القفص الأخير في مشهد الموت

القفص الأخير في مشهد الموت

محمد الشمري/ العراق

لطالما كنت أودّ لو امتلكتُ الجرأة لأترك باب القفص مفتوحًا، كنتُ سأستمتع برؤية الكناري وهو يودّع سجنه ولو أني في تلك اللحظة امتلكتُ إلى جانب الجرأة كاميرا ذات دِقَّة عالية بحيث أتمكن من تصوير حركة الطائر الحرّ وهو ينال الكون الفسيح بدلًا من سجنه، لاستمتعت بإعادة اللقطة مرارًابحركة بطيئة. 

هل شاهدتَ قفصًا مفتوح الباب؟ وهل يفقد القفص قيمته الجمالية -"من حيث أن جمال الشيء في أحد تعاريفه هو كمال تأدية الغاية من وجوده"- في حال كان مُشرعًا؟ يسوقني هذا لسؤال أهم ألا وهو: لماذا صنع الإنسانُ القفصَ؟ سأجيب عن أسئلتي بما اختزنته في الذاكرة عن القفص الأول الذي صنعته من الشبك وأوفدتُ إليه أول مساجيني السياسيين، أقصد طائر "الحسون" الذي تمكنت من صيده بطرق الصيد المعهودة لصيده، ولأكن منصفًا سأعترف بأني حبسته فقط لأن صوته كان جميلًا ومغايرًا لأصوات وزقزقات عصافير الدوري التي كانت تتحلق حول القفص حين كان السجين يشدو بألحانه من خلف القضبان. 

هو معتقلي السياسي الوحيد وأنا سجانه؛ تماما كما لو أنني الآن أسمع أصوات أنات المعتقلين في الأقبية البعيدة، ولكنني كنتُ رحيمًا إذ لم أمنعه من الغناء، ولم أمتلك كما رئيس يخاف الجمال جرأة منحه مرسومًا بالعفو، ربما لأني أدرك تمامًا أن عصافير الدوري لن تصبح في يوم ما حساسين، ولأن ذلك الرئيس يدرك أيضًا أن حساسينه لم تعد تنفع للغناء فضلًا عن التحليق، فما جدوى إطلاقهم، ربما إطلاق الغربان والخفافيش كان أجدى كثيرًا، خاصة إذا أراد بذلك استبدال القفص الصغير بقفص كبير جدًا، يراه المساجين/الحَسَاسين وطنًا، بينما يتخذه الغربان (قواويش) يعيثون فيها فسادًا. 

لم أطلق سراحه بل صار وسيلة للصيد؛ حيث صرت أعرف كيف أستثمر قفصه في رحلات صيد إخوته، والمسألة بغاية السهولة: أضع القفص في طريق مرور "كشّات الحساسين" في موسم الغناء الجميل، يستنجد بما يجود به من البكاء فيغار عليه إخوته وزملاؤه في التحليق، يقتربون منه ليسمعوا رسائله و تكون الفخاخ مجهزة للاحتفاء بالنزلاء الجدد، مساجين كثر كانوا قبل قفص المكيدة أحرارًا يتغنون بالسماء والكون والهواء، ولم يعد قفصي الصغير يتسع لكل هذي الطرائد وبات لزامًا علي أن أشتري أقفاصًا من دول الجوار، أقصد أصدقائي الصيادين أو تجار الأقفاص والحريات. 

كان أحد الصيادين يتلذذ بحرق الحسون الممتنع عن الغناء في قفصه مبتهجًا برائحة الشواء على مرأى الحساسين/المساجين في حركة تأديبية لكل ممتنع عن دفع مستحقات الحياة، بينما كان آخر يرد عليه بحرق الغربان والخفافيش في الأقفاص فهو يراهم أعوانًا أو انعكاساتٍ للروح المظلمة لدى ذلك الصياد. 

كنت أسميها حروب الصيادين والطغاة، والتي كانت تتجاوز حرق الأقفاص إلى محاولات جادة للاشتغال بالمعارك حيث يريد طرف ما الحصول على غنائم الطرف الثاني من الحساسين والغربان فما يكون من الطرف الآخر إلا الاعتماد على تقنية قفص الموت، أقصد التهديد بقتل الطيور أيا كان نوعها في أقفاصها، متناسيًا أن منظور الطريدة والغنيمة هو المحرك أصلًا، ولن يجدي ذلك في منع الطرف المُغير من الإغارة، لن أحتمي بالقفص قلت لكل الصيادين، لن أصنع قفصا لأحتمي به ولن أكون سنمار العصر ولا هرقله ولا نيرونه، الإنسان صنع بنفسه ولنفسه القفص وعليه أن يخرج منه أولًا ليستطيع التخلي عنه لصالح إنسانيته. 

القفص نتيجة للخوف القابع خلف القفص الصدري، ذلك السجن الأول الذي يُخفي خلف قضبانه معادن الناس، وأحلامهم ومخاوفهم وهواجسهم، متى استطعنا منح قلوبنا حرية القول والتحليق سنقدر على نبذ كل ما يحمل فكرة القضبان.

لم أستطع منح الحسونِ حريّته، أذكر أني رأيته ميتًا من شدة القهر، ومن يومها أعلم أني فقدت حلمي البسيط في تصويره وهو يشدو خارجًا للحياة.

اقرأ/ي أيضًا:

سمّوني قاتلًا مأجورًا

وجه الغريب عطشٌ قديم