ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

الكاتبة ضحى صلاح: ثلاث حكايات عن العزلة والجسد والموت

8 يوليو 2025
الكاتبة ضحى صلاح (الترا صوت)
الكاتبة ضحى صلاح (الترا صوت)
سيد عبد الحميد سيد عبد الحميد

نبدأ قراءة كل كتاب جديد بانطباعات مُسبَقة. ترشيح من صديقٍ نثق في ذائقته، وصول الكتاب لقائمةٍ طويلةٍ أو قصيرةٍ من قوائم الجوائز الكُبرى التي صارت تتحكم في توجهات القراءة، أو حتى فوز كتاب متوقع أو مثير للجدل بإحدى تلك الجوائز التي لا نعرف حتى الآن ما هي معاييرها القياسية!

نفتتح العام بقوائم قراءة مُؤجلة منذ معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكتب جديدة تتكدس! ولكن يحدث أن يقتحم قائمة قراءاتك كتاب جديد فجأة، رواية تسقط من السماء فتجعلك تتخلى عن القائمة وتبدأ في ترتيبها من جديد.

منذ شهور بدأت في قراءة روايات الكاتبة ضُحى صلاح، بالترتيب حسب القراءة "طريق مختصر إلى الفردوس" القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد؛ "لون مثالي للغرق" القائمة القصيرة لجائزة يحيى حقي؛ "السلاحف لا تشعر بالوحدة" التي وصلت أيضًا للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية.

مشروعٌ فنيٌّ مدهش منذ الافتتاحية وحتى كلمة النهاية. في كل رواية إشارات عديدة، باطنية، متقاطعة مع نصوصٍ كلاسيكية، موظفة بشكل فني، وتنم عن سعة إطلاع وثقافة تُمكّن صاحبتها من الرسوخ أكثر في المشهد الثقافي المعاصر. لا تزيد أية رواية من الروايات المذكورة عن 150 صفحة، باستثناء "طريق مختصر إلى الفردوس" (184 صفحة) المتقاطعة مع الرواية الشهيرة "أليس في بلاد العجائب"، مما يضعنا أمام نصوصٍ مُكثّفة، مليئة بالاختزال فيما يخص الزمن، ممتلئة بالوحدة – كمنظور فلسفي – ومتجانسة مع بعضها البعض، من حيث ارتباط المشروع ككلٍ، من حيث الحالة النفسية!

في كل رواية إشارات عديدة، باطنية، متقاطعة مع نصوصٍ كلاسيكية، موظفة بشكل فني، وتنم عن سعة إطلاع وثقافة تُمكّن صاحبتها من الرسوخ أكثر في المشهد الثقافي المعاصر

لا ينظر أبطال الروايات المذكورة إلى العالم من خلف الباب، بل إنهم منخرطون فيه تمامًا، ولكنّهم ينظرون إلى داخلهم في أكثر الأحيان، مُنتجين – داخل النصّ – حوارات ذاتية (مونولوج)، تدفع الأحداث إلى الأمام، وحوارات مُتبادلة لتعميق الحالة الدرامية داخل النصّ.

يدفعنا التتبع أحيانًا – سواء كان من أجل الكتابة عن الكتابة أو اكتشاف ما قد نغفل عنه في القراءة الأولى – إلى اكتشافاتٍ أعمق داخل المشروع الفني ككل، بشكلٍ غير واعٍ، حيث تترابط النصوص لتعكس الحالة النفسية العميقة لصاحبها.

يقول الكاتب والناقد الأرجنتيني ريكاردو بيجليا (1941 – 2017) في كتابه "القارئ الأخير" الصادر عن منشورات المتوسط ومن ترجمة أحمد عبداللطيف: "المسألة الأولى: القراءة فنّ الميكروسكوب، فنّ المنظور والفضاء (ليس الرّسّامون وحدهم مَنْ ينشغلون بهذه الأشياء). المسألة الثانية: القراءة مسألة خاصّة بالنظر والضوء والبُعد الفيزيائي".

يعكس الاقتباس السابق، محاولتي للكتابة عن ثلاثة أعمال، تنطلق من ذاتية أبطالهم.

في "طريق مختصر إلى الفردوس"، تبدأ الرواية بمشهد الموت الكابوسي الذي يبدو كحلمٍ، ويتحول فيما بعد إلى حالةٍ مؤجلة. كأنه اغتراب شعوري ومكاني يصاحب بطلة الرواية التي تبدأ في التجول داخل النصّ، لمعرفة حالتها. في المكان المجهول تعلق الفتاة التي لا ينتابها الفضول مما يؤدي لدفعها بواسطة آخرين لإكمال مصيرها. ومن الافتتاحية الكئيبة المقتبسة من "أليس" نعرف أننا أمام فتاة تعيسة، تُجيد الهَرب والاختباء، تعلق في وادٍ يفصلها بين الموت أو العودة إلى الحياة شريطة أن تنجح في الحصول على ذكرى واحدة سعيدة في "وادي الانتظار". وهُنا يتقاطع الواقعي مع الخيالي داخل نصٍّ خيالي من الأساس، حيث تقع الفتاة المذكورة في اختبارات عديدة تجعلها مُحاصَرة، على النقيض من كل ما اختبرته سابقًا قبل حبكة النصّ. كأن تقول في أحد المقاطع:

"اعتقدتِ دائمًا أن الروح تظل سجينة الجسد، تخشى الخروج كي لا تصطدم بأحد الأشخاص فتتلبسه دون قصد جاعلة روحه الأصلية تمر بغيبوبة أبدية؛ لذلك تحرص الأرواح على مغادرة جسد صاحبها عند الدفن، عندما تختفي الخطوات حوله تمامًا تشعر بالأمان، وتبدأ في التسلل صاعدة نحو السماء".

تتبدل الحالة الشعورية للقارئ تبعًا للحالة العامة للعمل الأدبي، باختلاف كل عمل أدبي إذا كانت القراءة بهدف توضيح روابط موجودة سلفًا للنصوص مع بعضها البعض، وباختلاف حالة أبطال هذا العمل.

في رواية "لون مثالي للغرق"، نجد شعورَ العزلة القسرية هو الدافع الأساسي لغرابة "أنيس" بطلة الرواية عن كل من حولها. الفتاة الموجودة على الهامش الاجتماعي لأنها مسيحية، إضافة لكونها بروتستانتية وهو ما يضعها – دون أي إرادة منها – على هامش الهامش داخل إطار سردي يعكس الواقع المصري. فتنطلق كل حكاية تنازليًا على مستوى الإطار الزمني الذاتي، وبدلًا من أن تتعرض بطلة النصّ إلى أزمة ما تدفعها للتحرك داخل النصّ إلى خطوة تالية نجدها تتخذ خطواتٍ إلى الخلف، حيث عُقد الطفولة المرتكزة على فقدان الأم والانفصال عن الأب ما يُشكل صدمات متجذرة في اللاوعي تُفسر ببساطة مدى تعقيد لحظة سرد الحكاية. كأن تقول في أحد المقاطع:

"في العادة عقلي فقط لا يكف عن طرح تلك الأسئلة. إنه الفراغ على الأرجح. حياتي فارغة لهذا أنا أملك كل وقت العالم".

تتبدل الحالة الشعورية للقارئ تبعًا للحالة العامة للعمل الأدبي، باختلاف كل عمل أدبي إذا كانت القراءة بهدف توضيح روابط موجودة سلفًا للنصوص مع بعضها البعض، وباختلاف حالة أبطال هذا العمل

في روايتها "السلاحف لا تشعر بالوحدة"، ندخل خزينة الملابس – الدولاب – مع "رؤى" بطلة النصّ. من اللحظة الأولى، من العتبة، وبإشارة فاضحة من رواية الغريب للفيلسوف الفرنسي ألبير كامو نعرف أننا أمام نصّ نصف سيريالي/عبثي تُضيف إليه السلحفاةُ المتكلمة مع البطلة دراما تليق بالحزن العام المُخيم على الصفحات الأولى. فتقول: "كل شيء كان يحدث دون مشاركتي. لقد قُرر مصيري دون أن يسألني أحد عن رأيي"! كما يبرز حضور الموت في أحد المقاطع، حيث تقول: "ورغم أن الموت شكل جزءًا أساسيًا مني، غيرني، ومازال يغيرني إلا أنني لم أفهمه، كالحب تمامًا".

لا تتكرر العناصر التقليدية داخل النصوص المذكورة، ولكن تتكرر السمات الشعورية المُخاطبة للقارئ أو بمعنى آخر المُعبرة عن حالاتٍ لا يُمكن التعبير عنها إلا من خلال الأدب باعتباره مرآة كل ما هو في اللاوعي.

بعكس السلاحف تتجلى الوحدة هنا في كل فعل داخل الرواية كتضاد، كشريطين متعاكسين. فيبدو كل مسار ضدّ الوحدة، هو تعزيز لها كردة فعل عنيفة، عبثية أحيانًا، وغير مرجوة.

تمتلك ضُحى صلاح – بلا شكٍ – أدوات فنية في غاية الثراء وقاموسًا خاصًا للتعبير عن المشاعر النفسية المُركبة. فهي مدفوعة بالرغبة في التجريب وكسر شرنقة الملل التي تغلّف كل ما هو تجريبي فلسفي. لا تدور نصوص الكاتبة حول نفسها، كما يحدث عادة، في بعض الأعمال التي تسقط في فخ المباشرة أو إسقاط النظريات النفسية على الأبطال. ببساطة كبساطة الماء بحسب تعبير رياض الصالح الحسين، وبوضوح طلقة مسدس، تتكتب كل نصٍّ فتصيب شعورًا واحدًا بالتحديد، حيث تجعل كل قارئ يتغير خلال رحلة القراءة. كما أنها قادرة على إنشاء رواية لا يعود قارئها أبدًا كما كان سابقًا.

ولدت ضحى في القاهرة، في الخامس من شباط/فبراير عام 1989، بدأت دراستها في كلية الآداب بجامعة عين شمس قسم الحضارة الأوروبية، ثم حولت دراستها إلى كلية دار علوم جامعة القاهرة. تخرجت في كلية دار العلوم، ثم بدأت طريقها كباحثة بالكلیة ذاتها. حصلت على لقب باحثة في الأدب والنقد بتقدير جيد جدًّا.

لها سبع روايات منشورة، حصلت على عدد من الجوائز الأدبية، ووصلت رواياتها إلى القوائم القصيرة لجوائز محلية وإقليمية: جائزة أخبار الأدب في دورتها الأولى عن روایتها "سهم غرب"، وصلت روايتها "طريق مختصرة إلى الفردوس" للقائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، وكذلك القائمة القصيرة لجائزتي "يحيى حقي" وجائزة "ساويرس الثقافية" لأفضل عمل أدبي فرع المؤلف الشاب عن روايتها "السلاحف لا تشعر بالوحدة".

كلمات مفتاحية
مصاب بكسرة

أثرٌ لا يُسمَّى.. قراءة في ديوان "مصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان

لم أفتح ديوان "مُصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان بوصفه كتابًا يمكن قراءته وفق ما اعتدنا عليه من طرائق التلقي، بل دخلت إليه كما يدخل جسد إلى تجربة لا يعرف مسبقًا حدودها

مانيدو

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض

عبور مؤجل

بطولة المحاولة أسمى من بطولة العبور وأبقى

يوثّق الكاتب العربي السوري عبد الله مكسور تجربة شديدة الخصوصية، يسرد من خلالها محاولته دخول الأراضي الفلسطينية عبر الأراضي الأردنية، رفقة صديق فلسطيني

المراهنات
حالة

العالم أصبح كازينو: الحروب والسياسة في مهبّ منصات التوقع

وُجّهت اتهامات إلى جندي في الجيش الأميركي، بعدما قيل إنه استغل معرفته المسبقة بخطة أميركية لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، للمراهنة على العملية عبر موقع "بوليماركت"

كأس العالم 2026
رياضة

هل أطلقت الإصابات رصاصة الرحمة على الجيل الذهبي لبلجيكا؟

كان السيناريو الذي ودعت فيه بلجيكا كأس العالم قاسيًا للغاية، خصوصًا أنه أتى على حساب جيل ذهبي يعيش في الغالب محاولته الأخيرة

المحامين في المغرب
حقوق وحريات

أزمة المحامين ووزارة العدل بالمغرب.. المعركة متواصلة حول قانون مثير للجدل

دخلت العلاقة بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل بالمغرب مرحلة جديدة من التصعيد

القطارات
مجتمع

رفع أسعار تذاكر القطارات في مصر.. قرار اقتصادي بتداعيات اجتماعية واسعة

منذ الأول من تموز/يوليو الجاري، بدأت الهيئة القومية لسكك حديد مصر تطبيق التعريفة الجديدة لتذاكر القطارات على مختلف الخطوط