16-أغسطس-2022
كاريكاتير لـ جواد تاكجو/ إيران

كاريكاتير لـ جواد تاكجو/ إيران

في دعوته إلى عدم الإكثار من التنقل بين الكتب، بما أن الإفراط في التنقل بينهم قد يُعرقل طريق الإنسان، يقول سينيكا في إحدى رسائله: "إذا شعرت في أي لحظة بأنك تحتاج إلى تغيير كاتب ما، ارجع إلى الكتّاب المجربين الذين قرأتهم من قبل".

إذا كانت الإنسانية مرحلة يبلغها الإنسان بعد مسيرة الارتقاء والتقدّم، فحيونة الإنسان هي مرحلة ينحدر إليها بالقمع والتنكيل وانتزاع القيم والمبادئ المثلى

ولا شك في أن الكتاب الذي نعود إليه أكثر من مرة – في هذا العصر الذي تراكمت فيه الكتب من حولنا، خاصةً مع توفر المئات من الملفات الإلكترونية – يكون له وقع خاص، أو أنه أشبه بالخميرة التي يحتاجها المرء من فترة لأخرى. وبتصورنا، فإن من بعض ما يزيد من قيمة أي كتاب، هو قدرته المتواصلة على إثارة التساؤلات في ذهن القارئ مهما اتسعت الرقعة الجغرافية أو الزمنية بينه وبين ذلك الكتاب.

وليس من المبالغة القول إن كتاب "حيونة الإنسان" للكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان، من تلك المؤلفات القادرة على إثارة التساؤلات كلما عاد إليها الذي قرأها من قبل، أو وقع بين يدي قارئٍ ما لأول مرة، إذ إنه بقي منذ صدوره إلى تاريخ اليوم قادرًا على بث شرارة التساؤل في عقل المتلقي. ومن جانب شخصي، حرّض الكتاب ذاكرتي، عند تلقفي له لأول مرة بعيد صدوره، على العديد من الأسئلة. وها هو اليوم أيضًا يقوم بالعمل ذاته بعد سنوات من القراءة الأولى.

صحيحٌ أنني أعود للكتاب من حينٍ لآخر عندما أود التأكد من معلومة وردت، أو حادثة ذكرها الكاتب الراحل، إلا أن قراءتي للكتاب كاملًا تعود إلى ما قبل انطلاق الاحتجاجات الجماهيرية في سورية. وبالرغم من أن الكاتب ابتعد قدر الإمكان في الاستشهادات التي ذكرها عن مضارب بلده نفسه، إلاّ أنه كانت تخطر على بال واحدنا، أثناء القراءة، الكثير من القصص المتعلقة بحيونة بعض البشر من حولنا في البلد، منها تلك الحوادث التي جرت في سجون النظام، وعلى وجه التحديد سجن تدمر. كما كنت أتذكر أثناء القراءة، على الفور، ما حكاه الكبار لنا عما حدث في مدينة حماة من الممارسات ما بعد البهيمية من قِبل جنود النظام بحق سكانها.

ولكن بما أن الأحداث وقعت في مدن سورية، والكاتب كان مقيمًا في سورية آنذاك، فلا شك أن أي شخص موضوعي كان سيقدّر موقف الكاتب في تجنب الحديث عما جرى في أقبية البلد من قبل جلاوزة الدولة، لأن الحديث في ذلك الوقت عن وحشية عناصر الأمن معناه أن الكاتب سيحفر قبره بيده، أو سيدخل برجله إلى جحيم النظام بناءً على ما كتبه.

غلاف الكتاب

لذا، حاول الكاتب أن يتجول في العالم، ويتحدث عن الدكتاتوريات البعيدة، ويسرد النماذج المتوحشة للطغم الحاكمة فيها من دون التجرؤ على الاقتراب من طغيان الدولة التي يُقيم فيها، أو ذكر أي شيء من مساهمات النظام في مجال حيونة الإنسان.

ولكن بقي سؤالان معلقان بذهني من وقتها، وهما: لماذا لم يذكر الكاتب السلوك المابعد حيواني للجنود العراقيين الذين غزوا الكويت في 1990، وبعد ذلك ما فعله الجيش العراقي بانتفاضة مواطني جنوب العراق، والوحشية التي تعامل بها النظام وجنده وضباطه مع المنتفضين على حكمه الجائر، مع أن الكتاب صدر بعد تلك الأحداث بسنوات؟ ولماذا لم يذكر عمليات الأنفال التي نُفذت على يد جنود صدام حسين، حيث كان يتم دفن الناس وهم أحياء بجانب القتلى في قبور جماعية؟

والسؤال الثاني هو: كيف عُومل الكتاب أو استُقبل مِن قِبل معارفه الذين كانوا في موقع المسؤولية في النظام، وكيف كان ردهم بعد قراءة الكتاب أو السماع به، فهل غيّر المدوَّن سلوك أي واحد منهم؟ أو هل استطاع الكتاب أن يغيّر رأي أي واحد منهم بكونه من المقربين ممن ساهموا في تلك الحالة اللاإنسانية بطريقة أو بأخرى؟ أم أنهم قدموا عشرات الحجج والذرائع والمسوغات التي تدفعهم لإتمام ما بدؤوا به أو ما كانوا عليه؟ خصوصًا وأن الكاتب الراحل أشار بنفسه إلى هذه الزاوية في نهاية الكتاب.

وإذا كانت الإنسانية مرحلة يبلغها الإنسان بعد مسيرة الارتقاء والتقدم والازدهار والتطور، عقب التخلص من كل الأشنيات والطحالب والمثالب السلوكية، فحيونة الإنسان وفق الكتاب المذكور هي مرحلة ينحدر إليها الكائن البشري إما بالقمع والتنكيل والحشر وانتزاع القيم والمبادئ المثلى منه، أو بعد تجفيف البيئة من حوله وإعدام سبل الحياة فيها، حيث إن المهيأ للانحدار سرعان ما يستجيب لنداء الغريزة الطبيعية لديه كحال الناس في الشدة المستنصرية – زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في مصر – أو وفق الأمثلة التي أوردها الكاتب.

تزيد قدرة الكتاب المتواصلة على إثارة التساؤلات في ذهن القارئ من قيمته

عمومًا، فمع أن الكاتب الراحل حاول جاهدًا أن يُلمّح ولا يذكر علانيةً ما يجري في البلد، وقد حام بعيدًا عن المكان، إلا أن النماذج التي يوردها تدفع صاحب البصيرة إلى مقارنتها مباشرة بالأجهزة الأمنية في بلده. كما أن صور تقديس الحاكم وتأليهه آنذاك بقيت تذكرني، على الدوام، بأحد معارفي الذي كان يتصور بأن الملك أو السلطان أو الرئيس لا يمتلك نفس الصفات التي تمتلكها العامة، لذا كان يتساءل: هل الزعيم  يذهب إلى التواليت مثلنا؟ وهي الصورة الشعرية لطفلٍ كان يتخيل بأن الحكام يشبهون الآلهة، ومن اللامنطقي أن يتصرفوا كباقي البشر العاديين.

تتقاطع هذه الصورة الشعرية العفوية لذلك الطفل، الذي غدا الآن رجلًا، مع ما قاله الشاعر اللبناني شوقي بزيع في واحدة من حواراته التلفزيونية، بأنه لم يكن يقبل أو يتصور بأن تذهب المرأة إلى الحمام، وكان يعتقد بأنها كائن من بلور.