القصيدة الأخيرة لبيكتور خارا

القصيدة الأخيرة لبيكتور خارا

بيكتور خارا (1932- 1973)

بيكتور خارا (1932- 1973) شاعر ومغنٍّ وموسيقار ومخرج مسرحي ثوري من تشيلي، كان واحدا من خمسة آلاف مثقف وناشط يساري ألقى الديكتاتور أوغوستو بينوشيه القبض عليهم فور الانقلاب العسكري الذي أطاح بسالفادور أيّندي، أول رئيس يساري منتخب في تشيلي.

تم إعدام بيكتور خارا في مجزرة استاد تشيلي الشهيرة في أيلول/سبتمبر 1973، وذلك بعد تعرضه للتعذيب وبتر أصابعه وإجباره على الغناء لتسلية الجنود قبل تنفيذ الأمر بتصفيته هو وزملائه. قبل إعدام خارا بساعات كان قد ألف قصيدة أخيرة، تسربت فيما بعد إلى الشارع، وصارت أيقونة معبرةً عن بشاعة الديكتاتورية العسكرية وتضحيات القوى التشيلية المناضلة.. هذه القصيدة لم تحمل عنوانًا أبدًا، وربما لم تكتمل أيضًا، لكنها ترجمت إلى لغات عدة ووصلت اليوم إلى العالم كله.. وقد أضفتُ إلى هذه الترجمات العديدة ترجمة جديدة باللغة العربية اعتمدتُ فيها على النص الإسباني الأصلي

وقد تشرفت بمراجعة الصديقة العزيزة الكاتبة والمترجمة مها عمر لهذه الترجمة وبالملاحظات الثرية التي أبدتها، كما أنني استأنستُ أيضا بترجمة أخرى برتغالية، نظرا لأنني دخيل أصلًا على الإسبانية فيما أجيد البرتغالية أفضل منها بكثير.

وتوجد لهذه القصيدة ترجمة إنجليزية كذلك كتبها خوان خارا، وقد اطلعتُ عليها أيضا قبيل ترجمتي. كما أن هناك ترجمة عربية لهذه القصيدة نشرها فؤاد وجاني على الفيسبوك. إلا أنني أظن أن هذه النسخة ليست مترجمة عن الإسبانية مباشرةً، ولكنها فيما يظهر لي مترجمة عن النص الإنجليزي الذي كتبه خوان خارا، لأن خوان خارا قد تصرف في هذه الترجمة الإنجليزية بتعبيرات من خارج النص الأصلي، وأرى أن الأستاذ فؤاد وجاني قد تابعه في ذلك ونقل النص الإنجليزي كما هو تقريبا، ولكن ما قدمه هو عمل طيب وإضافة ثقافية حسنة على كل حال، وإن لم يمنعنا هذا من التطلع لتقديم ما نظنه أفضل دون حرج.. فإلى نص القصيدة:

نحنُ خمسةُ آلافٍ هُنا
بهذا المكان الصغيرِ من المدينةْ..
نحن خمسةُ آلافٍ
فكم نكون في المُجمل..؟
في المدائن وفي البلدِ بأكمله..؟
فقط ههُنا
عشرةُ آلافِ يدٍ تبذُرْ..
وتديرُ المَصانِعْ..
فكمْ هُم البشرُ في الجوع والبرد والقلق والألم
والضغط المعنوي والرعب والجنون!
ستةٌ منّا ضاعوا
في فضاء النجومْ..
واحدٌ ماتَ..
وثانٍ ضُرِبَ كما لم أتصورْ أن يُضرَب إنسانٌ قطّ!
والأربعة الآخرون أرادوا الخَلاص من كل المخاوف بقفزةٍ في الفراغ..
وآخرُ طفقَ يضربُ رأسهُ في الجدارْ..
لكن الجميع يحدق بثبات في الموتْ..
يا للرعبِ الذي يبعثه وجهُ الفاشيةْ..!
إنهم ينفذون خططهم بانضباطٍ خبيثْ..
من غير أن يهُمَّهُم شيءْ..
إن الدمَّ عندهم أوسمةْ..
والذبحُ عندهم هو فعلٌ بطوليْ..
هل هذا هو العالم الذي خلقته يا ربي؟
من أجل هذا كانت أيامك السبعة من الإبهار والعملْ..؟
بين هذه الجدران الأربعة يوجد فقط عدد واحد لا يتقدم..
وعلى مهَلٍ سوف ينزو إلى موتٍ أكثر..
ولكن فجأةً يلفحني الوعي..
وأرى هذا المَدَّ بلا نبضات..
وأرى خفقان الآلات.. 
والعسكر يسفرون عن وجه القابلةِ الذي يملكون..
طافحًا بالعذوبة..
وماذا عن المكسيك، وكوبا، والعالم؟
الذين يصرخون من هذا الهوانْ..!
نحن عشرة آلاف يدٍ
إلا ما لا تُنتج..
فكم نكونُ في البلدِ بأكمله..؟
إن دم الرفيقِ الرئيس يضربُ
أقوى من القنابل والرشاشاتْ..
هكذا سوف تضربُ قبضتُنا من جديدْ..
وأغني إذ يتخللني السوء
عندما يجب أن أغني للرعبْ..
أرتعبُ كما لو أنني أحيا
كما لو أنني أموتُ، أرتعبْ..
من أن أرى نفسي بين الجموع والجموع
في لحظات اللانهائيةْ..
حيث يكون الصمتُ والصراخ
هما غايتا هذا الغناءْ..
إن الذي أراهُ لم أرَهُ أبدًا..
وما شعرتُ به وما أشعرُ به
سيستنبتُ اللحظةَ الحالية.

أيلول/ سبتمبر 1973

اقرأ/ي أيضًا:

قصة وثلاث قصائد

حنة آرندت.. فيلسوفة تفكيك الشمولية