القهوة.. كيف أمكن لمشروب بُنّيّ اللون أن يغزو العالم؟!

القهوة.. كيف أمكن لمشروب بُنّيّ اللون أن يغزو العالم؟!

يستهلك العالم 500 مليون كوب قهوة سنويًا (Getty)

تتعدد المشروبات وتتنوع بتنوع الدول وأذواق سكانها، لكن الجميع يتفقون على حب القهوة، وحدها القهوة نالت نصيبًا كيبرًا من غزل الشعراء والكُتاب. وساهم انتشار السوشيال ميديا في إقبال جيل أصغر من الشباب على القهوة حتى أصبحت علامة على "العمق"، ذلك الأمر الذي أصبح فيما بعد مثارًا للسخرية، خاصة حينما يجتمع شرب القهوة مع الاستماع لفيروز!

الأكثر ورودًا أن القهوة اكتشفت في إثيوبيا بواسطة راعٍ يدعى كالدي لاحظ أن خرافه تنشط عند تناول ثمرة شجرة البن

لكل واحد من محبي القهوة طريقته الخاصة في حبه، بدءًا من اختيار نوع قهوته المفضلة ثم توقيت ومكان احتسائها وطريقة إعدادها؛ طقوس عديدة قد تصل في بعض الأحيان لقطع المسافات الطويلة من أجل الفوز بفنجان جيد من القهوة في مكانك المفضل.

اقرأ/ي أيضًا: شرب القهوة حول العالم.. طقوس في عشق السمراء

دائمًا ما كانت القهوة شريكًا في قصص الحب، إما عن طريق اللقاء بشريك/ـة الحياة مصادفة في أحد أماكن تقديم القهوة، أو التعرف عليه بأية طريقة أخرى ثم لقائه في هذه الأماكن. كون القهوة شريكًا في قصص الآخرين لم يثنيها عن أن تكون لها قصتها الخاصة والملهمة التي شكلت الدماء جزءًا من أحداثها.

القهوة.. شغف الاكتشاف وفتنة التحريم!

من اللحظة الأولى أعلنت القهوة أنها لن تكون مشروبًا عاديًا، بدءًا من اسمها بالعربية، فقد ذكر ابن منظور في كتابه "لسان العرب" المؤلف قبل اكتشاف القهوة -بشكلها الحالي- بقرنين، أن "القهوة: الخمر، سُميت بذلك لأنها تُقهي شاربها عن الطعام، أي تذهب بشهوته"، وهي مشتقه من الفعل "قهى"، وكانت تطلق على الخمر وكل ما يذهب العقل ويصرفه عن الطعام. وكان ذلك أحد دوافع الفقهاء لتحريم القهوة.

شجرة البن
شجرة البن

تختلف الروايات حول اكتشاف القهوة، الأكثر ورودًا أنها اكتُشفت في إثيوبيا بواسطة راع يدعى "كالدي"، لاحظ أن خرافه يزداد نشاطها وتقوم بحركات غريبة كلما تناولت ثمرة البن، تذوقها هو الآخر فسرى مفعولها في جسده، وكانت بداية القصة لمشروب أحيانًا ينافس الماء في أهميته، حيث تشير الإحصاءات إلى أن العالم يستهلك ما يقارب 500 مليار كوب من القهوة سنويًا.

عبر رحلة طويلة، نقلت القهوة من إثيوبيا إلى اليمن عن طريق المتصوف عمر الشاذلي المنتسب إلى الطريقة الشاذلية، نسبةً لأبي الحسن الشاذلي. وسرعان ما ذاع نبأ القهوة بين الصوفية اليمنيين حتى أصبحت علامة على صفاء الذهن، حتى أصبحت القهوة معينةً لهم على العبادات.

وصلت القهوة إلى مصر في القرن الـ16 الميلادي، وتتعدد الروايات حول طريقة وصولها، حيث يذهب البعض إلى أن طلبة الأزهر اليمنيين حملوها معهم إلى مصر، فيما ذهب الأديب جمال الغيطاني في كتابه "ملامح القاهرة في ألف سنة"، إلى أن أول من أتى بالقهوة إلى مصر كان الصوفي أبو بكر بن عبد الله الملقب بالعيدروس، حيث صادف شجرة البن في خلال زيارته إلى اليمن فوجد فيها أثرًا ساحرًا على العقل، يدفع بالإنسان إلى السهر والنشاط والتركيز، فأرشد أتباعه ومريديه إليها.

وصل أبو بكر إلى مصر في عام 1500 ميلادية، حاملًا معه القهوة إلى مصر، فانتشرت حول الجامع الأزهر المقاهي، وأصبحت القهوة حديث العامة والخاصة، الأمر الذي دفع الفقهاء إلى إصدار الفتاوى حولها، فاختلفت بين من رأى حرمتها ومن رأها حلّها، وإن كان تحريمها هو الغالب، حتى أن القهوة في بعض الأحيان كان تشرب سرًا خوفًا من "البصاصين" الذين كانوا يقومون بالقبض على شارب القهوة وتقديمه للمحاكمة، كشارب الخمر تمامًا. 

وكان لتحريم القهوة تبعات وتجليات أبرزها في القرن الـ17، حيث أصدر السلطان العثماني مراد الرابع فرمانًا يوصي بإعدام من يقبض عليه متلبسًا بشرب القهوة، في ذلك الوقت انتشرت المقاهي في اليمن ومصر وسوريا وفي تركيا حاضرة الخلافة العثمانية، حينها بدأ بعض رجال الدين المقربين للخليفة في تحريم القهوة، حيث رأوا أن القهوة صرفت الناس عن المساجد ومجالس العلم، وشبهوا دورانها بين شاربيها بدوران النبيذ بين السكارى.

مقهى عثماني
مقهى عثمانلي في القرن الـ19 يقدم القهوة والشيشة (النارجيلة) 

لكن القهوة وككل شىء يُلطف المزاج، وجدت من يناصرها كالشيخ أبي بكر المكي الذي ألف رسالة "إثارة النخوة بحُكم القهوة"، وفي دمشق كان هناك الشيخ أبو الفتح المكي الذي وصف بالمبالغة في نُصرة القهوة. 

أما أبرز من أحلها فكان القاضي محمد بن إياس، الذي أصدر فتوى فريدة من نوعها، اختبر قبل إصدارها أثر القهوة على العقول، حيث دعى إلى بيته بعض الناس وقدم لهم القهوة، واستمر في الحديث إليهم في موضوعات متنوعة فقهية وعلمية حتى يختبر تركيزهم، وعندما رأى أنّ القهوة كان لها الأثر الحسن على تركيزهم، أقرّها وأفتى بأنها حلال، حتى استقر رأي الفقهاء فيما بعد على عدم حرمانية تناول القهوة.

تجارة الـ100 مليار دولار

لا مجال للاستغراب حين نعلم أن القهوة تعد حاليًا أهم السلع التجارية بعد النفط، حيث يصل حجم تجارتها إلى 100 مليار دولار بحسب موقع "Factslides"، فيما يعمل بإنتاجها ما يقارب 25 مليون إنسان، بين مُزارع وعامل وناقل وبائع وفي جميع العمليات الخاصة بالقهوة، حتى تصل إلى شكلها الأخير في الكوب أو الفنجان.

 يستهلك العالم اليوم ما يقارب 500 مليون كوب قهوة، حسب إحصائيات شركة "Euromonitor"، وهو الرقم الأكبر في تاريخ القهوة، لكنه بالطبع لم يأتي عن طريق المصادفة، دعايات القهوة تكلف المليارات سنويًا، حيث يروج للقهوة على أنها المشروب الذي سيساعدك في إنجاز مهامك بتركيز أكبر، خاصة في ظل زيادة ساعات العمل، وتحول الكثير من الأعمال إلى أعمال ذهنية ومكتبية بدلًا عن كونها يدوية، الأمر الذي يتطلب الكثير من التركيز والكثير من القهوة.

القهوة من بلاد العرب إلى بلاد العجم

على الرغم من أن اليمن يعد المهد الأول لزراعة شجر البُن بعد إثيوبيا، وأنه من صدر القهوة إلى العالم، إلا أنه مع اندلاع الحرب، لم يعد اليمن ضمن قائمة الدول الكبرى المصدرة للبن، فظروف الحرب صعبت مهمة الزراعة والتصدير ودفعت أسعار البن اليمنى إلى الارتفاع المبالغ فيه، مع ذلك يظل البن المنتج في اليمن من أجود أنواع البن على الإطلاق.

وتأتي الدول الإسكندنافية في صدارة قائمة الدول المستهلكة للبن، بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية، فيما تغيب الدول العربية عن صدارة القائمة العالمية. 

وعربيًا، يتصدر لبنان قائمة الدول العربية الأكثر استهلاكًا للبن، وفقًا لمعدل كيلو لكل فرد سنويًا:

  1. لبنان 4.8
  2. فلسطين 3.8
  3. الجزائر 3.5
  4. قطر 2.2
  5. الأردن 1.9
  6. السعودية 1.6
  7. الكويت 1.6
  8. تونس 1.1
  9. عمان 1.0
  10. المغرب 0.9

وغابت مصر عن القائمة العربية للدول الأكثر استهلاكًا للقهوة، إذ إن معدل الاستهلاك فيها هو 0.1 كيلو للفرد سنويًا، رغم أن حجم إنفاقها على استيراد البن، وصل لـ133 مليار دولار، وفقًا لحسن فوزى رئيس شعبة البن في مصر.

أين تشرب قهوتك هذا اليوم؟

تتعدد الأماكن التى تقدم القهوة، بدءًا بالعلامات التجارية الشهيرة مثل ستاربكس وكوستا التي تملكتها شركة كوكاكولا في صفقة تاريخية في أيلول/سبتمبر الماضي بـ5.1 مليار دولار أمريكي، وصولًا إلى المقاهي العادية المحلية التي يمكن تناول القهوة بها مقابل ثمن زهيد مقارنة بالعلامات التجارية الكبرى.

قهوة تركي
تمتاز القهوة بالطريقة التركية، بطبقة رغوة كثيفة أو ما يعرف بـ"الوش"

وكما تتعدد الأماكن التي تقدم القهوة، تتعدد طرق تقديمها، فهناك الطريقة التركية التي تنتشر في تركيا ومصر وعديد من البلدان العربية خاصة، والتي تتميز بوجود "الوش"، وهو رغوة تعلو القهوة، وكلما زادت تعد علامة على جودتها عند محبي هذه الطريقة. 

هناك كذلك الطريقة الأمريكية سريعة التحضير، وأيضًا الطريقة العربية لصنع القهوة المنتشرة في منطقة الخليج، وتبدأ من مستوى تحميص البن إلى "تحويجته" أو ما يضاف إليه، إذ يضاف إليه توابل مثل الهيل والزعفران والقرنفل. وقد تختلف الطريقة في كل منطقة داخل كل دولة.

غابت مصر عن القائمة العربية للدول الأكثر استهلاكًا للقهوة، بمعدل استهلاك 0.1 كيلو للفرد سنويًا، فيما تصدر لبنان القائمة

إذًا، قد تتعدد طرق صنع القهوة وأماكن تقديمها، لكنها تبقى القهوة، أكثر مشروب ارتبط بالصباح وبصفاء الذهن وإزالة آثار النوم والصداع، وهي كذلك أكثر من أكثر المشروبات إلهامًا للشعراء والأدباء. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كم كوب قهوة يمكنك أن تشربه يوميًا؟

كم تحتاج من القهوة يوميًا لحماية قلبك؟