء من قِبل الناشرين أو الزملاء في عالم الكتابة. لكن في ظلّ التطور الرهيب الذي يشهده العالم في الوقت الحالي من وسائل تكنولوجية وصيحات متتالية في الذكاء الاصطناعي، لم تعد مهمة الكاتب – للأسف – قاصرة عند حدود تسليم الكتاب. فالعالم المتسارع الذي نعيشه والأنماط الاستهلاكية التي تطغى على حياتنا اليومية، كلها أشياء أثرّت بشكلٍ ملحوظ على طبيعة المُنتَج المكتوب وفُرص وصوله إلى القارئ.
لقد اتجهت غالبية دور النشر مؤخرًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي للترويج إلى كُتبها الجديدة، وهو الأمر الذي يبدو في ظاهره مواكبة لمتطلبات السوق الجديد وما يفرضه من شروطٍ على عالم الكتابة والنشر. ولكن إذا أمعنا النظر قليلًا، سنلاحظ أن الأمر لم يعد بهذه السذاجة، فالدور باتت تلجأ إلى هؤلاء المؤثرين الذين يمتلكون ملايين المتابعين على شبكات التواصل من أجل الترويج إلى الأعمال الجديدة باعتبارها سلعة ثقافية. وهُنا ندخل في دوامةٍ جديدة تتعلّق بالأدوات التي يجب أن يمتلكها الشخص الذي سيقوم بالترويج للكتاب، فقد نلاحظ أن البعض منهم لم يقرأ الكتاب واكتفى فقط بتصفحه سريعًا أو اعتمد على ما كُتب عنه هُنا أو هُناك، وفي أحسن الأحوال يلجأ إلى الملخص الذي كُتب على غلاف الكتاب الخلفي. ناهيكم عن الأخطاء التي تحدث – أحيانًا – في تصنيف محتوى الكتاب والقالب الذي يتضمّنه المحتوى. ولذا يظل السؤال قائمًا: هل يُمكن حقًا الوثوق في ترشيحات الفاعلين على شبكات التواصل لأعمالٍ مكتوبة، خاصةً إذا علمنا أن معظم هذه الكتب تًرسل على سبيل الهدايا والدعاية من قِبل دور النشر؟
لقد اتجهت غالبية دور النشر مؤخرًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي للترويج إلى كُتبها الجديدة، وهو الأمر الذي يبدو في ظاهره مواكبة لمتطلبات السوق الجديد وما يفرضه من شروطٍ على عالم الكتابة والنشر
لا يتوقف الأمر عند حسابات المؤثرين على شبكات التواصل، بل يبدو أن الكاتب بات مطالبًا أيضًا بمتابعة غروبات القراءة والانضمام إلى شبكة المؤثرين بها، حتّى يضمن وصول كتابه إلى أكبر قدر ممكن من القُراء. فالكاتب الذي يكوّن أكبر حشد ممكن و"ألتراس" على نمط مشجي كرة القدم، سيظل في الصدارة وتنهال التعليقات على كتابه من كل حدبٍ وصوب، بغض النظر عن قيمة ما يكتبه. ولسنا في حاجةٍ إلى التذكير بأن هذه الأمور، تظلم بدرجةٍ كبيرةٍ العديد من الكُتب التي تتسم بالجديّة والسلامة اللغوية لا لشيء إلى أن صاحبها ليس ضمن هذه الدوائر الإلكترونية.
لم تعد دور النشر ترى في طُرق الترويج الكلاسيكية أمرًا مؤثرًا، فحفلات التوقيع باتت تعاني هي الأخرى من الفراغ! وأصبح الحضور قاصرًا على بعض المعارف والأصدقاء المقربين، ولذا اقتنعت دور النشر بأن الطريق المضمون للوصول إلى القُراء هي شبكات التواصل. وقد أيقن أغلب الكُتّاب مؤخرًا ضرورة الاتجاه إلى هذه الأدوات الجديدة، فأصبح تواجدهم ملحوظًا في غروبات القراءة أو المنصّات الإلكترونية. وكم من حروبٍ افتراضية دارت على هذه المنصّات بين فريق هذا الكاتب أو ذاك.
على الرغم من التأثير الخطير لغروبات القراءة والمنصّات الإلكترونية في الفترة الأخيرة، فإن بعض الجوانب الإيجابية في هذه التجربة لا يُمكن إغفالها. فهناك بعض الفاعليات التي تتيح الفوز بمجموعة من الكتب الجديدة لكاتب أو كاتبةٍ ما، عبر الإجابة على أسئلة مطروحة في مسابقاتٍ يؤسس لها القائمون على أمر هذه المجموعة أو تلك. ويبدو أن هذه واحدة من النقاط الإيجابية المحمودة التي ينبغي تشجيعها في ظل سيادة النمط الاستهلاكي في الحياة التي نعيشها إلى جانب غلاء أسعار الكتب على نحوٍ ملفت مما جعل نسبة واسعة من القُراء يعزفون عن شراء الكتب الورقية تحديدًا والاتجاه إلى منصّات القراءة الرقمية والتي تتوفر مجموعة أو باقة من الاشتراكات بأسعارٍ معقولة نسبيًّا.
إن أكثر ما نخشاه أن تؤثر هذه الظاهرة على طبيعة المنتَج الثقافي المكتوب، وأن يكون انتشار كاتب أو كاتبة ما على هذه المنصّات له تأثير على اختيارات الجوائز الأدبية في عالمنا العربي. صحيح أن علامات استفاهم كثيرة تدور حول طبيعة اختيارات الجوائز ومستحقيها، خاصةً في الآونة الأخيرة، لكن مسألة وصول كاتب بعينه إلى جائزة ما نتيجة لتواجده بشكلٍ ملحوظ افتراضيًّا يحتاج إلى دراسةٍ مطولة.







