ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

القضية الجنوبية في اليمن: هل ما تزال مشروعًا سياسيًا أم ساحة صراع تمثيل؟

9 فبراير 2026
أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي
ما يجري في جنوب اليمن يعكس عمق الخلافات السياسية في البلاد (رويترز)
نجيب العدوفي نجيب العدوفي

تعود القضية الجنوبية في اليمن إلى الواجهة مجددًا مع تصاعد التوترات التي شهدتها المحافظات الشرقية للبلاد مع نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي.
هذه المرة عادت القضية ليس بوصفها مطلبًا سياسيًا، بل كساحة جدل حول طبيعتها وتمثيلها ومستقبلها، وسط تباينات في المواقف والرؤى بين المكونات السياسية والمجتمعية في جنوب اليمن؛ فثمة من يراها قضية حقوق وهوية، وآخرون ينفون وجودها من الأساس.

في خضم هذا الحراك، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إن المرحلة المقبلة ستفتح آفاقًا جديدة من الاستقرار وحلًا منصفًا للقضية الجنوبية.

وفي اللقاء الذي عقده العليمي بالرياض، غداة إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، مع عدد من القيادات المحلية والعسكرية والاجتماعية والسياسية في محافظة الضالع جنوب اليمن، أكد التزام الدولة بمعالجة منصفة للقضية الجنوبية من خلال الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية السعودية، وبتمثيل شامل دون إقصاء أو تهميش، محذرًا من توظيف هذه القضية في صراعات مسلحة تسيء إلى عدالتها وتضر بمستقبلها.

قضية جيل بعد جيل

في السياق، يقول الصحفي ماجد الشعيبي من عدن إن القضية الجنوبية ليست وليدة اللحظة، بل ارتبطت منذ قيام الوحدة اليمنية وما تلاها من حرب صيف 1994، وما تزال قائمة وتتفاقم مع مرور الوقت، خصوصًا في ظل الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة وما رافقها من قصف واعتداءات على قوات جنوبية، على حد قوله.

ويشير الشعيبي في حديثه لموقع "الترا صوت" إلى أن آثار حرب صيف 1994 ما تزال حاضرة في وعي الأجيال المتعاقبة، وأن جيلًا بعد جيل ظل متأثرًا بالسياسات التي أعقبت تلك المرحلة.

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إن المرحلة المقبلة ستفتح آفاقًا جديدة من الاستقرار وحلًا منصفًا للقضية الجنوبية

مساعٍ لتذويب القضية

يشير الشعيبي إلى أن واقعًا جديدًا يتشكل في المحافظات الجنوبية، حيث يرى أن هذا الواقع هو الأخطر على مسار القضية الجنوبية، خاصة في ظل ما سماه تمكينًا لقوى تابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح من وزارتي الدفاع والداخلية، مشيرًا إلى أن هناك توجهاً سعوديًا لتحسين الواقع الخدمي، لكنه يرى في الوقت نفسه أن هذا التوجه يسير بالتوازي مع مساعٍ مباشرة لتذويب القضية الجنوبية وإخفائها.

وعن الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض، يعرب الشعيبي عن شكوكه في وجود حوار جاد، وربما تكون نتائجه محسومة سلفًا، على حد قوله، مؤكدًا أن الجنوب لن يقبل بما يصفها بالممارسات الجارية، خصوصًا الاعتقالات التي حدثت في حضرموت وتدخل ما سماها "القوات الشمالية"، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل مخاطر كبيرة على الجنوب، وتداعيات على السعودية والحكومة الجديدة، فضلًا عن الانعكاسات السلبية المباشرة على الخدمات وحياة المواطنين.

وعن إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، يقول الشعيبي إن "هذا الأمر لا يمكن أن يقبله الشعب في الجنوب"، مؤكدًا أن "هيئات المجلس الانتقالي في الداخل تعمل بشكل مباشر وتلبي احتياجات المواطنين"، ويرى أن "المساس بها أمر مرفوض، داعيًا إلى الانتباه إلى خطورة هذه المسألة".

صراع سلطة وثروة

برؤية مغايرة، يقرأ المحلل السياسي حسن مغلس الواقع في جنوب اليمن، ويقول لموقع "الترا صوت" إنه لا توجد بالأساس قضية تسمى القضية الجنوبية، معتبرًا أن هذا المصطلح ظهر بعد حرب 1994، وولد، بحسب تعبيره، من رحم الحزب الاشتراكي اليمني عقب هزيمته في تلك الحرب، وأُستخدم لاحقًا كغطاء سياسي للعودة إلى السلطة.

ويؤكد مغلس أن ما جرى بعد الحرب كان صراعًا سياسيًا بين قيادات البلاد في الشمال والجنوب، وليس قضية شعب أو مظلومية عامة، مبينًا أن الكثير من أبناء المحافظات الجنوبية لا يتبنون هذا الطرح ولا يعترفون به.

ويرجع مغلس أسباب الصراع السياسي إلى ما سماها الأخطاء التي ارتكبها الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، أبرزها إقصاء الموظفين العسكريين والمدنيين، حيث جرى استثمارها سياسيًا لتحويل الخلاف إلى ما سمي قضية جنوبية، لافتًا إلى أن تلك الأخطاء لم تخص الجنوب وحده، بل طالت مختلف المحافظات اليمنية شمالًا وجنوبًا، وأن أصل المشكلة كان في نظام الحكم لا في الوحدة نفسها.

وعن تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي خلال سنوات سيطرته الفعلية على الأرض، يقول مغلس إنه لم يقدم نموذجًا مقنعًا سواء على مستوى الخدمات أو الإدارة، واصفًا ما يجري اليوم بصراع المصالح والسلطة والثروة، وليس قضية حرية أو حقوق، وأن ما يسمى بالقضية الجنوبية تحول إلى أداة لتكريس النفوذ والاستحواذ على الأراضي والموارد.

وكانت القضية الجنوبية قد طرحت في مؤتمر الحوار الوطني الذي أُعلنت مخرجاته في العام 2014، ويقول مغلس إن هذا الملف فُرض سياسيًا في الحوار، وإن المناصفة لم تكن تعبيرًا عن عدالة بقدر ما كانت محاولة لتمرير ملف خلافي، مؤكدًا أن أصواتًا جنوبية عارضت هذا المسار منذ البداية لكنها همشت.

العدالة تسبق أي مسار سياسي

وحول الدعوات إلى الحوار الجنوبي–الجنوبي، يعبر مغلس عن رفضه لهذا المسار في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لتأمين الناس ووقف الانتهاكات وتحسين الخدمات، لا لفتح حوارات مع أطراف متهمة بارتكاب جرائم جسيمة، وفي ظل السلاح والخوف؛ فالعدالة والمساءلة يجب أن تسبق أي مسار سياسي، على حد قوله.

فجوة أمام الجيل الجديد

يرى المحلل السياسي الدكتور عمر باجردانه أن المجلس الانتقالي الجنوبي ومعه بقية المكونات الجنوبية لم ينجحوا حتى الآن في الاستفادة من الجيل الجديد في الجنوب بالشكل المطلوب. ويضيف: "رغم أن هذا الجيل لم يعش وقائع حرب 1994، إلا أنه عاش آثارها وتداعياتها، وكان بالإمكان ربطه بالقضية الجنوبية عبر مقاربة مختلفة تُبرز القضية بوصفها مشروع مستقبل، لا مجرد إعادة إنتاج لصراعات لا علاقة لهذا الجيل بها".

ويقول باجردانه لموقع "الترا صوت" إن هذا الجيل "لم يتم توظيفه بشكل صحيح ضمن المسارات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية المرتبطة بما تسمى القضية الجنوبية"، حيث أن الخطاب السائد ما يزال يدور في إطار منظومة أفكار وشعارات قديمة لا تعكس الواقع المعاش للجيل الجديد، ما أسهم في نشوء فجوة واضحة بين تطلعات هذا الجيل ورؤيته للمستقبل، وبين الخطاب والأنشطة التي تقدمها المكونات السياسية بما فيها المجلس الانتقالي منذ مرحلة الحراك السلمي وحتى اليوم.

ويشير باجردانه إلى أن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي لم يُحدث تحولًا جوهريًا في هذا المسار، إذ استمر بالدوران في الدائرة نفسها مع اجترار الماضي بكل ما يحمله من إخفاقات، وعدم تطوير خطاب إعلامي حديث أو سلوك سياسي مختلف، أو تقديم مبادرات اجتماعية واقتصادية قادرة على جعل الجيل الجديد رافدًا حيويًا للقضية الجنوبية.

الدور السعودي

وفي ما يتعلق بالحوار الجنوبي–الجنوبي، يعتبر عمر باجردانه أن الدعوة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية لعقد هذا الحوار تمثل "مدخلًا رئيسيًا لبناء شراكة سياسية بين السعودية والقوى الوطنية الجنوبية الحاملة للقضية الجنوبية"، مشيرًا إلى أن هذا الحوار يهدف إلى إعادة ترتيب مسألة تمثيل القضية الجنوبية على المستويين الإقليمي والدولي والمحلي، بما يشمل الأنشطة والفعاليات والمسارات السياسية المرتبطة بالقضية وحامليها.

ما يجري في جنوب اليمن يعكس واقع الخلافات السياسية التي ظهرت عقب تحقيق الوحدة اليمنية بين نظامين مختلفين في البنية السياسية والاقتصادية والعسكرية شمالًا وجنوبًا

ويؤكد أن انتقال القضية الجنوبية إلى العمل السياسي المنظم كان ضرورة فرضتها معطيات المرحلة، ولولا هذا الانتقال لما تحققت العديد من الإنجازات على المستويات الشعبية والإقليمية والدولية، وأن الجمع بين البعد الحقوقي والعمل السياسي المنظم أسهم في إيصال القضية الجنوبية إلى المحافل الدولية وطرحها في أروقة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وفيما يتعلق بشرعية تمثيل القضية الجنوبية، يرى باجردانه أنها يجب أن تقوم على معيارين أساسيين: الأول أن القضية الجنوبية هي قضية شعب وهوية، والثاني أنها قضية سياسية بامتياز وقضية دولة نشأت نتيجة ما وصفه بخلل في الشراكة بين دولتي الوحدة عام 1990، وما تلا ذلك من فشل تلك الشراكة وانقلاب أحد الأطراف عليها، وهو ما أفرز الواقع القائم اليوم، على حد تعبيره.

غياب المعالجات

ما يجري في جنوب اليمن يعكس واقع الخلافات السياسية التي ظهرت عقب تحقيق الوحدة اليمنية بين نظامين مختلفين في البنية السياسية والاقتصادية والعسكرية شمالًا وجنوبًا، لتواجه هذه الشراكة تحديات عميقة تمثلت في الخلاف حول تقاسم السلطة والثروة، وإدارة مؤسسات الدولة، وهيكلة الجيش والأمن، إضافة إلى تباينات سياسية حادة بين القيادات التي قادت مشروع الوحدة، وصولًا إلى مواجهة عسكرية في عام 1994، وفق مراقبين.

ويقول مراقبون إن هذه الحرب أسفرت عن هزيمة طرف وانتصار آخر، وتولّد عن ذلك سلسلة من الإجراءات شملت إقصاء وتسريح آلاف العسكريين والمدنيين من وظائفهم، وتغييرات واسعة في موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب شكاوى متزايدة من التهميش السياسي والاقتصادي دون معالجات حقيقية، ما أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بالعدالة والإنصاف، ثم ظهرت أصوات أخرى تطالب بالانفصال.

كلمات مفتاحية
تونس

تقدير موقف|احتجاجات تونس المعيشية: دوافعها ومآلاتها

شهدت تونس، في النصف الثاني من تموز/ يوليو 2026، تحركات احتجاجية بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي والماء الصالح للشرب. وتزامنت هذه الاحتجاجات مع الذكرى السنوية الخامسة لانقلاب الرئيس قيس سعيّد على الدستور

الفلسطينية رفقة حسن تراقب حصار المستوطنين لمنزل عائلتها في قصرة (وكالة الأنباء الأوروبية)

من قصرة إلى جنين.. عنف المستوطنين يتقدم على الأرض في الضفة الغربية

في مشهد تتداخل فيه الهجمات على الفلسطينيين مع محاولات الاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم، بينما تمضي الحكومة الإسرائيلية في توسيع الاستيطان وإعادة مستوطنات أُخليت قبل أكثر من عقدين

بوتين

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945