القصص التي ترويها فلسطين

القصص التي ترويها فلسطين

مظاهرة عربية داخل القدس القديمة ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام 1937 (Getty)

تروي فلسطين قصّة هذا الشرق كاملة، منذ ابتداء العصر الحديث بسايكس – بيكو ووعد بلفور، وصولًا إلى انفجار بركان النكبة. تروي لنا هذا المسار الدموي لتخبرنا كيف صِيغت ملامحنا وهوياتنا، وكيف صُنعت خرائطنا التي تنكمش بالقرب منها وتتسع كلما ابتعدت عنها، وتروي أيضًا سيرة من حكمونا، ولماذا توجّب عليهم، هم بالذات، أن يحكمونا؟

تروي فلسطين قصة العدالة المستحيلة في هذا العالم الذي يعادي تحقيقها، ويسعى بكل قوته لتأبيد الظلم والظالمين

تروي فلسطين قصة العدالة المستحيلة في هذا العالم الذي يعادي تحقيقها، ويسعى بكل قوته لتأبيد الظلم والظالمين، لأنه يعرف جيدًا أن العدالة تعني خسارة مكتسباته التي حقّقها بالسرقة والكذب والتزوير، مع ما يلزم من مذابح عادية وبطش ضروري في سبيل ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: صفر الزمن الفلسطيني

تروي رغمًا عن سادة هذا العالم وأساطينه أصلَ الأشياء ومبتدأ الحكاية، فعندما تأسّست الحركة الصهيونية في 1897 كانت نسبة اليهود في فلسطين 4 %، وارتفعت إلى 14 % عند بدء الانتداب البريطاني، ومع وصوله إلى نهايته عام 1948 وصلت النسبة إلى 30 %، ولم يكونوا يملكون أكثر من 7 % من الأراضي. على هذا سيكون قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 ذروة لا تُصدق من ذرا بلوغ العدالة للاستحالة وغياب العادلين في هذا العالم، فحيث إن نسبة العرب هي الغالبة لم يعطهم هذا القرار إلا 45 % مع أنهم ثلثا السكان. هذا طبعًا دون التطرق إلى فظاعة القرار غير المسبوق قانونيًّا في تقسيم بلد دون موافقة أصحابه!

تروي فلسطين قصة الحرية في العالم العربي، وتسرد حكايا أمل شعوبه بالتحرر، فرغم كل الهزائم التي لم تنزل مثلها بأمة من الأمم أو شعب من الشعوب ظلّت هناك شجاعة وجسارة وروح تحدٍّ قل نظيرها، وتواصل ظهور أناس مستعدين لترك كل شيء ليقاتلوا من أجلها. حدث ذلك في أعوام الثورة الكبرى 1936 – 1939، وحدث عام 1948 مع جيش المتطوعين الذي عُرف بـ"جيش الإنقاذ"، فعلى الرغم من كل ما يمكن أن يقال عن هذا الجيش من عبثية تشكليه، ومحاولة كل طرف سياسي عربي توظيفه لصالحه، ناهيك عن عدم كفاءته وضعف تسليحه، لكنّ النظر إلى سير الشباب الذين انضموا إليه، وقضت منهم أعداد غفيرة، يعني شيئًا واحدًا: ثمة تطلّع إلى التحرر الوطني والتخلص من الاستعمار، لدي الشباب، جيلًا بعد جيل، واستعداد لخوض حرب يعرف أنها خاسرة. الأمر نفسه ينطبق على العرب والأكراد والأجانب الذين انخرطوا في القتال ضمن صفوف منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

إلى جانب ذلك كله، تجيب فلسطين على أقدم أسئلة الثقافة العربية: لماذا تقدّم الغرب وتأخرنا؟ بالطبع استدعى السؤال منذ طرحه إجابات عديدة، لكن منذ إنشاء إسرائيل على الأرض الفلسطينية والإجابة الواضحة هي: تأخروا لكي تبقى إسرائيل تبدو دائمًا الأقوى والأفضل والأجمل، ولكي يتباهى إعلامها وأبواقها ولوبيّاتها بهذه الصورة، ولكي يعدّوا نقيضها، أي كلّ ما هو عربي مشرقي، بأنه ضرب من عداء الحياة.

تجيب فلسطين على ذلك ببراءةٍ لا تحتاج إلى كثير من البلاغة؛ إن احتلالها حفظ حق البقاء للدكتاتوريات العسكرية والممالك المتخلفة، كي تفتك بالإنسان وحقوقه وتسرق ثروات البلدان وتلقي بها في ظلمات لا مخرج منها. ولهذا فإن تحريرها من الاحتلال يعني، من بين كل ما يعنيه، أنه تقدّم وتحضّر.

تروي لنا كذلك كيف صارت أجهزة الأمن أعظم إنجازات الدولة العربية المعاصرة، وكيف تساوت في ذلك الجمهوريات والممالك، فحيث لا تجد مدارس كما ينبغي للمدارس أن تكون، ولا مستشفيات، ولا مواصلات، ولا حتى حدائق، ستجد في الوقت نفسه مؤسسات أمنية بقدر ما يمكن لعقلك أن يتخيّل، تُنفق عليها أموال تكفي لرفع مستوى التعليم ورعاية صحة مواطني البلد بأكملهم. والأكثر مرارةً أنه لا مهمة لديها سوى الدفاع عن الأنظمة، ولا يوجد من يمنعها من وضع الجميع تحت الرقابة، وجعل فلسطين حجّة لقمع كل من يخالف حتى لو كان مناضلًا فلسطينيًا، فأجهزة القمع الأمنية سلطة إلهية مطلقة همّها الأول أن تعرّف الخيانة، كما تفهمها وكما تقتضي مصلحة بقاء نظامها، وفي سبيل ذلك لا تتوانى عن ممارسة العنف والتعذيب ليصبح ما ليس خيانة هو الخوف، وبالتالي الصمت. إنها حين تعذّب الفرد تعرف أنها تعذّب المجتمع، لأن تخويف واحد هو تخويف للمجموع. ناهيك أن الفرد الذي يعترف بخيانته يقدم للنظام العدو الذي يحتاجه ليستمد شرعية وجوده المفقودة، ولكي يبرّر بطشه الساعي لتثبيت أركانه في المكان والزمان. بهذا المعنى، أجهزة أمن الأنظمة العربية كما نعرف جيدًا لم تخترع عدوًا سوى مواطنيها ومجتمعها، ما يعني أنها تحارب مجتمعها. فلسطين التي استُعملت قناعًا عند الأنظمة هي أوّل من أزال هذا القناع في جلّ البلدان العربية.

أجهزة القمع الأمنية سلطة إلهية مطلقة همّها الأول أن تعرّف الخيانة، كما تفهمها وكما تقتضي مصلحة بقاء نظامها

تحكي فلسطين قصة عن المكان لم يسبق للفيزياء أن عرفت مثلها من قبل، وعلى الأرجح لن تعرف مثلها أبدًا. القصة هي قصة فلسطين التي جعلتها الأهوال والنوائب فلسطينات لا تكفّ عن التوالد، وإذ كان لدينا فلسطين المقسمة إلى أراضي 48، والضفة الغربية، وقطاع غزة، والمخيمات في سوريا ولبنان والأردن، والشتات الذي يمتد على بقاع الأرض كلها.. فهذا يعني أنّ كل جزء من هذه الأجزاء يمثّل نفسه، كما ينظر إليه على أنه فلسطين كاملةً وقد اتخذت هذا الشكل. هذا ما يحدث لمن يعيشون في الجغرافيات الفلسطينية، ولهذا فإن هذه العلاقة الاستثنائية مع المكان تجعل الفيزياء تقف عاجزة عن فهم هذا النوع من علاقات العيش السحرية، التي لن يقوى عليها جيش احتلال في التاريخ كله.

اقرأ/ي أيضًا: نكبة "أحمد العربي" ومضارعته المستمرة

تروي فلسطين لنا كل ذلك. إنها شهرزاد من نوع حيّ. لديها قصة القصص كلها. وفي داخلها تختزن الرواة جميعًا، لكنّ شهريار لا يرغب بالاستماع ما دام يعرف أن الحكاية أقوى من السيف، ولهذا يريد التخلص منها قبل أن تقضي عليه قصصها. هو يعرف أن الإجهاز عليها يعني إجهازًا على القصص التي تحملها أيضًا.

هكذا إذًا، على العكس من شهرزاد في ألف ليلة وليلة، تروي فلسطين وتواصل دون كلل، وسلالة من الشهريارات لا يزالون يحاولون محو الحكاية بدأبٍ يدركون أنه عبثي، فالحكايات لا تموت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في معنى أن النكبة ليست حدثًا