القلق الإبداعي ما بين ثوب الشاعرة الشفّاف ونصّها الروائي

القلق الإبداعي ما بين ثوب الشاعرة الشفّاف ونصّها الروائي

(Getty) الأفكار والكلمات لا يهمّها أن تكون على الورق أو الملف الإلكترونيّ

الكلمات مكنسة الروح، منفضة العقل. الكتابة تدلّنا علينا. المحبرة نافذة الرؤية التي بها أراك وتراني. نكتب كي نترك الأثر ونفعل العقل والعين والحواس. الأفكار والكلمات لا يهمّها أن تكون على الورق أو الملف الإلكترونيّ. الكلمات مفاتيح للتعارف والتأثير في الفرد والمجتمع وخلق لبنة تناسب العصر وتستقي من أداوته التكنولوجية والعلمية الحداثية الغزيرة. الكتاب كعلاقة بين القارئ والناشر والكاتب لا بد أن تخضع لهذه المتحوّلات الكونية، فمن رقم الطين والكتابة المسمارية وصلنا إلى الملف الإلكترونيّ الذي يخزن كمّية هائلة من الكلمات والكتب في شريحة بحجم إصبع. ومن الصحيفة الورقية إلى مواقع إلكترونية، بعضها يبقى وبعضها يختفي معه كل ما نشر.

الكلمات مفاتيح للتعارف والتأثير في الفرد والمجتمع وخلق لبنة تناسب العصر وتستقي من أداوته التكنولوجية والعلمية الحداثية الغزيرة

بناءً عليه نسأل: ما الذي ستؤول إليه مصائر الكتب العربية المنشورة إلكترونيًا؟ سواء من حيث الديمومة أو النقد والتسويق وحقوق الملكية الإبداعية؟

اقرأ/ي أيضًا: بينَ مدّ الكاتب وجزر ناقده

النقد الإبداعيّ الأدبيّ ازدواجيّ محافظ وكسول. العلاقة بين كاتبة النّص الملقى عبر تسجيلات الفيديو وثوبها وعين القارئ مسألة بحاجة إلى وقفات. نقرأ أحدهم يمدح شعر صديقته الفاتنة فيأخذه صوت الذكورة عاليًا فيرى صورتها الفيزيقية ولا ينتبه للصور الشعرية – إن وجدت – في طيات كتابتها. هذا يزيد من تفاهة بعض الكتابات التي تطالعنا كما لو أنّها إبداع والأدب منها براء. لا يكفي أن تلبس الشّاعرة ثوبًا أحمر شفّافًا وتتغنج في الالقاء حتى تصبح أديبة.

هنا مسافة بين شفافية التعبير وشفافية الثوب واستعراض الجسد.

تجارب النشر الإلكتروني العربي

هناك جوانب سلبية وإيجابية يمكن تناولها من خلال تجربتي وتجارب الآخرين في التفاعل مع الشبكة المعلوماتية. سيأتي وقت قريب ستقوم الحروب على الشبكة وتموت افتراضيًا. سيتظاهر ويعترض الأفراد من خلال منصّات الإعلام الاجتماعي. لن ننسى بأنّه وعبر هذه الشبكة قام الشباب بتعطيل اجتماعات منظّمة التجارة الحرّة، عبر مظاهرات اعتراضية في سياتل الأمريكية مثلًا منذ سنوات.  ومن خلال هذه الشبكة تم تنظيم مسيرات نسائية متعدّدة، ومنها مسيرة "المليون أمّ" في كندا وأمريكا منذ سنوات أيضًا، وللمطالبة بفرض رقابة شديدة على تجارة الأسلحة والمخدرات التي تسببت في كوارث عنيفة ضحاياها الشباب الصغار والأطفال. ومن ثمّ انتعشت في العقد الأخير حملات التحشيد للثورات العربية وإلى ما بعد الربيع العربيّ، حيث الاعتصام في ساحات البلاد: لبنان، العراق، مصر، سوريا، تونس... إلخ. هذه ظواهر يتم نقلها مباشرةً بالتصوير والتحميل إلى الشبكات العالمية لتصبح مادة يستقي منها التلفزيون والإذاعات الدولية. أخر هذه التظاهرات كانت خروج قلّة من المواطنين الكنديين للتظاهر أمام مبنى البلدية اعتراضًا على فرض الحجر الصحي بسبب انتشار فيروس كورونا وقوبل باستهجان حكومة أونتاريو.

الصوت ينتشر من الساحة إلى الفضاء الإلكترونيّ إلى شاشة التلفزيون في مسيرة عكسية لما كان يحدث سابقًا.

حملات التوقيع لمناصرة سجناء الرأي

هناك حملات الاعتراض وتوقيع البيانات لمناصرة موقف أو شاعر أو قضية ما، وكلّها عبر الشبكة، يشرف عليها مثقّفون خارج حزام السلطات ورقابتها. أخر هذه الحملات أطلقتها منظّمة القلم الدولية الكندية لمناصرة حقوق كتّاب من اليمن تم سجنهم وتعذيبهم والحكم التعسفي بالموت ضدّهم.

عبر هذه الشبكات أسَّس الكتّاب والشّعراء لهم بيوتًا ومدنًا افتراضية، وتراهم يكتبون نصوصهم مباشرةً على الشبكة، مع الأغلاط المطبعية. بنظري، الفكرة مقدّسة أكثر من السهو اللغوي.

أسَّس الكتّاب والشّعراء لهم بيوتًا ومدنًا افتراضية، وتراهم يكتبون نصوصهم مباشرةً على الشبكة

المواقع الثقافية تتيح فرصة التواصل للمهاجرين/ اللاجئين وتكسر اغترابهم لتكون بديلًا فاعلًا بين هؤلاء المطرودين من نعمة المشاركة في مطبوعات رسمية ورقية، أو تلك المراقبة من قبل الاتّحادات الرسمية للكتّاب في العالم العربي.

اقرأ/ي أيضًا: في المَشي كتابةً

أذكر هنا سجالًا طويلًا يجرى في كندا هذا الصيف لتغيير شروط الحصول على عضوية اتّحاد كتّاب كندا. الطرح الجديد يدور حول حقّ الكاتب الذي ينشر على نفقته أو إلكترونيًا أن يصبح عضوًا في الاتحاد الذي من شروطه الأساسية أن يكون العضو كاتبًا له منشورات ورقية ولها رقم مرقن دوليًا.

منتديات السوريين من "سيريانز" إلى "كشكول" إلى "جدار" إلى مواقع لا تحصى

منذ بدايات هذا القرن 21، اجتمع الكثير من السوريين المقيمين في سوريا وخارجها للحوار عبر منتديات ثقافية ومجموعات مهمة للتبادل الفكريّ والثقافيّ. انضممت إلى بعضها مثل: كشكول، وسيريانز، ومعابر، مدينة على هدب طفل. تعرّفت على كثيرين ما يزالون أصدقائي افتراضيًا حتّى اليوم.

كانت المنتديات مساحة حرّة تعويضية وبنّاءة ولا تخلو من ضوضاء وشللية. كانت العلاقات مباشرة ولهذه الحوارات متعتها ومذاقها المختلف وفيها شفافية الأريحية الأثيرية. كانت المنتديات مفتوحة على تبادل الآراء ولا تخلو من النزق والنكتة. لاحقًا جاء الفيسبوك ثم تويتر، انستغرام. بعض المواقع تحوّلت إلى منبر للكراهية والحقد الطائفي، ما أن تضع مقالًا لا يعجب أحدهم حتّى يبدأ الردح القبيح والعنصري المهين ضد الآخر.

المعلق لا يخجل ما دام يكتب بغير اسمه الحقيقي، وهذا ما يجعلني أتساءل: هل نحن حقًا ذاهبون بكتابات الفضاء الإلكترونيّ إلى جهة المستقبل أم إلى هوليود، أم المقبرة؟! هل تتطور الشبكة العربية بمحمولها الثقافيّ والإبداعيّ، أم أنّها في طور المراهقة؟

باستطاعة الوعي أن يلعب دورًا مهمًّا والمستقبل هو الحكم.

غياب نقد الكتاب الالكتروني

فيما يخصّ تحوّلات النقد في زمن النشر الإلكترونيّ، أعتقد أنّنا لم نتقدم بل العكس. ربما للمسألة علاقة بالصحف وسياساتها التي تقفل الباب الثقافيّ وتعزّز السياسيّ على حساب الأدب وجهود الناقد الثمينة التي تأتي بالخبرة والوقت والدرس الجاد المستمر للمنتج الابداعيّ والفكريّ عربيًا وعالميًا، وهنا نشير إلى مسألة ديمومة النص الورقيّ وفناء المنشور إلكترونيًا، إن لم تقم الجهة الناشرة على تثبيته في الموقع الخاص بالصحيفة الورقية بعد إفلاس الجريدة أو توقفها. كان بودّي أن تبقى كتاباتي وكتابات زملائي في صحيفة مثل "السفير" و"المستقبل اللبنانية" "والحياة اللندنية" متوفّرة على الشبكة الآن كما كانت في السابق!

البديل الإلكتروني الجديد، ونشر الكتب عبر امازون، وكيندل وشركاه

هناك العديد من الشعراء القدامى ذهبوا إلى تجربة النشر الإلكترونيّ، وبعضهم بدأ النشر إلكترونيًا، مثلي، وليس جديدًا القول إنّ العلاقة بين الناشر والكاتب، مثل قصّة القطّ والفأر. أتحفظ على الإتيان بأسماء هنا لأنّ المهم هو تناول الظاهرة وليس الطعن في أي جهة.

يفتقد سوق الكتاب العربيّ إلى التفعيل والتجديد بشدّة بسبب ارتباط الجيل الحديث بالتكنولوجيا التي صارت تباعد ما بين الكتاب الورقي والقرّاء

نعرف أنّ سوق الكتاب العربيّ تفتقد إلى التفعيل والتجديد بشدّة بسبب ارتباط الجيل الحديث بالتكنولوجيا التي صارت تباعد ما بين الكتاب الورقي والقرّاء، فنجد محاولات بعض الكتّاب والشعراء إلى ترقين كتبهم إلكترونيًا وبيعها بسعر بسيط، أو نشرها مجانًا أو بالاحتفاظ بحقوق الملكية بموجب عقود مع دور النشر الإلكترونية. كنت شخصيًا قد نشرت إلكترونيا أول كتاب لي عام 1999 في موقع "المرايا الثقافية"، توقف الموقع، اختفت النصوص، فأعدت الطباعة ورقيًا في كندا على نفقتي الخاصّة.

اقرأ/ي أيضًا: قصص "نفق سري"... الاضطرابات النفسية في حكايات البطل المجهول

عبر المنصات الإلكترونية، استطاع الكاتب العربيّ أن يكسر رقبة الرقيب قليلًا. ومن المهم في النهاية أن تبقى المساحة حرّة، ولو نسبيًا، للتعبير بالكلمات والنصوص والفنون في كلّ مرحلة. سنختلف ونتّفق ونفشل في السجالات، وسيكون عادلًا ألّا نقصّ لسان وكلمات الآخر، لأنّ لون خيمته السياسية لا يشبه لون فكرتك ومنحاها على طول الخطّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سنان أنطون في قصائد "كما في السماء".. صورة عراق يتلاشى

أدباء جرّدوا من جنسياتهم