القوت المُر.. حكاية بائعة متجولة في ظل قانون الشارع

القوت المُر.. حكاية بائعة متجولة في ظل قانون الشارع

تخضع تجارة الشوارع لقانون الشارع ولا يضبطها قانون آخر(صورة تقريبية/ميشال سيتبون/Getty)

الباعة الجائلون لهم حكاياتهم، و"تجارة الشوارع" صارت تستقطب طبقات اجتماعية أعلى في مصر، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون، وبدأت وسائل الإعلام تسلط الضوء عليهم وتصفهم بـ"أولاد الناس" الذين يجملون الشارع، ويجملون وجه النظام، الذي يتظاهر من خلال تركهم يعملون أنه يشجع على عمل الشباب، ذلك الشباب الذي يصفه الخطاب الرسمي دومًا بـ"الكسول، المتطلب والمتذمر".

صارت "تجارة الشوارع" تستقطب طبقات اجتماعية أعلى في مصر، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون، وهي على انتشارها، تبقى دون قانون يؤطرها

بعض باعة الشوارع لا مصدر لهم للرزق غير الشارع وعربة صغيرة، وأحدهم في تونس، منذ سبع سنوات، ساهم في قيام ثورة، امتدت خارج البلد، وامتدت تداعياتها إقليميًا وعالميًا. في "الترا صوت"، قضينا أحد الأيام مع بائعة متجولة، سألناها وعشنا معها تفاصيل اليوم. وننقل لكم هنا، جزءًا من عالمها وأحلامها وهواجسها.

اليوم كان إجازة، والجو شتوي غائم، سماء باهتة، سيارات تمر سريعًا دون رحمة، وأحيانًا تتمهل لتتوقف أمام أحد المحال دون انتباه كبير لـ"سكان الشارع"، بينما هي كانت تروح وتغدو في أحد الشوارع، تحمل أكياسًا من الجوارب الشتوية، تلاقت أعيننا، فابتسمت وأشرت لها برغبتي شراء بعض الجوارب. اشتريت منها، وبدأت الدردشة حول العمل في الشارع، فوجئت حقيقة بإقبالها العجيب على الحكي.

اقرأ/ي أيضًا: شوارع وأحياء مصر.. وراء كل اسم حكاية

هي أم ياسين، 28 عاماً، رفضت أن نصورها، تعمل بائعة جوارب في شارع عباس العقاد الشهير في مدينة نصر، تقول لـ"الترا صوت": "كنت بنت ليل، كنت أكسب جيدًا جدًا، يوميًا ليس أقل من 500 جنيه (30 دولار تقريبًا)، كنت أركب السيارات التي تقدم عرضًا جيدًا، وكنت أرتدي ملابس غالية، وآكل جيدًا، وأنام في بيت أحدهم حتى الصباح، أو في أي حديقة".

تضيف: "والدي كان قاسيًا، كان يضربني ويربطني بالجنازير (السلاسل الحديدية) وكان يحب إخوتي البنين أكثر منا البنات، اخترت الشارع، الحياة كانت قاسية، وأهل الليل من راغبي المتعة كانوا قاسين، ولكنهم كانوا يدفعون، لكن في الحقيقة عشت أيامًا سوداء، طعنني أحدهم بسكين في ظهري، ونجوت بأعجوبة، وصرت بعد فترة ضيفة دائمة في الحبس في قسم الشرطة".

بادرناها بالسؤال: "ولكن كيف قررتِ تغيير حياتك؟"، فأجابت: "ماتت أمي، كانت أفضل من أبي، كانت تأخذ من مالي الذي أكسبه في الشوارع ولكنها كانت أطيب منه، كانت تحبني، ورفضت بيع ابني الذي أنجبته، والذي لا أعرف من والده. كرهت الشارع بعدها، ورفضت العودة إلى ذلك الجحيم، وتعرفت على رجل طيب، هو أيضا له ماض يريد أن ينساه، تفهم حالتي وتزوجني على علاتي وأقيم معه أنا وابني".

تستطرد: "واصلت العمل في الشارع خلال اليوم من خلال البيع، كانت سيارات طالبي المتعة تمر بجواري دون أن آبه لها. سنة كاملة الآن أعيش حياة نظيفة، وبدأ الجميع باحترامي، حتى أطفال الشوارع، الذين ينامون على الرصيف، يساعدونني ويحمونني، وأهل الشارع الذين يعملون فيه يعرفونني ويحترمونني اليوم بل والبعض طلب مني اللجوء له إن احتجت شيئًا".

واصلت حديثها وقد غالبها الدمع: "كل ما أتمناه اليوم هو أن تتوقف بنات الليل عن بيع أجسادهن في الشوارع، الشارع قاس وظالم، وأتمنى أيضًا أن يُترك الباعة الجائلون في حالهم ليكسبوا رزقهم بكرامتهم".

اقرأ/ي أيضًا: أطفال الشوارع في مصر.. بين الواقع والسينما

يتعرض الباعة المتجولون في مصر للـ"إجلاء القسري" من باعة آخرين، من السلطات أو من بعض المجرمين والأخطار تلاحقهم بشكل واسع

في دراسة نشرتها جريدة الأهرام الرسمية عن الباعة الجائلين في مصر، وقامت بها الغرفة التجارية بمحافظة الشرقية، ذُكر أنه يوجد 5 ملايين بائع متجول، 30% منهم نساء، و15% منهم أطفال يعيلون أسرهم، وتقدر الدراسة حجم "تجارة الشوارع" بمصر بنحو 80 مليار جنيه سنويًا، تحتل فيها الملابس والأقمشة المركز الأول تليها الأحذية، ثم السلع الغذائية والخضروات والفاكهة، ثم لعب الأطفال والأدوات المكتبية ثم المشروبات والجرائد والكتب والمطبوعات كما كشفت الدراسة عن أن نحو 30% من الباعة من ذوي المؤهلات المتوسطة ونحو 3% لهم مؤهلات جامعية، واضطرتهم ظروفهم الاجتماعية للعمل لعدم توفر الوظيفة، والبعض موظفون بالفعل ولكن لأسباب اقتصادية اضطروا لزيادة دخلهم بهذه الطريقة.

ولكن الأخبار المتداولة عما يتعرضون له، ومقاطع الفيديو، التي يتم تداولها على مواقع التواصل تؤكد حجم التهديد المعرض له البائع الجائل أو صاحب العربة، هو معرض للـ"إجلاء القسري" من باعة آخرين، من السلطات أو من بعض المجرمين والأخطار تلاحقهم بشكل واسع، رغم تعاطف جزء واسع من المواطنين معهم. هذا التعاطف الذي يتضاءل أحيانًا أمام تصرفات بعضهم أو من يُوظف سياسيًا منهم ضد المتظاهرين ولأغراض أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التشرد في تونس.. ظاهرة محدودة في تصاعد

أطفال الجزائر يقاومون التقشف بخبز "المطلوع"